ترك الهوى وحب الدنيا

قال أحد الزهاد : كونوا بوابين على باب قلوبكم، وأدخلوا ما يأمركم الله بإدخاله، وأخرجوا ما يأمركم بإخراجه، ولا تدخلوا الهوى قلوبَكم فتهلكوا، احذروا ولا تركنوا، وخافوا ولا تأمنوا، وفتشوا ولا تغفلوا فتطمئنوا ولا تضيفوا إلى أنفسكم حالاً ولا مقامًا، ولا تدعوا شيئًا من ذلك، ولا تخبروا أحدًا بما يطلعكم الله عليه من الأحوال، فإن الله تعالى يحول بين العبد وقلبه، فيزيلكم عما أخبرتم الناس به، ويعزلكم عما تخيلتم ثباته، بل احفظا ذلك ولا تتعدوا، فإن كان الثبات والبقاء فاشكروا الله عليه فإنه موهبة منه.

وقال أيضا : إياكم أن تحبوا أحدًا أو تكرهوه إلا بعد عرض أفعاله على الكتاب والسنة كيلا تحبوه بالهوى وتبغضوه بالهوى، واعلموا أنه لا يجوز لكم هجر أحد على الظن والتهمة.

وقال : من علامة حب الآخرة الزهدُ في الدنيا، ومن علامة حب الله فيما سواه.

قال الدسوقي: من لم يكن عنده شفقة ورحمة على خلق الله لا يرقى مراقي أهل الله، وكان يأخذ العهد على المريد، فيقول له: يا فلان اسلك طريق النسك على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، وعلى أن تتبع جميع الأوامر الشرعية، والأخبار المرضية، والاحتفال بطاعة الله عز وجل قولاً وفعلاً واعتقادًا.

وأن لا تنظر يا ولدي إلى زخارف الدنيا ومطاياها وقماشها ورياشها وحظوظها، واتبع نبيك في أخلاقه، فإن لم تستطع فاتبع خُلُق شيخك، فإن نزلت عن ذلك هلكت، واعلم يا ولدي أن التوبة ما هي بكتابة درج ورق ولا كلام من غير عمل إنما التوبة العزمُ على ارتكاب ما الموتُ دونه، فصف أقدامك يا ولدي في حندس الليل البهيم، ولا تكن ممن يشتغل بالبطالة ويزعم أنه من أهل الطريق.

قال الدسوقي: لو هاجر الناس مهاجرة صحيحة طالبين الله خالصًا ودخلوا تحت أوامره لاستغنوا عن الأشياخ، ولكنهم جاؤوا إلى الطريق بعلل وأمراض فاحتاجوا إلى حكيم.

قال الدسوقي: قوة المبتدي الجوع ومطره الدموع وفطره الرجوع، وأما من أكل ونام ولغا في الكلام، وترخص وقال ما على فاعل ذلك من ملام فلا يجيء منه شيء والسلام.

قال أحد الفقهاء : “إياك والتقرب إلى أهل الدنيا، فإن التقرب منهم يُقسّي القلب، واتخذِ الفقراء أصحابًا وأحبابًا، وعظّمهم وكن مشغولاً بخدمتهم، وإذا جاءك واحد منهم فانتصب له على قدميك واسأله الدعاء الصالح، وجاهد نفسك لكي تكون منهم وكن شبيهًا بهم، من تشبّه بقوم فهو منهم ومن أحب قومًا حشر معهم، ولو عرف الناس ربهم حق المعرفة كما عرفه الفقراء لانقطعوا عن معاش الدنيا وأحوالها بالكُلّية، ومن علامة الفقير أنه إذا أعطى عطاءًا أعطاه لوجه الله ومرضاته لا شىء ءاخر غير ذلك”.

وقال أيضا : “شرط الفقير أنه لا يعلق نظره بملبوسات الخلق وغيرها، فإنه إن علقه بذلك التبس عليه الأمر، وكلما اختلط الفقير بالخلق ظهرت عيوبه، أي أخي لا تنظر إلى عيوب الخلق فإن نظرت أظهر الله فيك جميع العيوب، وإن كان فيك عيب لا تنحرف عن الطريق المستقيم، ولا تراع هوى النفس وشهواتها بل راع التقوى وأنواع الطاعة وملازمة السنة والجماعة، وإذا جلست بالخلوة فاحذر الوسواس، وصفّ خواطرك من الكدورات والرعونات البشرية، وإذا صدر من أخيك عيب فاصفح عنه الصفح الجميل واستر الستر الجليل، وعامل عباد الله بالصلاح والنصح والتقوى، وعظم أهل الخشوع والمراقبة، ومن كان لك عليه حق أو له عليك حق، فداره كي يعطيك حقك أو أن تعطيه حقه، بل إذا كان لك حق عند أحد فسامحه يُعطيك الله ويعوّض عليك، وكن مع الخلق بالأدب، وعليك ترك الدنيا ومخالفة النفس، والحذر من الهوى والهوس فإنّهما أكبر أعدائك، واعلم أن التوفيق في جميع الأحوال إنّما هو من الله سبحانه وتعالى”.

وقال : “ومما ينبغي أن يجعل المرء نفسه قائلاً بالنصائح والمواعظ، ويكون متلبسًا بأفعال المعروف ممتثلاً للأوامر والنواهي، واقفًا مع الحق وطريق الشرع، حتى اذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر قُبل منه وامتثل له، وكان لأمره تأثير في نفس المأمور ولنهيه وإلا فلا يُقبل منه ذلك ولا يُسمع ما يقول وكان من العظيم عليه قوله تعالى: {يأيُّها الذينَ ءامنوا لمَ تقولونَ ما لا تفعلون* كبُر مقتًا عندَ الله أن تقولوا ما لا تفعلون} [سورة الصف] ولهذا كانت قلوب الصالحين مهبط الأنوار، وإن لم يكن القلب منورًا بنور العبادة والطاعة وأفعال الخيرات كان مهبط الشيطان ويلقي صاحبه في ظلم الباطل ويجره إلى الشقاوة، فنعوذ بالله من ذلك”.