قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً

– قال تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً )) [سورة المدثر]

اعلم أن أصحاب النار هنا أي ملائكة الله الموكلون بتعذيب الكفار في النار فهم مسؤولون فيها ولهم تصرف بما وكلهم الله به وهم ملائكة وليس المراد بأصحاب النار كفار الجن والإنس فهؤلاء من البشر والشياطين فلا يكونون ملائكة وملائكة الله لا يعذبون في النار بل هم يعذبون الكفار وهم لا يتأذون بل يتلذذون بطاعتهم لربهم.

قال المفسر ابن عاشور في التحرير والتنوير ما نصه: «وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا روى الطبري عن ابن عباس وجابر بن زيد  أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى عليها تسعة عشر قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة  يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فقال الله تعالى وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، أي: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كل رجل رجلا، فمن ذا يغلب الملائكة اهـ.

وفي تفسير القرطبي عن السدي: أن أبا الأشد بن كلدة الجمحي  قال مستهزئا: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة وبمنكبي الأيسر تسعة ثم تمرون إلى الجنة، وقيل: قال الحارث بن كلدة: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، يريد التهكم مع إظهار فرط قوته بين قومه. فالمراد من أصحاب النار خزنتها، وهم المتقدم ذكرهم بقوله عليها تسعة عشر. والاستثناء من عموم الأنواع، أي: ما جعلنا خزنة النار من نوع إلا من نوع الملائكة» اهـ.

وقال المفسر القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «أي على سقر تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. ثم قيل: على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها؛ مالك وثمانية عشر ملكا. ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبا، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم. وعلى هذا أكثر المفسرين. الثعلبي: ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق» اهـ.

وقال الطبري في تفسيره ما نصه: «وقوله: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً)) يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل  في قوله لقريش: أما يستطيع كل عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟ فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة» اهـ.