خيركم خيركم لأهله

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” اللَّهُمَّ إني أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعيفَينِ المرأةِ واليتيم ” .. رواه ابنُ ماجهْ .. وهو من التحريجِ أو الإحراج، أيْ أُضَيِّقُ على النَّاسِ في تضييعِ حَقِّهِما وأُشَدِّدُ عليهِم في ذلك والمقصودُ إشهادُ الله تعالى في تبليغِ ذلكَ الحكمِ إليهم .. وقيل: معناه أُحَرِّجُ عن هذا الاثمِ بمعنى أنْ يَضِيعَ حَقُّهُما وأُحَذِّرُ من ذلكَ تحذيرًا بليغًا وأَزْجُرُ عنه زَجْرًا أكيدًا .. قالهُ النَّوَوِيُّ، وقال :” إسنادُه صحيح ورجالُه ثقات.

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلام :” واستوصُوا بالنِّساء خيرًا ” .. مُتَّفَقٌ عليه.

وقال أيضًا :” خيرُكم خيرُكم للنِّساء ” .. هذا الحديثُ صحيحُ الإسنادِ من طريقِ عبدِ الله بنِ العَبَّاسِ عن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلام .. رواه الحاكمُ في المستدرَك.

والمعنى أَنَّ أفضلَ الرِّجالِ المؤمنينَ همُ الذينَ يُحْسِـنُونَ معاملةَ أزواجِهم أيْ نسائهم . ينبغي للرَّجُل أنْ يعاملَ امرأتَه بالعَطْفِ والرَّحمةِ وبشاشةِ الوَجْهِ والعَفْوِ إنْ هيَ أساءتْ إليه . من كانَ من المؤمنينَ هذا حالُه فهو أفضلُ الرِّجال . لأنَّ الذي يَكُونُ مَعَ امرأتهِ هكذا يكونُ مَعَ النَّاسِ هكذا . يَكُونُ حَسَنَ الخُلُقِ . وصاحبُ الخُلُقِ الحَسَنِ دَرَجَتُهُ كدَرَجَةِ الإنسانِ الذي يصومُ صيامًا متتابعًا نفلًا ويقومُ اللَّيْل تطوعا.

المُؤْمنُ الذي يُحَسِّنُ خُلُقَهُ هو في الدَّرَجَةِ سَوَاءٌ مَعَ هذا الذي يقومُ اللَّياليَ ويتركُ لذيذَ المنام محتسبًا الأجرَ من الله تعالى ويصومُ أكثرَ السَّنَة . هذا المؤمنُ ، بحُسْنِ خُلُقهِ يساوي ذاكَ الذي يقومُ اللَّيْلَ ويصومُ النهارَ بلا فتور .

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” إنَّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقهِ دَرَجَةَ الصَّائمِ القائم ” .. رواه أبو داودَ في سننه.

وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” ما مِنْ شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسْنِ الخُلُق وإنَّ صاحبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ به دَرَجَةَ صاحب الصَّوْمِ والصَّلاة ” رواه التِّرْمِذِيُّ في سننهِ.

التواضعُ مَعَ الزَّوْجَاتِ مطلوب التواضعُ خَفْضُ الجَناحِ وتَرْكُ التَّرَفُّعِ على الآخَرين هذا هو تعريفُ التواضع  التواضعُ مرتبتُه عظيمةٌ عندَ الله فعليكم بهِ ولا سيَّما مَعَ نسائكم والعَطْفُ عليهنَّ مطلوب كثيـرٌ من الرِّجال يعاملونَ نساءهم على خلافِ هذا الحديثِ :” خيرُكم خيرُكم للنِّساء”.

كثيـرٌ من الرِّجال لا يُعَامِلُونَهُنَّ كما أمرَ رسولُ الله كثيرٌ منهم لا يَتَوَاضَعُونَ مَعَ نسائهم يترفَّعونَ عليهنَّ وهذا لا ينبغي ينبغي للرَّجُل أنْ يتواضعَ مَعَ زوجته ويُحْسنَ إليها ويَصْفَحَ ويَعْفُوَ عن سيِّئاتها فلا يقابلُ الإساءةَ بالإساءة.

قال الله تعالى (( وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فإنَّ الله غفُورٌ رحيم ))[التعابن/14].

هذا أفضلُ الرِّجال أمَّا الذينَ لا يعاملونَ نساءَهم بهذه المعاملةِ فهؤلاء ليسوا من أهلِ الطَّبَقَةِ العُلْيَا

إذا كانَ للرَّجُلِ زَوْجَةٌ عَقْلُهَا ضعيفٌ فَلْيُدَارِهَا فلْيُعَامِلْهَا بحكمة.

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهلهِ وأنا خَيْرُكُمْ لأهلي ” .. رواه التِّرمِذِيُّ وابنُ ماجهْ ..

معناه : أنا أَحْسَنُ معاملةً لأزواجي منكم .. أنا أحسنُ معاملةً للنساء منكم .. وأنتم ، مَنْ كانتْ معاملتُه للنساء أحسنَ فهو أفضلُكم .

الرَّسُولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من حُسْنِ خُلُقهِ عندما يكونُ بائتًا في بيتِ إحدى نسائهِ كانَ بعدَما يخرجُ صباحًا من بيتها يَدُورُ على كُلِّ واحدةٍ منهنَّ يقفُ على باب زوجتهِ هذه ويقول :” السَّلامُ عليكمْ ورحمةُ الله وبركاتُه أهلَ البيت ” .. يأتي على باب هذه ويسلِّم عليها ثمَّ يأتي على باب هذه ويسلِّم عليها وهكذا يَدُورُ عليهنَّ في غيرِ دَوْرِ صاحبةِ الدَّوْر لا ينتظرُ حتَّى يأتينَ هُنَّ فيُسَلِّمْنَ عليه .

أنظروا إلى هذه المعاملة ما أعظمَ هذا السُّرُورَ الذي يدخلُ على زوجتهِ هذه التي يأتيها ليُصَبِّحَهَا بالسَّلام هذا حُسْنُ معاملةِ النساء وأمَّا أكثرُ الرِّجَالِ فإنهم يَتَرَفَّعُونَ على نسائهم  وهذا خلافُ الشَّرع.

النفسُ تحبُّ التَّرَفُّعَ .. لكنْ علينا أنْ نخالفَها لوجهِ الله تعالى .. التَّوَاضُعُ مطلوبٌ .. بدلَ أنْ ينتظرَ الرَّجُلُ من زوجتهِ أنْ تَخْدُمَهُ فلْيَقُمْ بخدمةِ نفسه .. وإنْ ساعدَ زوجتَه وقامَ برعايتِها لله تعالى فأجرُه على الله .. هذا عندَ الله أفضل .. الرَّسُولُ كانَ يحلُب شاتَه بيدِه .. بَدَلَ أنْ يقولَ لإحدَى أزواجهِ احلبي أنت كانَ يحلُب هو بنفسهِ كانَ يتولَّى خدمةَ البيت بنفسهِ وهذا من التواضعِ الذي يحبُّه الله.

مَنْ لا يعاملُ نساءَه في الدُّنيا بالظُّلم، إنْ كانَ هو يعاملُها بالعَدْلِ بلا ظُلْمٍ وهي تطيعُه ولا تُقَصِّرُ في حَقِّهِ فيومَ القيامةِ لا يَنْفِرُ هو منها ولا تَنْفِرُ هيَ منه وأمَّا إنْ كانا يتعاملانِ في الدُّنيا بالظُّلْمِ فيومَ القيامةِ هو يَفِرُّ منها وهي تَفِرُّ منه خَوْفَ أنْ يُطَالِبَ أحدُهما الآخَر بمَظْلَمَةٍ والأبُ والأُمُّ كذلك.

قال الله تعالى ((يومَ يَفِرُّ المرءُ من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبتهِ وبنيه لكلِّ امرِئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه)) [عبس/34-37]..

وليعلم أنَّ الأتقياء يومَ القيامة يكونونَ مسرورينَ راكبينَ طاعمينَ مكتسينَ مطمئنِّين لا يُصيبُهم حُزْنٌ ولا كَرْبٌ وهذا الفِرارُ المذكورُ في الآيةِ الكريمة إنما يحصلُ من الشَّخْصِ الذي لغيرِه عليهِ مَظْلَمَةٌ وأمَّا المتقونَ فشأنهم ما جاءَ في قول الله تعالى ((الأَخِلَّاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عَدُوٌّ إلَّا المتَّقين)) [الزُّخْرُف/67].. فالمتَّقونَ لا يَفِرُّ بعضُهم من بعض وإنما هم مسرورونَ مطمئنُّون غيرُ خائفينَ لا يصيبُهم حَزَنٌ ولا نكَد .