التواضع وترك الكِبر

ينبغي على العاقل أن يتبع نهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجتنب الكبر على الناس، فإن العبرة عند الله بالنيَّة الخالصة له والعمل الذي يراد به وجهه، وليست العبرة عنده بجمال الوجوه أو قبحها، أو كثرة الأموال أو السمعة بين عوام الناس، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : “إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. معناه: الإنسان لا يحاسَب على الصورة التي خلقه الله عليها وإنما يحاسَب على نيته وعمله.

فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :” لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كانَ في قلبهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ منْ كِبْر”.

فقال رجل : “يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة”. فقال عليه الصلاة والسلام :” إن الله جميل يحب الجمال الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس ” .. رَوَاهُ الإمامُ مسلمٌ في صحيحه.

الكِبر بَطَرُ الحق معناه ردُّ الحق على قائل الحق مع علمه بأن الصواب مع القائل لنحو كَونِ القائل صغيرَ السِّنِّ فيستعظم أن يرجع إلى الحق من أجل أن قائلَه صغيرُ السِّنِّ أو لأن قائلَ الحق من الفقراء وغير المعروفين ونحو ذلك. هذا هو الكِبْر.

غَمْطُ الناس معناه ازدراءُ الناس أي استحقارُهم كأنْ يتَكَبَّرَ على الفقيرِ وينظرَ إليه نَظَرَ احتقارٍ أو يتَرَفَّعَ عليه في الخطاب.

أما قول رسول الله :” إنَّ الله جميلٌ يُحِبُّ الجمال ” فمعناه موصوف بالصفات الجميلة معناه: الله جميلُ الصفاتِ أي قدرتُه كاملةٌ وعِلْمُهُ كاملٌ وإرادتُه شاملةٌ كاملة.

أما الفَخْرُ فهو أنْ يَلبَسَ الشخص اللباس أو يسكن البناء أو يركب المركوب يريد من ذلك أن يكون له اختصاص وتمَيُّـزٌ عند الناس بالنظر إليه بعين التعظيم والتفخيم.

فإذا كان قصد الشخص الفخر والتعاظم في لباسه فهو حرام، وكذلك في مركوبه، فالذي يَتَّخِذُ عَرَبَةً فخمة للفخر فهو في معصيةِ الله إلى أن يتوب، والذي يبني بناء فاخرا بنية التفاخر والتعاظم فإنه في معصية الله إلى أن يتوب، وأما الذي يركب العَرَبَاتِ الفخمةَ بنية التجمل فقط وإظهارِ النِّعْمَةِ أو يَلْبَسُ الثِّيَابَ الفاخرةَ بنيَّة التجمُّل فقط ليَبْدُوَ أمامَ النَّاسِ بمنظرٍ جميلٍ لا للفخرِ والتعالي على النَّاسِ فليسَ حرامًا.

وكذلكَ الذي يسعى لجمعِ المال من الطُّرُقِ التي شَرَعَهَا الله تعالى إنْ كانتْ نيَّـتُه أنْ يَتَلَذَّذَ برِزْقِ الله فليسَ حرامًا، وأمَّا الذي يسعى لجمعِ المال وتكثيرِه ليقالَ: أنظروا إلى فلان لقد صارَ من الأغنياء الكبار فهذا في معصيةِ الله عَزَّ وجَلَّ إلى أنْ يَرْجِعَ. يجبُ عليه أنْ يتوبَ إلى الله ويغيِّر نيَّـتَه.

والذي يَضَعُ أوانيَ الفِضَّةِ والذهب في خزانةِ بيتهِ ليراها النَّاسُ ويقولوا ما أغناه يوجدُ عندَه ما ليسَ عندَ غيرِه، فإنَّ عليه ذنبًا كبيرًا. كُلُّ شيء يفعلُه الإنسانُ للفخرِ من لباسٍ جميلٍ وأثاثٍ جميلٍ ومَرْكَبٍ جميلٍ فهو حرامٌ. والذي يبني بناءً فخمًا للفخرِ ذنبُه كبير. وأمَّا الذي يلبسُ ثوبًا أنيقًا للتجمُّلِ فقط فهذا جائز هؤلاء الذينَ يَلْبَسونَ الثِّيابَ الفاخرةَ للفخرِ أو يبنونَ البناءَ الجميلَ للفخر أو يركبونَ المركوباتِ النَّفيسةَ الجميلةَ للفخرِ لو عَجَّلَ الله لهم العُقُوبَةَ لعَاقَبَهُمْ في الدُّنيا قبلَ الآخرة لكنَّ الله يُؤَخِّرُ عذابَ أكثرِ الخَلْقِ إلى الآخرة وقد يُظْهِرُ الله تباركَ وتعالى في هذه الدُّنيا عُقُوبَةً على بعضِ من يَلْبَسُ للفخر.

كذلكَ التميُّز من بين الجلساء إنْ كانَ للكِبْرِ والفَخْرِ فهو حرام وأمَّا إنْ كانَ ليراهُ الناسُ ويسمعوا كلامَه للعِلْمِ فإنَّ هذا جائزٌ لا بأسَ به. فقد كانَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أَوَّلِ الأمر إذا جَلَسَ في مجلسٍ كانَ كآحادِ النَّاسِ لا يتميَّز مجلسُه عن مجلسِ غيرِه بشيء لا بكُرسيٍّ يجلسُ عليه ولا بغيرِ ذلك حتَّى إنَّ بعضَ النَّاسِ دَخَلَ مَرَّةً إلى مجلسِ الرَّسُولِ ولم يَكُنْ يعرفُه فقال :” أيُّكم محمَّد ؟؟” فقيلَ له: “هذا الأبيضُ المتَّكئ”.

ثمَّ بعدَ ذلكَ عَرَضَ عليه بعضُ أصحابهِ أنْ يبنُوا له شيئًا مرتفعًا ليجلسَ عليه إذا كانَ مَعَ النَّاس فلم يعترضْ فاتخَذوا له شيئًا مرتفعًا كنحوِ المنبر.

التميُّز إنْ كانَ لفائدةٍ شرعيَّة جائزٌ لا بأسَ به لا هو حرامٌ ولا هو مكروه وأمَّا إنْ كانَ بنيَّة الفَخْرِ والتَّرَفُّعِ على النَّاسِ لينظروا إليه بعينِ الإجلال والتعظيم فذلكَ حرام.

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “إنكم لَتَغْفُلُونَ عن أفضلِ العبادة: التواضع” .. رَوَاهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (الأمالي) ..

فالتواضُع خَفْضُ الجَنَاحِ وتَرْكُ التَّرَفُّعِ على الآخَرين .. هذا هو التواضع .. التواضع مرتبتُه عظيمةٌ عندَ الله .. فعليكم به.

ورَوَى مسلمٌ وأبو داودَ من حديثِ عِيَاضِ بنِ حِمار رضيَ الله عنه عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال :” إنَّ الله أَوْحَى إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغِيَ أَحَدٌ على أحدٍ ولا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ ” .

التواضعُ نتيجتُه سلامةٌ من الفخرِ والبَغْيِ أي الاعتداءِ على النَّاس، الله تعالى لا يحبُّ الفخرَ في الثِّياب وفي الأثاثِ وفي المَسْكَنِ وما أَشْـبَهَ ذلك، لو أَكَلَ الإنسانُ مِائَةَ صِنْفٍ واتخذَ مِائَةَ صِنْفٍ من الثِّياب ليسَ حرامًا إذا لم يَكُنْ للفخر. وأمَّا إنْ كانَ بنيَّة الفخرِ فهو في معصيةِ الله إلى أنْ يتوبَ ومعصيتُه كبيرة وأمَّا أنْ يَلْبَسَ الثِّيابَ الفاخرةَ بنيَّة التجمُّل وبنيَّة أنْ يظهرَ أمامَ النَّاسِ بمظهرٍ جميلٍ حَسَنٍ لا بنيَّة أنْ يكونَ مُتَمَيِّزًا حتَّى يُنْظَرَ إليه بعينِ التفخيم فهذا ليسَ حرامًا.

الفَخْرُ هو أنْ يفعلَ الشَّخْصُ الشيءَ يريدُ من ذلكَ أنْ يكونَ له اختصاصٌ عندَ النَّاسِ بالنَّظَرِ إليه بعينِ التعظيم والتفخيم .. يريدُ أنْ يُعْجَبَ النَّاسُ به .. هذا هو الفخر.