وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ

قال تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) )) [سورة النساء]

 

ليعلم أن الأجور في هذه الآية هي المهور الحقيقية أي ما يدفع للزوجة مهرًا لها في عقد النكاح فلا يجوز ولا يصح أن تفسر الأجور هنا بمعنى ما يدفع للمرأة التي يتمتع بها بغير عقد نكاح صحيح فلا دليل في الآية الكريمة على إباحة نكاح المتعة بعد أن حرمه الرسول ﷺ إلى يوم القيامة، ومن ادعى ذلك فلا دليل له.

قال الإمام المفسر محمد بن جرير الطبري رحمه الله في كتابه تفسير الطبري ما نصه: «قال أبو جعفر: يعني بقوله – جل ثناؤه-: ((فَانْكِحُوهُنَّ)) فتزوجوهن وبقوله: ((بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)) بإذن أربابهن وأمرهم إياكم بنكاحهن، ورضاهم. ويعني بقوله: ((وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) وأعطوهن مهورهن، كما: حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: ((وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) قال: الصداق.

ويعني بقوله: ((بِالْمَعْرُوفِ)) على ما تراضيتم به، مما أحل الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورا لهن» اهـ.

وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: ((وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) مهورهن  اهـ.

بيان أن نكاح المتعة محرم إلى يوم القيامة

قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) )) [سورة المؤمنون].

فهذه الآية تفيد أن التمتع بها ليست واحدة من المذكورة، أما إنها ليست بمملوكة فظاهر، وأما إنها ليست بزوجة فلأن الزواج له أحكام كالإرث وغيره وهي منعدمة فيها باتفاق من أهل السنة وغيرهم، فلا ميراث فيها ولا نسب ولا طلاق، والفراق فيها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، وبهذه الوتيرة أثبت القاضي يحيى بن أكثم كون المتعة بعد تحريم رسول الله ﷺ لها زنا.

وأما قوله تعالى: ((وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) [سورة النساء] فمعناه مهورهن أي مهور النساء في الزواج الشرعي الذي قال النبي ﷺ فيه: «لا نكاح إلا بولي»، فالأجور هنا هي المهور كما ذكر ذلك أهل التفسير.

وقال العلامة اللغوي ابن منظور في لسان العرب ما نصه: «وأجر المرأة: مهرها» اهـ. فلا يجوز نكاح المتعة وهو أن يقول: زوَّجتك ابنتي يومًا أو شهرًا لما روى مسلم والبيهقي أن على بن أبي طالب رضي الله عنه لقي ابن عباس رضي الله عنهما وبلغه أنه يرخص في متعة النساء فقال له علي: «إنك رجل تائه» أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وعن لحوم الحُمُر الأهلية» اهـ.

قال القرطبي في تفسيره ما نصه: «قال ابن العربي: الذي أجمعت عليه الأمة تحريم نكاح المتعة» اهـ.

وقال النسفي في تفسير قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ))ﱪ [سورة المؤمنون] ما نصه: «فيه دليل تحريم المتعة» اهـ، وكذا ذكر الرازي في تفسيره.

قال النووي الشافعي في روضة الطالبين ما نصه: «النكاح المؤقت باطل سواء قيَّده بمدة مجهولة أو معلومة، وهو نكاح باطل» اهـ.

وفي المدونة للإمام مالك أنه سئل: «أرأيت إن قال: أتزوجك شهرًا يبطل النكاح أم يجعل النكاح صحيحًا ويبطل الشرط؟ قال مالك: النكاح باطل يُفسخ، وهذه المتعة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ تحريمها» اهـ.

وقال السرخسي الحنفي في المبسوط ما نصه: «المتعة أن يقول الرجل لامرأته: أتمتع بك كذا من المدة بكذا من البدل، وهذا باطل عندنا» اهـ.

وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني ما نصه: «معنى نكاح المتعة أن يتزوج المرأة مدة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهرًا أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو قدوم الحج وشبهه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، فهذا نكاح باطل نص عليه أحمد فقال: نكاح المتعة حرام» اهـ.

فبعد هذه النقول من المذاهب الأربعة ونقل الإجماع على تحريم نكاح المتعة يتبين أن هذا النكاح باطل فاسد.

أخرج الإمام مسلم في كتابه الجامع الصحيح «صحيح مسلم» حديثًا صحيح الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: «يا أيها الناس إني كنتُ قد أذنتُ لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شىء فليُخَلّ سبيلهن، ولا تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئًا»، وكتاب صحيح مسلم مشهور بين العلماء وهو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي بعد كتاب صحيح البخاري فهذان كتابان معتمدان عند المسلمين.

وروى مسلم أيضًا في صحيحه من حديث عمرو الناقد وابن نمير قالا: حدثنا سفيان بن عيينه، عن الزهري، عن الربيع ابن سبرة عن أبيه أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة. وعن الربيع بن سبرة عن أبيه أن الرسول ﷺ نهى يوم الفتح عن متعة النساء.

وروى البخاري ومسلم وابن ماجه وغيرهم عن على بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحُمُرِ الأهلية. وروى مسلم أيضًا أن عمر بن عبد العزيز قال: حدثنا الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وقال: «ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ومن كان أعطى شيئًا فلا يأخُذْه».

وروى ابن ماجه في سننه وغيرُه عن ابن عمر أنه قال: «لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثًا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا يتمتع وهو مُحصَنٌ إلا رجمته بالحجارة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلها بعد إذ حرمها»، فلا حجة بعد هذا لمن يقول إن أبا بكر وعمر هما حرما المتعة من تلقاء أنفسهما بل رسول الله ﷺ حرمها إلى يوم القيامة.