حُرمة الخمر في الإسلام

حرمة الخمر في الإسلام

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى، وعلى ءاله وأصحابه أولي الوفا ومن سار على نهجه ومن اقتفى إلى يوم الفصل واللِّقى وبعد: فإن حرمةَ الخمرِ ثابتةٌ بالدليلِ الشرعيِّ من القرءانِ والسنةِ وإجماعِ الأمةِ ، وحرمتُهُ معلومةٌ من الدينِ بالضرورةِ يشتركُ في معرفةِ حكمِهِ العلماءُ والعامةُ من المسلمين. وقد جاء تحريم الخمر في دين الله تعالى على مراحلَ ولم يأتِ تحريمه مرة واحدة في كل الأوقات ، فقد جاء أولا في تحريمه قوله تعالى في سورة النساء “يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون” ،ثم بعد ذلك جاء الدليلُ على حرمةِ شربِ الخمرِ من القرءانِ وهو قولُ اللهِ تعالى في سورةِ المائدةِ “يا أيُّها الذينَ آمنوا إنما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عملِ الشيطانِ فاجتنبوهُ لعلكم تفلحونَ ، إنَّما يريدُ الشيطانُ أن يوقعَ بينكمُ العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والميسرِ ويصدَّكُم عن ذكرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ فهل أنتم منتهونَ “ ، فقال عمر بن الخطاب “انتهينا انتهينا” فهذه الآية صريحةٌ في تحريم الخمر ، وقد روى الترمذي والنسائي وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب أَنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بيان شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ الَّتِي في البَقْرَةِ {يَسَأَلُونَكَ عن الْخَمْرِ وَالمَيْسَرِ قُلْ فِيهَما إِثْمٌ كَبِيرٌ} الآيَةِ فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهمَّ بَيِّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاء، فَنَزَلَتْ الَّتي في النِّسَاءِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَدُعِيَ عُمَرُ فَقِرئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهِمَّ بَيِّنْ لَنا في الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتْ الَّتِي في المَائِدَةِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسَرِ ـ «إِلَى قَولهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا» .

وكذلك مما يدل على حرمة الخمر من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة الأعراف “قل إنما حرَّم ربيَ الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق” وقوله تعالى في سورة البقرة ” يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ” ، ففي آية الأعراف أن الله حرّم الإثم وفي آية البقرة سماها الله تعالى إثما كبيرا ، وفي هذا تصريح بأنها حرامٌ في كتاب الله تعالى .

وقوله تعالى “رجس من عمل الشيطان ” أي نجس أو خبيث مستقذر من عمل الشيطان لأنه يحمل عليه فكأنه عملَه، وقوله تعالى “فاجتنبوه” فيه تأكيد تحريم الخمر من وجوه، حيث صدَّر الجملة بـ ” يا أيها الذين آمنوا إنما ” وقرنها بعبادة الأصنام وجعلها رجسا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه أي الشيطان إلا الشر البَحتُ، فالله تعالى أمر باجتنابه وجعل اجتنابه من الفلاح، فيفهم من الاجتناب المذكور في الآية تأكيد التحريم.

وفي قوله تعالى “إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون “ بيان ما يتولد من الخمر من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله والصلاة، وإنما نهى الله تعالى المؤمنين عن شرب الخمر والميسر والأنصب والأزلام لتأكيد تحريما وإظهار أن ذلك جميعا من أعمال أهل الشرك.

وقوله تعالى ” فهل أنتم منتهون ” من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل قد تُلِيَ عليكم ما في الآيتين من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون .

وأما الدليل من الحديث على حرمة الخمر ما رواه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أتاني جبريلُ عليه السام فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومُعتَصِرَها وبائعها ومُبتاعَها وشاربها وءاكلَ ثَمَنِها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها ومُستَقيها ” وليس من الحديث أن الناظر إليها ملعون كما شاع على ألسنة بعض العوام ، وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من شرب الخمرة في الدنيا يُحْرَمُها في الآخرة ” أي إن لم يتب لا يشرب خمر الجنة الذي ليس كخمر الدنيا، فخمر الجنة لا يسكر ولا يغيب العقل وليس نجسا .

أما قوله تعالى في سورة النساء ” يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى” فقد نزل قبل التحريم فهي منسوخة، فقول الله تعالى “فاجتنبوه ” مع قوله تعالى “فهل أنتم منتهون ” دليل على حرمة شرب الخمر، أما قبل نزول هاتين الآيتين لم تكن الخمرة محرمة على أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا كانت إلى القدر الذي لا يضر الجسم ، ومع ذلك فإن الأنبياء لم يشربوا الخمر وما كانوا يحثون أممهم على شربها لأن هذا ينافي حكمة البعثة التي فيها تهذيب النفوس ، وقليل الخمر يؤدي إلى كثيره ، وما يزعم بعضهم من أن سيدنا عيسى قال قليل من الخمر يفرّح الإنسان فهو كذب وافتراء عليه .

وكذلك ليس لمن يزعم أن شرب الخمر حلال حجة في قوله تعالى في سورة البقرة “يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ” لأنه نزل أيضا قبل التحريم، فقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ” اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ” رواه أصحاب السنن الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، فلما نزل قوله تعالى ” فاجتنبوه” مع قوله تعالى” فهل أنتم منتهون ” فهموا منهما التحريم القطعي، فقال سيدنا عمر: ” انتهينا انتهينا ” وأراقوا الخمر حتى جرت في السكك، والله تعالى تسهيلا عليهم حتى لا يكون عليهم مشقة زائدة في الإقلاع عن شرب الخمر أنزل التحريم شيئا فشيئا، ولم ينزل تحريمها إلا بعد الهجرة .

أما قوله تعالى في سورة النحل ” ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ” فقد قال بعض أهل التفسير السَّكَرُ هو الخل، وقال بعضهم أن الآية نسخت لما نزلت ءاية التحريم.

وكما يحرم شرب الخمر يحرم بيعها ولو لغير شربها لحديث البخاري ومسلم: ” إن الله ورسولَه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ” وأما ما نُقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه من أنه قال: ويجوز بيع العنب لمن يعتصره خمرا، فمعناه يصح البيع من حيث الصحة ولكن مع المعصية وليس معنى قوله: (يجوز) أنه لا معصية في بيعه كما نص على ذلك صاحب كتاب إعلاء السنن من الحنفية، لأن الفقهاء في كتاب المعاملات إذا قالوا: (يجوز) فمعناه يصح وليس أنه لا يحرم فليتنبه .

والخمر قد يكون من العنب أو التمر أو العسل أو الحِنطة أي القمح أو الشعير أو الذرة أو البصل أو البطاطا أو التفاح وغير ذلك، وهذه الأشياء إنما تصير خمرا إذا حصل الغليان، عندما تغلي وترتفع ثم تنزل عندئذ الذين يشربون الخمر يعتبرونها صافية، أما قبل الغليان فلا يكون خمرا ، فقد روى النسائي وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عَنِ الأَشْرِبَةِ فَقَالَ ابن عمر للسائل : اجْتَنِبْ كُلَّ شَيْءٍ يَنِشُّ .

وقد قال ابن منظور في لسان العرب : نَشَّ الـماءُ يَنِشُّ نَشّاً و نَشِيشاً و نَشَّشَ: صَوَّتَ عند الغَلـيان أَو الصبِّ .

وليعلم أن قليل الخمر حرام كما أن كثيره حرام كما دل على ذلك حديث أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال: ” ما أسكر كثيره فقليله حرام ” وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: ” كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ” فكل شراب يغير العقل مع الطرب أي النَّشوة والفرح فهو خمر وهو حرام .

وأما التداوي بالخمر فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بحرمته، وهذا ظاهر الرواية في المذهب الحنفي وهو المعتمد عندهم، وبه قال المالكية وهو الصحيح عند الشافعية وهو مذهب الحنابلة، وذهب بعض الفقهاء إلى القول بجواز التداوي بها بثلاثة شروط، الشرط الأول: أن تتعين علاجا دون غيرها، والشرط الثاني: أن تكون بمقدار قليل بحيث لا يسكر ولا يذهب العقل لئلا يتداوى من شئ فيقع في أشدَّ منه، والثالث: أن يصفها طبيب مسلم ثقة لأن غير المسلم لا تقبل شهادته فيما يتعلق بالطب.

وأما حد شارب الخمر فهو أربعون جلدة للحر ونصفها للرقيق، ثم إذا اقتضت المصلحة الزيادة على ذلك جاز إلى الثمانين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه مسلم في صحيحه عنه وهذا الحد دليل على تحريم الخمر.

فشرب الخمر من أكبر الكبائر لكنه أخف من الزنى، فأكبر الذنوب بعد الكفر قتل النفس التي حرم الله إلا الحق، ثم الزنى، وبعده ترك الصلاة كسلا وأكل الربا وشرب الخمر فمن أحللها فقد كذب الدين ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا يشرب الخمر الشارب حين يشربها وهو مؤمن ” فليس معناه أنه يخرج من الإسلام بمجرد الشرب بل معناه لا يكونُ إيمانه كاملا، فهذا بيان في تحريم شرب الخمر نسأل الله تعالى أن يبعد الرذائل والقبائح عن أبناء المسلمين .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم .