صلة الرحم

من شعب الإيمان صِلة الأرحامِ لقوله تعالى: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)) سورة محمد، ((وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)) الرعد.

ورَوَى الطَّبَرَانيُّ والبَزَّارُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال :” مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيَصِلْ رَحِمَه ” ..

وقال أيضًا لأَحَدِ أصحابه :” أَطْعِمِ الطَّعَامَ وصِلِ الأرحامَ وصَلِّ باللَّيْلِ والنَّاسُ نيامٌ تدخلِ الجَنَّةَ بسلامٍ ” .. رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه) بإسنادٍ صحيح ..

ليُعلم أن صلة الرحم واجبة ، والرحم هم الأقارب من جهة الأم أو الأب كالخالات والعمات والاخوال والأعمام وأبنائهم وبناتهم ، ولا يجوز قطع الرحم بلا عذر ومن العذر أنه إن كان الواصل يصل رحمه بشيء من المال فلم يتيسر له أن يصل رحمه به فهذا معذور إن لم يكن له وسيله غير هذه .
وصلة الرحم من وصايا رسول الله ﷺ فلنحرص عليها ولنبادر بفعلها لكسب الأجر من الله تعالى

والمرادُ بالرَّحِمِ الأقاربُ كالجَدَّاتِ والأجدادِ والخالاتِ والعَمَّاتِ وأولادِهم والأخوالِ والأعمامِ وأولادِهم فأرحامُ الشَّخْصِ كُلُّ قرابةٍ له من جهةِ الأبِ ومن جهةِ الأُمِّ إنْ كانتْ قَرَابَةً تَرِثُ وإنْ كانتْ قَرَابَةً لا تَرِثُ . ومعنى الصِّلَةِ زِيارتهُم لمنِ استطاعَ ومراسلتُهم لمنْ لم يستطعْ والإحسانُ إلى المحتاجِ منهم إنِ استطاع، فمَنْ عَلِمَ أنَّ في رَحِمهِ مَنْ هُوَ فقيرٌ محتاجٌ وكانَ عندَه ما يَزِيدُ ويَفْضُلُ عن حاجاتهِ ولم يُسَاعِدْهُ مَعَ عِلْمهِ بحال رَحِمهِ فإنَّ هذا قاطعُ رَحِم .

 وقطيعةُ الرَّحِمِ من الكبائرِ بالإجماع، وهي من معاصي البَدَنِ وتحصلُ بإيحاشِ قلوبِ الأرحامِ وتنفيرِها إمَّا بتركِ الإحسانِ بالمالِ في حالِ الحاجةِ النَّازلةِ بهم أو تركِ الزِّيارَةِ بلا عُذْرٍ، وقاطعُ الرَّحِمِ وَرَدَ الحديثُ الصَّحِيحُ في حَقِّهِ أنه لا يدخلُ الجَنَّةَ مَعَ الأَوَّلين .

ثمَّ إنَّ صلةَ الرَّحِمِ دَرَجَاتٌ ، منها أنْ تكونَ صِلَتُكَ لرَحِمِكَ في أوقاتٍ متقاربةٍ ومنها أنْ تكونَ في أوقاتٍ متباعدةٍ بحيثُ لا يَشْعُرُ رَحِمُكَ بالجفاء لو تباعدتِ الأوقات . إنْ كانتْ صِلَتُكَ لرَحِمِكَ في أوقاتٍ متباعدةٍ إلى حَدٍّ لا يشعرُ رَحِمُكَ معهُ بالجفاء فقد حَصَلَتِ الصِّلَةُ، أمَّا إذا قَطَعْتَ مُدَّةً تُشْعِرُ رَحِمَكَ بأنكَ جَفَوْتَهُ فقد قَطَعْتَهُ ولم تَصِلَهُ .

عادةُ النَّاسِ في هذه الأيامِ جَرَتْ بالصِّلَةِ بالزِّيارة في رَمَضَانَ وفي الأعيادِ وفي أيامِ الحُزْنِ ، الرَّحِمِ يراعي هذه الأوقاتَ أكثرَ من غيرِها لأنَّ من تَرَكَ الصِّلَةَ في هذه الأوقاتِ يكونُ أشعرَ رَحِمَهُ بالجفاء .

واعلمْ أنَّ رَحِمَكَ إنْ كنتَ تستطيعُ أنْ تزورَه فلا بُدَّ أنْ تَزُورَهُ ولا يكفي أنْ تُرْسِلَ السَّلامَ إليه من غيرِ أنْ تَزُورَه، إنما لوقتٍ من الزَّمَنِ يكفي إرسالُ السَّلامِ إليه، فإنْ كانَ ذلكَ الرَّحِمُ لا يُحِبُّ دُخُولَ هذا القريبِ بيتَه ولا يرضَى وكانَ هذا القريبُ يعلمُ أنه لا يرضَى فليسَ عليه أنْ يدخلَ، سَقَطَ عنه، لكنْ بقيَ أنْ يرسلَ إليه السَّلامَ أو يرسلَ إليه مكتوبًا، وأمَّا إنْ كانَ رَحِمُهُ يُحِبُّ دُخُولَهُ بيتَه وقُعُودَهُ عندَهُ فلا يكفي إرسالُ السَّلام للمُدَّةِ الطَّويلة، هذا في حال لم يَكُنْ للشَّخْصِ عذرٌ أمَّا إنْ كانَ له عذرٌ كأنْ كانَ في بلدٍ بعيد ولا يَسْهُلُ عليه أنْ يذهبَ لزيارةِ أقربائهِ لو غابَ مَثَلًا خمسَ سنين وهو يرسلُ إليه السَّلامَ فلا شيءَ عليه، ومن الأعذارِ في عدمِ زيارةِ الرَّحِمِ أنْ يَكُونَ سَمِعَ من قريبهِ هذا رِدَّةً كسَبِّ الله أو الأنبياء أو الملائكةِ أو الاستهزاء بالقرءانِ وما أشبهَ ذلكَ فإنَّ هذا لا صِلَةَ له . الرَّحِمُ الذي تعلمُ منه كُفْرًا لا حَقَّ له عليك ، انقطعَ ولاؤُه بكُفْرِه، ليسَ لهُ عليكَ حَقٌّ .

وكذلكَ يجوزُ لكَ قَطْعُهُ إنْ كانَ فاسقًا يشربُ الخمرَ أو يتركُ الصَّلاةَ أو يزني وما أَشْـبَهَ ذلكَ ولكنْ هذا لا تَقْطَعُهُ إلَّا بعدَ إعلامهِ بالسَّببِ لِتَزْجُرَهُ عن مِثْلِ هذه الأفعال .

إذا أردتَ أنْ تهجرَ رَحِمًا تعلمُ منه الفسقَ بنيَّة أنْ يَنْزَجِرَ عن فسوقهِ وأشعرتَه بأنكَ تجفوهُ لأجلِ ذلكَ فلو جَفَوْتَهُ كانَ ذلكَ جائزًا لأنه قد يَتَأَثَّرُ لذلكَ فيتركُ ذلكَ الفسوقَ الذي من أجلهِ جفوتَه .

وممَّا ينبغي للمؤمنِ أنْ يُحْسِنَ إلى رَحِمهِ التي أدبرتْ لأنَّ الله تعالى يحبُّ للمؤمنِ أنْ يَعْمَلَ المعروفَ مَعَ الذي لا يعرفُ له المعروفَ، فالمؤمنُ الذي يُحْسِنُ إلى رَحِمهِ الذي يُحْسِنُ إليه له أجرٌ أَقَلُّ من أجرِ الذي يُحْسِنَ إلى رَحِمهِ التي أدبَرَتْ لأنَّ هذا فيه كَسْرُ النَّفْسِ في طاعةِ الله والله يحبُّ كَسْرَ النَّفْسِ في طاعتهِ.

وصلة الرحم من أسباب البسط الرزق وإطالة العمر لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ في الصَّحِيحَينِ: ((مَن أحَبَّ أن يُبسَطَ لهُ فِي رِزقِهِ وأن يُنسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ فَليَصِل رَحمهُ)). والنَّسيئةُ في الأَثَرِ طولُ العُمُر . وقد أخرجَ القُضَاعِيُّ في (مسندِه) أنَّ رسولَ الله ﷺ قال :” صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمُر ”  يعني كانَ في عِلْمِ الله تعالى أنه لولا هذه الصِّلَةُ ما كانَ عُمُرُهُ كذا، ولكنْ عَلِمَ الله تعالى بعِلْمهِ الأزليِّ أنه يَصِلُ رَحِمَهُ فيكونُ عُمُرُهُ أَزْيَدَ من ذلكَ بمشيئةِ الله، فيكونُ المعلومُ المحتومُ أنه يَصِلُ رَحِمَهُ ويعيشُ إلى هذه المُدَّة. وقال رسولُ الله ﷺ:” مَنْ سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ له في عُمْرِهِ ويُوَسَّعَ لهُ في رِزْقهِ ويُدْفَعَ عنه مِيتَةُ السُّوْءِ فلْيَتَّقِ اللـهَ ولْيَصِلْ رَحِمَه ” رواه أحمدُ في (مسندِه) والبيهقيُّ في كتابهِ (القضاء والقَدَر) من حديث عليِّ بنِ أبي طالب رضيَ الله عنه . وجاء في حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ فِيهِمَا أيضًا عن أبِيهِ: ((لا يَدخُل الجَنَّةَ قَاطِعٌ)) يَعنِي قاطِع رحمٍ قلت: ولا فَرقَ بَينَ أن يَكُونَ بَرًّا أو فاجِرًا. ومعنى قول رسولُ الله ﷺ:” لا يدخلُ الجنَّةَ قاطع“، أيْ قاطعُ رَحِم. رواه البُخَارِيُّ ومسلم.  أيْ لا يدخلُها مَعَ الأَوَّلين ، معناه لا يدخلُ الجَنَّةَ إلَّا في ءاخِرِ مَنْ يدخلُها بعدَ أنْ يأخذَ نصيبَه من العذاب، هذا في غيرِ الكافرِ وأمَّا الكافرُ فلا يدخلُ الجَنَّةَ أبدًا، لا مَعَ الأَوَّلينَ ولا مَعَ الآخِرِين، أهلُ الجَنَّةِ ليسَ كُلُّهُمْ يدخلونهَا دُفْعَةً واحدةً، إنما أَوَّلُ مَنْ يدخلُ الجَنَّةَ رسولُ الله ثمَّ أنبياءُ الله ثمَّ الصُّلَحَاءُ ثمَّ غيـرُ الصُّلَحَاء ممَّنْ عَفَا الله عنهم ثمَّ الآخِرُون.

ومن حبائل الشيطان قول بعضهم ” فلان ءاذاني لا أزورُه ” ” فلان لايزورني فأنا أقطعه ” بدعوى المعاملة بالمثل فإن هذا سبب للحرمان، ورسول الله ﷺ يقول: ليسَ الواصلُ بالمكافئِ ولكنَّ الواصلَ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ إذا قَطَعَتْ” اهـ رواه البخاري.

وهذا فيه إيذان بأن صلة الرجل للرحم التي لا تصله أفضل من صلته رحمه التي تصله لأن ذلك من حسن الخلق الذي يحبه الله ورسوله لنا. ولنذكر أنَّ ربنا عزَّ وجلَّ يقول: * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * [سورة فصلت: 34 ] * ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* كدفع الغضب بالصبر، والجهل أي الطيش والغضب بالحِلم، والإساءةِ بالعفو والإحسان، فإن هذا يؤلف قلوبا ويغير أحوالا.

وقطيعةُ الرَّحِمِ من أسباب تعجيلِ العذاب في الدُّنيا قبلَ الآخرة. قال رسولُ الله ﷺ:” ما مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أنْ يُعَجِّلَ اللهُ لصاحبهِ العُقُوبَةَ في الدُّنيا مَعَ ما يَدَّخِرُ له في الآخرةِ من البَغْيِ وقطيعةِ الرَّحِم ” رواهُ التِّرْمِذِيُّ في (سننه) وصَحَّحَهُ.

وفي روايةٍ عندَ أحمد:” ذنبانِ مُعَجَّلانِ لا يُؤَخَّرانِ البغيُ وقطيعةُ الرَّحِم

وقد قال ﷺ: ” أطعِمِ الطعامَ وأفشِ السلامَ وَصِلِ الأرحامَ وقم بالليل والناسُ نيام تَدْخُل الجنة بسلام“ اهـ.

وهذا رسول الله محمّد ﷺ أول ما نزل عليه جبريل بالوحي ذكر ما قد رءاه من نزول الملك عليه للسيدة خديجة فقالت له ” اثبت يا ابن عمّ وأبشر، إنك لتَصِلُ الرحم، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتُكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضيف، وتُعينُ على النوائب ” [رواه البخاري]

ولما نزلت الآية * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ* [سورة الشعراء: 214] صَعِدَ رسول الله ﷺ إلى جبل الصفا وجعل ينادي حتى يجتمعوا عليه فقال لهم ” يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أُغُنِي عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أُغنِي عنكم من الله شيئًا” إلى أن قال:” يا فاطمةُ بنت محمد سَلِينِي من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا ” رواه البخاري . أي أنه بدأ بدعاء قبيلته وأقاربه من لم يؤمن منهم للإيمان بالله ومن ءامن للتمسك بالإيمان والطاعة إلى الممات.