المتحابون في الله

المتحابون في الله

الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين وصلى الله على محمّدٍ الطّاهِر الأمِين وعلى ءاله الطّيّبِين وصَحابَتِه الكِرام الميامِين أمّا بَعدُ

قال الله تعالى: ﴿ الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [سورة الزخرف]. يُخْبِرُنا اللهُ تبارَكَ وتَعالى في هذِهِ الآيَةِ أنَّ الذينَ كانوا في هَذِهِ الدُّنْيا أخِلاءَ أحِبَّاءَ يَنْقَلِبونَ في الآخرَةِ أَعْداءً بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إلا المتَّقينَ فَإِنّهُمْ تَبْقى مَوَدَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ في الآخِرَةِ. والمتَّقونَ هُمُ الذينَ يقومونَ بِحُقوقِ اللهِ وحُقوقِ العِبادِ، هُمُ الذينَ أَدَّوا مَا افْتَرَضَ اللهُ عليهِمْ واجْتَنَبُوا ما حَرَّمَ عليهِمْ وعامَلُوا العِبادَ مُعامَلَةً صَحيحَةً مُوافِقَةً لِشَرْعِ اللهِ. فَكَمْ مِنَ الناسِ اليومَ يختارونَ الصَّديقَ الصَّالِحَ، كَمْ مِنَ الناسِ اليومَ يختارونَ الجَليسَ الصَّالِحَ، كمْ مِنَ الآباءِ اليومَ يخْتارونَ لأولادِهِم الرَّفيقَ الصَّالِحَ، قليلٌ وقليلٌ جِدًا، وما سَبَبُ ذلكَ إلا البُعْدُ عن مَجَالِسِ عِلْمِ الدّينِ، فالمتّقونَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنّهُمْ يتعاونونَ على ما يُرضي اللهَ تعالى، يَجْتَمِعونَ على طاعةِ اللهِ، الصّديقُ الصّالِحُ هوَ الذي يُرْشِدُكَ إلى طاعَةِ اللهِ، فَبَدَلَ أنْ يَقولَ لَكَ «أيْنَ تُريدُ أنْ تُمْضِيَ السَّهرَةَ اليومَ، في أيِّ مَقهًى أو في أيّ سينَما أوْ على أيَّةِ فضائِيَّةٍ» يَقولُ لَكَ «في أيّ مَجْلِسِ عِلْمٍ سنحضرُ اليومَ بإذنِ اللهِ» لأنَّ علامةَ الفلاحِ في الشخصِ طَلَبُ الازديادِ مِنْ عِلْمِ الدّينِ، فالمتّقونَ يَجْتَمِعونَ على طاعَةِ اللهِ ويَفْتَرِقونَ على طاعَةِ اللهِ، لا يَغُشُّ بَعْضُهُمْ بعْضًا ولا يَخونُ بَعْضُهُمْ بعْضًا، ولا يَدُلُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلى بِدْعَة ضَلالَةٍ أو فِسْقٍ أو فُجورٍ أو ظُلْم، اجْتَمَعوا على محبَّةِ بَعْضِهِمْ في اللهِ، وهذا هوَ الصّديقُ في المحبَّةِ، ثمَ إِنْ حَصَلَ مِنْ أَحَدٍ مَعصيَةٌ يَنْهاهُ أخوهُ ويَزْجُرُهُ لأنَّهُ يُحِبُّ لَهُ الخَيْرَ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « المؤْمِنُ مِرءاةُ أخيهِ المؤْمِنِ ». المؤْمِنُ مِرءاةُ أخيهِ المؤْمِنِ يَنْصَحُهُ حتّى يُصْلِحَ حَالَهُ. المرءاةُ أليْسَتْ تَكْشِفُ ما يكونُ في وجهِ الإنسانِ ممّا لا يُعْجِبُ لِيُزالَ، الرسولُ صلى الله عليه وسلم شَبَّهَ المؤْمِنَ بالمرءاةِ، مَعناهُ يَدُلُّ أَخاهُ لإزالَةِ ما فيهِ مِنَ الأمْرِ القبيحِ، يقولُ لَهُ: اتْرُكْ هذا الفِعْلَ، ولا يَتْرُكُهُ على ما هوَ عليهِ بلْ يُبَيّنُ لَهُ. فالصديقُ الصالحُ هو الذي تَجَمَّلَ بالصفاتِ الحميدةِ، بالمحبَّةِ والتَّناصُحِ، يُحِبُّكَ للهِ ويَنْصَحُكَ للهِ، يُعينُكَ على البِرّ والخَيْرِ الذي يَرْضاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، فَقَدْ قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ القُدسِيّ: « قالَ اللهُ تَعَالى: وَجَبَتْ مَحَبَّتي للْمُتحابّينَ فِيَّ والمتَجالِسينَ فِيَّ والمتَزاوِرِينَ فِيَّ ». وقالَ صلواتُ ربّي وسلامُهُ عليهِ: « المتَحابّونَ في اللهِ يكونونَ يومَ القيامةِ في ظلّ العرشِ يومَ لا ظلَّ إلَّا ظِلُّهُ يَغْبِطُهُمْ بِمَكانِهِمُ النبيونَ والشُّهداءُ ». أيِ الأنبياءُ والشهداءُ يُسرّونَ لِرُؤْيَتِهِمْ في ظلّ العَرْشِ. وقالَ صلى الله عليه وسلم: « إنَّ المتَّقينَ يَتَحابُّونَ بِنورِ اللهِ ». ومعنى « نورِ اللهِ » أيْ مرضاةِ اللهِ، يَتَحابُّونَ لأنَّ طاعةَ اللهِ تَجْمَعُهُمْ مِنْ غَيْرِ أرحامٍ بينهُمْ ولا أَنْسابٍ ولا عَلاقَةٍ مَالِيَّةٍ، هؤلاءِ هُمُ المتحابّونَ في اللهِ الذينَ يَتَعاوَنونَ على البِرّ والتَّقوى ولا يَتَعاوَنونَ على الإثمِ والعُدْوانِ. فإذا رَأيتَ صديقَكَ جاهِلًا بِعِلْمِ الدينِ لم يَتَعَلَّمْ ما افتَرَضَ اللهُ وما حَرَّمَ على عِبادِهِ فليسَ مِن حَقّ الصُّحْبَةِ أنْ تَسْكُتَ مِنْ غيرِ أنْ تُرْشِدَهُ لأنَّ الطريقَ إلى اللهِ مسدودٌ إلا على المقْتَفينَ ءاثارَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ويَتْبَعونَ شَريعَتَهُ ويسْلُكونَ نَهْجَهُ القَويمَ. وإذا زُرْتَ صديقَكَ أَخْلِصْ في نِيَّتِكَ، وإذا ما بَذَلْتَ صَدَقَةً لِقَريبٍ أو يَتيمٍ أو مَنْكوبٍ فَلْيَكُنْ ذلِكَ ابتغاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، ولْيَكُنْ في كلّ مُجْتَمَعٍ تَحْضُرُهُ تحقيقُ مصلحةٍ شرعيةٍ تَكُنْ عندَ اللهِ مِنَ الفائِزينَ.

وجاء في صحيحِ ابنِ حِبّان مِن حديثِ مُعاذِ بنِ جَبل رضي اللهُ عنه قال سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ عن رَبِّه: حَقَّتْ مَحَبَّتي عَلى المتَزاوِرِينَ فيّ وحَقَّتْ مَحَبَّتي على المتَحَابِّينَ فيّ وحَقَّتْ مَحبَّتي على المتَناصِحينَ فيّ وحَقَّت مَحبَّتي على المتَباذِلينَ فيّ، وجُوهُهم نُورٌ على مَنابِرَ مِن نُورٍ يَغبِطُهُمُ الأنبياءُ والشُّهَداءُ والصِّدِّيقُونَ لا يَخافُونَ إذَا خَافَ النّاسُ ولا يَحزَنُونَ إذَا حَزِنَ النّاسُ”

ووَردَ في حَديثٍ صَحيحٍ ءاخَرَ رواه الحاكم في بَيانِ صِفَةِ مَرتَبتِهم أنهم تصَافَوا فيمَا بَينَهُم، وأنهم يَنتَقُونَ أطَايِبَ الكَلامِ كمَا يَنتَقِي ءاكِلُ التّمرِ أطَايِبَهُ”كمَا وَردَ ذَلكَ في حَديثٍ رَواهُ الطّبرانيّ ، هؤلاءِ أَولياءُ اللهِ تحَابُّوا بنُورِ اللهِ أي مِن أَجْلِ اللهِ، لَيسَ بَينَهُم أَرحَامٌ تَجمَعُهُم ولا أَنسَابٌ تَجمَعُهُم إنما تَحابُّوا لِوَجْهِ اللهِ، وصَفَهُمُ الرّسُولُ بهذا وبأنهم يختَارُونَ مِنَ الكَلامِ أطْيَبَ الكَلام أي مَا فيهِ فَائدةٌ، أي يَترُكونَ اللّغوَ والغَشّ والمداهَنةَ، لا يتَعامَلُونَ بالمداهنَةِ، مَا هيَ المدَاهَنة؟ هيَ تحسِينُ البَاطِل وتَزيِينُه كما يَفعَلُ الرّجُل معَ الرّجُل لأنّه صَدِيقُه أو لأنّهُ قَريبُه أو لأنّه يَرأَسُه، بل يتَعامَلُونَ مُعامَلَةً صَافِيةً في دِينِ اللهِ لا يُخالِطُها غَشّ ولا مُداهَنةٌ، مِن شَأنهِم أنهم لا يُداهِنُ بَعضُهم بعضًا لأنّ هؤلاء الجامِع لهم الذي جمَعَ بَينَهُم هو التّعَاوُنُ في مَرضَاةِ الله، ليسَ هَمُّهم التّعاوُن للوُصولِ إلى مَطْمَعٍ دُنيَوِيّ، ليسَ همُّهم المعصيةُ أي مسَاعَدةُ الأقرباءِ على الظُّلم.

هؤلاءِ اللهُ تَعالى أَكرَمَهُم في الآخِرَةِ بأنْ جَعلَهُم يجلِسُونَ عَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ يَومَ القِيامَةِ ووُجُوهُهم مِن نُور ممتَلِئينَ سُرورًا ورِضًى، يُجمَعُونَ قَبلَ دخُولِ الجنَّةِ يَومَ القِيامةِ فيَكُونُونَ بمظهَرٍ حسَنٍ.

ثم إنّ اللهَ تَعالى ذَكَر عن أحوالِ أولئكَ أنهم لا يخَافُونَ إذَا خَافَ النّاسُ، أي في القَبرِ لَيسَ عَليهِم خَوفٌ ولا وَحْشَةٌ ولا ضِيقٌ، وكذلكَ يَومَ القِيامةِ، أمّا الآخَرِينَ فلَهُم خَوفَانِ خَوفٌ في القَبرِ وخَوفٌ في الآخِرةِ قالَ عليهِ الصّلاةُ والسلام: “لا يخافُونَ إذا خَافَ النّاسُ ولا يحزنُونَ إذَا حزِنَ النّاسُ” لأنهم خَافُوا اللهَ في الدُّنيا كمَا يَنبغِي، تَركُوا الكلامَ الخبِيثَ خَوفًا مِنَ اللهِ وسَارَعُوا إلى الفَرائضِ خَوفًا مِنَ اللهِ فكانَت لهم هذِه المِيْزَةُ أنهم لا يخَافُونَ إذا خَافَ النّاسُ ولا يحزَنُونَ إذَا حَزِنَ النّاسُ.

نسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم إنه على كل شيء قدير….