الحَسَدُ والعَيْنُ والنظرةُ البريئة

الحَسَدُ والعَيْنُ والنظرةُ البريئة

 

من المعاصي التي تكون في القلب الحسد ، وهو في بعض الأحيان يكون من الكبائر وليس دائما يكون كبيرة ، وهو ثابت بنص القرآن الكريم والسنة المطهرة فقد قال الله تعالى (( ومن شرِّ حاسدٍ إذا حَسَدَ )) ، أيْ أستجيرُ بالله من شَرِّ الحاسدِ إذا أظهرَ حَسَدَهُ ، وهذه الآية تدل على أن الحاسدَ لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إلَّا إذا أظهرَه وأمَّا إذا لم يُظْهِرِ الحَسَدَ فلا يتَأَذَّى بهِ .

والحسد الذي هو من المعاصي معناه تنمي زوال النعمة عن صاحبها وعملٌ بمقتضى هذا التمني أي يعملُ عملا بجوارحه أو يقولُ قولا بلسانه أو يعزمُ عَزما بقلبه يوافق مقتضى تمني زوال هذه النعمة عن صاحبها .

قال الفقهاء : إنَّ تمَنِّيَ زوالِ نعمةٍ دُنيويَّةٍ عن مسلمٍ ليسَ حرامًا إلَّا إذا عَمِلَ بمقتضاهُ ، أيْ بمقتضَى هذا التَّمَنِّي ، أو عَزَمَ على العَمَلِ بمقتضاه .. قالوا : إنَّ هذا التَّمَنِّيَ ليسَ شيئًا حسنًا ، لكنْ ليسَ حرامًا إذا لم يَعْمَلْ بمقتضَاهُ أو يعزِمْ على العَمَلِ بمقتضاه .. هذا التمنِّي المُجَرَّدُ يُقالُ له حَسَدٌ غيرُ محرَّم .. وهو ليسَ حرامًا إلَّا إذا عَمِلَ بمقتضَاهُ ففعل بجوارحه أو قال بلسانه أو عَزَمَ بقلبه على العَمَلِ بمقتضاه ..

ومعنى العملِ بمقتضاهُ كأنْ يذهبَ إلى النَّاسِ ويقولَ لهم مثلًا :” لا تعاملوا هذا التاجرَ ” ، يقولُ ذلك حَسَدًا منه حتى لا يزيدَ مالُ هذا التاجرِ المسلم ، أيْ كراهةَ أنْ تكونَ هذه النِّعمةُ للتاجرِ واستثقالًا لها .. ونحوَ ذلك .. هذا مثال على الحَسَد المحرَّمِ في شرع الله تعالى ..

ومن أمثلة الحَسَدِ المحرَّم أنْ يتمنَّى زوالَ نعمةٍ دينيَّةٍ واجبةٍ عن المحسودِ كأن حَسَدَه على التزامه بالصلوات المفروضة أو يتمنى وقوعَه في معصية كشرب الخمر مثلا ، هذا حَسَدٌ مُحَرَّمٌ ولو لم يعمل بمقتضَى هذا التمنِّي .. قال العلماءُ في هذا التمنِّي : إنه حَسَدٌ مُحَرَّمٌ لأنَّ هذا تمَنٍّ لزَوَالِ نعمةٍ دينيَّةٍ واجبةٍ كالصَّلواتِ الخَمْسِ مثلًا أو تمَنٍّ لاقترافِ معصية .. وأمَّا فيما عَدَا النِّعَمِ الدِّينيَّة الواجبةِ فليسَ حرامًا تمنِّي زوالِها عن المسلم إذا لم يَعْمَلْ بمقتضَى ذلكَ التمنِّي أو يَعْزِمْ على العملِ به ..

فلو تمنَّى زَوَالَ نعمةٍ دينيَّة غيرِ واجبةٍ عن المسلمِ من غيرِ العملِ بمقتضاهُ لا يكونُ حَسَدًا مُحَرَّمًا ، وأمَّا إنْ تمنَّى لهُ الوقوعَ في المعصيةِ أو تمنَّى لهُ تركَ واجبٍ أو تمنَّى لهُ أنْ يكونَ فاسقًا فإنه يكونُ عاصيًا بتمنِّيهِ هذا وإنْ لم يَسْعَ في العملِ بمقتضَى هذا التمنِّي أو يَعْزِمْ على ذلك ..

وليُعْلَم أنَّ العزمَ شيءٌ والتمنِّيَ شيءٌ ءاخرُ مختلفٌ .

بعض ما ورد من السنة المطهرة في إثبات الحسد والعين :

رَوَى الإمامُ أحمدُ في المسند ،أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال :” إذا رأى أحدُكُم منْ أخيهِ أو منْ نفْسهِ أو منْ مالهِ ما يُعْجِبُهُ فَلْيُبَرِّكْهُ فإنَّ العينَ حقٌّ ” .

ومعنى قوله فَلْيُبَرِّكْهُ أي يقول مثلا اللهم بارك له فيه ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام “العين حق” إثبات أمر العين وأنها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حقٌ أي ثابتة .

وقد روى الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين أنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال :” إذا رأى أحدُكم من نفسهِ أو مالهِ أو أخيهِ ما يحبُّ فليبرِّك فإنَّ العينَ حَقٌّ ” . قال الحاكم في هذا الحديث : صحيح .

وفي روايةٍ عندَه في الكتاب نفسهِ وصحَّح إسنادَها يقول صلى الله عليه وسلم :” إذا رأى أحدُكم من نفسهِ وأخيهِ ما يعجبُه فلْيَدْعُ بالبركةِ فإنَّ العينَ حَقٌّ ” .

وعنده في نفس الكتاب أيضا في كتاب معرفة الصحابة أنَّ رسول الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال :” إذا رأى أحدُكم شيئًا يعجبُه فلْيُبَرِّكْ فإنَّ العينَ حقٌّ ” ..

فهذه الأحاديثُ والرواياتُ فيها إثباتُ أنَّ العينَ تؤذي بتقديرِ الله تعالى ومشيئته فلا يقع شىء إلا بمشيئة الله قال تعالى في سورة القمر “إنا كل شىء خلقناه بقدر ”  . وليُعْلَمْ أنَّ الإصابةَ بالعينِ لا بُدَّ فيها من نيَّةٍ خبيثةٍ . وغالبًا لا تحصُلُ الإصابةُ بالعينِ إلَّا مَعَ الكلام . وقد يصيبُ الإنسانُ بعينه وهو ساكتٌ من غيرِ أنْ يتكلَّم ..

وقد رَوَى الإمامُ مسلمٌ في صحيحه في كتاب السَّلام عن عبد الله ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :” العينُ حَقٌّ ، ولو كان شيءٌ سابقَ القَدَرَ سَبَقَتْهُ العين ” . أي لو كان شيءٌ يَغْلِبُ قَدَرَ الله لَغَلَبَتْهُ العين ، ولكنْ لا شيءَ يَغْلِبُ قَدَرَ الله ، فقدر الله تعالى لا بدَّ نافذٌ فلا يمنع نفاذَ مشيئة الله شىء ، وقال الحافظ ابنُ حَجَرٍ في فتح الباري في كتاب الطِّبِّ ما نصُّه :” لو فُرِضَ أنَّ شيئًا له قُوَّةٌ بحيثُ يسبقُ القَدَرَ لكانَ العينُ ، لكنَّها لا تسبقُ ، فكيفَ غيرُها .

وقد أخرجَ البَزَّارُ من حديثِ جابرٍ بسندٍ حَسَنٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم أنه قال :” أكثرُ من يموتُ من أمَّتي بعد كتاب الله وقَدَرِهِ بالأَنْفُسِ ” . قال الرَّاوي يعني بالعين “ا.هـ. أَيْ أَنَّ مُعْظَمَ الأَمْراضِ التي تُصيبُ أَفْرادَ أُمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم فيموتونَ منها يَكُونُ سَبَبُهَا العَيْنُ مَعَ مُوافَقَةِ قَدَرِ الله تعالى وسَبْقِ كتابةِ هذا الشَّيْء في اللَّوْحِ المحفوظ .. أَيْ أَنَّ هذا حاصلٌ بتقديرِ الله تعالى ، فكل ما حصل وسيحصل في الدنيا مكتوب في اللوح المحفوظ كما يشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “رُفِعَتِ الأقلام وجفت الصحف ” ، رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح .

وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” العينُ حَقٌّ ، يحضُرُها الشَّيطانُ وحَسَدُ ابنِ ءادم ” .. رَوَاهُ البزَّارُ والإمامُ أحمد .. معناهُ : الشَّيطانُ ، تلكَ السَّاعة ، يلاحظُ أنَّ هذا الإنسانَ ضَرَبَ هذا الإنسانَ بعينهِ فيصيبُ الشَّيطانُ ذلكَ الإنسانَ . فيزدادُ الضَّرَرُ في هذا الشَّخْصِ المعيون ..

وقد روى أبو نُعَيْمٍ في حِلْيَةِ الأولياء عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ مرفوعًا  عن رسول الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، بإسناد ضعيف أنه قال :” العينُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القبرَ والجَمَلَ القِدْرَ ” ..

أما معنى قولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلام :” تُدْخِلُ الرَّجُلَ القبرَ ” أيْ يموتُ بسببها ويُدْفَنُ . العينُ أمرُها صعبٌ شديد .. كثيرٌ من النَّاسِ سببُ موتهم العين .. كثيرٌ من الأمراضِ التي تُحَيِّرُ الأطبَّاءَ سببُها العين .. قد يَصِلُ ضَرَرُهَا إلى أنْ يصيرَ عقلُ الشَّخصِ المعيونِ يَتَخَبَّلُ ثمَّ يَطْلُعُ بسبب ذلكَ إلى بناءٍ عالٍ أو جبلٍ فيرمي نفسَه ..

وأمَّا قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلام :” وتُدخِلُ الجَمَلَ القِدْرَ ” فمعناهُ قد تَصْرَعُ الجَمَلَ فيقعُ فيكونُ كالذي في سَكَراتِ الموتِ فيُذْبَحُ ، ثمَّ لحمُه يدخلُ القِدْرَ ، أيْ يُطْبَخُ للأَكْلِ ..

قيل إنَّ شخصًا قويًّا في الإصابة بعينه قال لمنْ معه :” أتريدونَ أنْ أصرعَ لكم هذا الجَمَل ؟؟” ، قالوا :” نعم ” .. فنظَر إليه تلكَ النظرةَ الخبيثةَ فوقعَ الجَمَلُ ..

وأمثالُ هذا كثيرٌ .. نسأل الله السلامة .

ومما ينبغي بيانه أنَّ بعضَ الصِّبيان الممَيِّزينَ جعلَ اللهُ في أعينهم قوَّةَ الإصابة ، فنراهم يصيبونَ بأعينهم ..

وهنا تنبيهٌ إلى أنَّ النظرةَ البريئةَ لا تسبِّبُ الإصابةَ بالعين . النظرةُ التي لا حَسَدَ فيها ولا شيءَ ءاخَرَ قبيحٌ لا تسبِّبُ الإصابةَ بالعين .

أمَّا حديثُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” مَنْ وَجَدَ في نَفْسهِ أو مالهِ أو وَلَدِهِ ما يُعْجِبُهُ فلْيَدْعُ بالبَرَكَةِ فإنَّ العينَ حَقٌّ ” فمعناهُ أنَّ الإنسانَ إذا أُعْجِبَ بما في نفسهِ على وجهٍ قبيح ، كأنْ يكونَ على وجهِ الفَخْرِ ، فلْيَدْعُ بالبركةِ ليحفظَ نفسَه من أنْ يصيبَ نفسَه أو وَلَدَهُ بعينه .

أمَّا إذا أُعْجِبَ بما في نفسهِ أو مالهِ أو وَلَدِهِ ولكنْ ليسَ على وجهٍ قبيحٍ بل على وجهِ الاستشعارِ بفضلِ الله عليه لأنَّ الله أنعمَ عليه نعمًا فَضْلًا منه فتكلَّم وتحدَّث بنعمةِ الله فهذا الإنسانُ لا يصيبُ بعينه ، وإنما شُكْرًا لله هو يقول :” اللَّهُمَّ باركْ فيَّ ولا تَضُرَّني ” ، أو يقول :” اللَّهُمَّ باركْ في ولدي ولا تَضُرَّه ” ، ونحوَ ذلك .

هذا الإنسانُ إنما يقولُ هذا الكلامَ من باب الشُّكْرِ لله منْ حيثُ إنَّ ما هو فيه من الخيرِ نعمةٌ من الله ولا يقولُ هذا الكلامَ من باب الخوف على نفسهِ من أنْ يصيبَ نفسَه بعينه . فالحالُ التي يُخْشَى فيها من الإصابة بالعينِ هي الحالُ التي يَنْظُرُ فيها الإنسانُ نظرةَ الإعجاب للفخرِ أو نظرةَ الحسد ..

وعنْ مُحَمَّدِ بنِ أبي أُمامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ أنه سَمِعَ أباهُ يقول :” إغتسلَ أبي سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ رضي الله عنه بالخَرَّارِ فنَزَعَ جُبَّةً كانتْ عليه وعامرُ بنُ رَبيعَةَ ينظرُ ، وكانَ سَهْلٌ رَجُلًا أبيضَ حَسَنَ الجِلْدِ ، فقال له عامرُ بنُ رَبيعَةَ ما رأيتُ كاليومِ ولا جِلْدَ عذراءَ ، فوُعِكَ سَهْلٌ مكانَه واشتدَّ وَعْكُهُ ، فأُتِيَ رسولُ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأُخْبِرَ أنَّ سَهْلًا وُعِكَ وأنه غيرُ رائحٍ مَعَكَ يا رسولَ الله . فأتاهُ رسولُ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، فأخبرَه سَهْلٌ بالذي كانَ من أَمْرِ عامر . فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” علامَ يقتلُ أَحَدُكُمْ أخاه ، أَلَا بَرَّكْتَ ، إنَّ العينَ حَقٌّ ، تَوَضَّأْ له ” .. فتَوَضَّأَ له عامرٌ .. فراحَ سَهْلٌ مَعَ رسولِ الله ليسَ به بأْسٌ ” .. رواه الإمام مالكٌ في المُوَطَّأِ في كتابَ الجامع ..

وهذا الحديثُ يُفَسِّرُ الحديثَ الآخَرَ الذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال :” العينُ حَقٌّ ، فإذا استُغسلتم فاغسِلوا ” .. والمعنى أنَّ مَنْ أصابَ بعينه شخصًا ءاخَرَ فوَقَعَ عليه ضَرَرُهَا فلْيغسلِ العائنُ أطرافَ جَسَدِ نفْسهِ أيْ وَجْهَهُ ويديهِ ورُكبتَيهِ وقَدَمَيهِ كهَيئةِ الذي يَتَوَضَّأُ ، ثمَّ لْيَضَعْ هذا الماءَ في إناء ثمَّ يُصَبُّ منه على المريضِ من خلفهِ ثمَّ يوضعُ هذا الإناءُ مقلوبًا خلفَ المصاب ، رأسُهُ إلى الأرضِ وأسفلُه إلى فوق ، فيحصلُ الشِّفاء بإذن الله ..

وقد رَوَى الحافظُ ابنُ عساكرَ عن عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه أنه لما أصيبَ الحسنُ والحسينُ سِبْطَا رسولِ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، بعينٍ جاءهُ جبريلُ

فقال له :” ما لي أراكَ مكتئبًا ؟؟” .. فقال :” إنَّ الحسنَ والحسينَ مصابان ” ..

فقال له : ” عَوِّذْهُمَا يا رسولَ الله ” .. فقال :” وبمَ أُعَوِّذُهُمَا ؟؟” ..

قال :” قل : اللَّهُمَّ ذا السُّلْطَانِ العظيم ، والمَنِّ القَديم ، ذا الرَّحمةِ الكريم ، وليَّ الكلمات التَّامَّاتِ والدَّعَواتِ المستجابات ، عافِ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ منْ أَنْفُسِ الجنِّ وأعينِ الإنس ” ..

فرقاهما رسولُ الله بما عَلَّمَهُ جبريلُ فقاما يلعبان ما بهما شيء أي زال عنهما أذى العين الذي أصابهما ..

وكذلكَ إذا أرادَ شخصٌ أنْ يُعَوِّذَ نفسَه بعدَما يُصَابُ بالعينِ فليقلْ عافني منْ أَنْفُسِ الجنِّ وأَعينِ الإنس ..

وهذه الكلماتُ لا تنفعُ فقط في الرُّقية بعدَ الإصابةِ بالعينِ بلْ وتنفعُ أيضًا في التحصُّن منها أيْ كي لا يصابَ بها .. ففي الرِّوايةِ نفسِها عن عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، قال :” عَوِّذُوا أنفسَكم ونساءَكم وأولادَكم بهذا التعويذِ ، فإنه لم يَتَعَوَّذِ المتعوِّذُونَ بمِثْلهِ ” ..

ومعنى المَنِّ القديم أي الإحسانُ القديم لأنَّ إحسانَ الله أزليٌّ ليس له بداية لأنه فعلُ الله في الأزل وأفعاله سبحانه ليس لها بداية كما أفعال المخلوق ، فالله تعالى مُحسنٌ أَزَلًا وأبدًا ولو لم يَكُنْ في الأَزَل مخلوقٌ يُصيبُه أَثَرُ الإحسان . ومعنى الكلمات التَّامَّات أي الكلماتُ التي ما فيها نَقْصٌ ، وهي ألفاظُ القرءان الكريم والكلماتُ التي يُمَجَّدُ الله بها ويُقَدَّسُ .. فالله وليُّ الكلماتِ التَّامَّاتِ أيْ مستحقُّها .. وقولُه :” من أَنْفُسِ الجنِّ ” معناهُ من الضَّرَرُ الذي يُصيبُ الإنسانَ بسبب الجنِّ . والمرادُ بأعينِ الإنسِ الضَّرَرُ الذي يكونُ بسبب أعينِ الإنس .

روى الإمام مسلمٌ في صحيحهِ في كتاب السَّلام/باب الطِّبِّ والمَرَضِ والرُّقَى “أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّةً كان مريضا فجاءه جبريلُ فرقاهُ بهذه الكلمات :” باسمِ الله أَرقيك ، منْ كُلِّ شيءٍ يُؤْذِيك ، من شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أو عينِ حاسدٍ ، اللهُ يَشْفِيك ، باسمِ اللهِ أَرقيكَ ” .

روى البخاري ومسلمٌ أنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، كانَ إذا عَوَّذَ مريضًا قال :” أَذْهِبِ الْباسَ رَبَّ النَّاس ، إشْفِ أنتَ الشَّافي ، لا شفاءَ إلَّا شفاؤُك ، شفاءً لا يغادرُ سَقَمًا ” .

مَنْ خافَ من نفسهِ على غيرِه أنْ يصيبَه بعينهِ ماذا يفعل :

لِيَقُلْ : ما شاء الله لا قُوَّةَ إلَّا بالله ، وإنْ شاءَ قال له باركَ الله فيكَ وما ضَرَّك أو اللَّهُمَّ باركْ فيه ولا تَضُرَّه ، كُلُّ هذا ينفعُ في التحصين .. ولا يكفي أنْ يقولَ هذا بقلبهِ ، وليسَ شرطًا أنْ يُسْمِعَ مَنْ حَولَه أو مَنْ يُحَصِّـنُه ..

إذا عُرِفَ شخصٌ بالإصابةِ بالعينِ ماذا يفعل به الخليفة :

نَصَّ الفقهاءُ على أنه إذا عُرِفَ شخصٌ بالإصابةِ بالعينِ فالإمامُ ، أيْ الخليفةُ أو من يقوم مقامه ، عليه أنْ يُراعيَ المصالح العَامَّةَ وذلكَ بحجزِه عن النَّاس فلا يتركُه يختلط بهم لِئَلَّا يستمرَّ ضررُه على النَّاس بالإصابة بعينه .. وأمَّا الأعمى فلا يصيبُ بعينه ..

تنبيهٌ مهمٌ : أنبياء الله لا يحسدون :

لا يجوزُ أنْ يقعَ من نبيٍّ أنْ يُصيبَ أحدًا بالعَيْنِ لأنَّ الإصابةَ بالعَيْنِ تصحبُها نظرةُ الحَسَدِ التي تدلُّ على دناءةِ نَفْسٍ ، وهذا مستحيلٌ على الأنبياء ، فهم مبرؤون عن القبائح أو ما فيه رذالة ودناءة نفس قبل النبوة وبعدها .