الحج المبرور

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ منِ استطاعَ إليهِ سبيلًا ومن كفَرَ فإنَّ اللهَ غنيٌّ عنِ العالمينَ﴾ سورةُ ءالِ عمران/97.

فهنيئًا لمنِ اتّقى ربَّهُ والتزمَ بشرعِ سيّدِنا محمّد ﷺ، وهنيئًا لمن حَجَّ واعتمرَ وزارَ قبرَ النبيّ محمّد ﷺ، وهنيئًا لمن تمسَّكَ بنهجِ سيّدِ المرسلين محمّدٍ واهتدَى بهدي نبيّ الله محمّدٍ ﷺ. وقد علَّمَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أُمَّتَهُ كثيرًا منَ الأمورِ التي تَنفعُهُم في دينِهِم ودُنياهُم وحَضَّهُم على العملِ بها، ومن ذلك ما ورد في الحديث حيث قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا والْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّة)). رواه مالك وأحمد في مسنده والبخاري ومسلم والأربعة [أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه] عن أبي هريرة، وقال أيضا: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

والحج المبرور أي المقبول هو الذي لا رياء فيه ولا فسوق، فالحجُّ المبرورُ يتطلَّب إخلاصًا لله، وأن يكون المال حلالا طيبا، وأن يتجنب فيه الكبائر والفسوق، وأن يكون العمل موافقا لما جاء به رسول الله ﷺ. لذا كان ﷺ يدعو ويقول محذرا ومعلما: ((اللّهُمَّ حِجَّة لاَ رِيَاءَ فِيهَا وَلاَ سُمْعَة)). أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك. ومن علامة القبول أنه يرجع خيرًا مما كان. أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. فعلامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، فما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة، سلوا الله الثبات إلى الممات، فقد كان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك، وكان عامة دعاء إبراهيم بن أدهم: اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة. نعم مَنْ حجُّه مبرور هو قليل بين الناس ما كلُّ مَن حج قُبِل ولا كل من صلى وَصَلَ فقد قيل لعبد الله بن عمر: ما أكثرَ الحاج! فقال: ما أقلَّهم. وقال شريح: الحاج قليل والركبان كثيرة. كمـا أخرجهمـا عبد الرزاق في المصنف. وروي عن ابن عباس أنه قال في حصاة الجمار: ما يقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه ترك. أخرجه إسحاق بن راهويه شيخ البخاري. فسلوا لحجاج بيت الله القبول، وسلوهم أن يستغفروا الله لكم. ففي الحديث الشريف: ((اللهمّ اغفِر للحاجِّ ولمن استغفر له الحاجُّ)). رواه البيهقي وصححه الحاكم. وإن قدموا لكم من ماء زمزم، فاشربوا على نية قضاء حاجة لكم لِما في هذا الماء من الخصوصيّة. وهذا مما عَمِلَ العلماءُ والأخيارُ به، فشربُوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها. قال العلماء: فيُستحبّ لمن شربَه للمغفرة أو للشفاء من مرضٍ ونحو ذلك أن يقول عند شربه: اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللّه ﷺ قال: ((ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) اللَّهُمَّ وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي، فاغْفِرْ لي، اللَّهُمَّ إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِيًا بِهِ فَاشْفِني، أو: اللهمّ إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً من كلِّ داء”. وإن قدموا لكم التمر خصوصا عجوة المدينة، فاقبلوا، فقد قال رسول الله ﷺ: ((مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ)). رواه البخاري ومسلم. وإن قدموا لكم طِيبًا أو سواكا أو سبحة، فاقبلوا، وتتطيبوا لا سيما إذا كان من المسك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَطْيَبُ الطِّيبِ المِسْكُ)). رواه مسلم. واستعملوا السواك ففوائده كثيرة منها أنه يُطِّهرُ الفم ويُرضي الربّ ويشدّ اللثة ويضاعف الأجر ويبيض الأسنان ويذكِّر بالشهادة عند الموت ويساعد في إخراج الحروف، فقد قال ﷺ: ((السِّواكُ مَطْهَرةٌ للفَمِ ومَرْضاةٌ للرَبِّ)) رواه ابن حبان في صحيحه. وإن قدموا لكم السُّبحة فاقبلوا، ولا بأسَ باستعمالها لذكرِ اللهِ فإنها تُذكِّرُ حاملَها بتسبيحِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتمجيدِه. فإنَّ بعضَ نساءِ الرسولِ ﷺ وَضَعَتْ أمامَها أربعةَ ءالافٍ مِنْ نَوَى التَّمْرِ لتسبّحَ بها فرءاها الرسولُ ولم يُنكرْ عليها. فمِنْ هنا فَهم العلماءُ أنَّ التسبيحَ بالسُّبحةِ جائزٌ ليس حرامًا، ولكنَّ الذكرَ بِعَدِّ الأناملِ وعَقْدِها أفضل. فقد قال ﷺ: “عليكُنَّ بالتسبيحِ والتهليلِ والتَّقديسِ واعْقِدْنَ بالأناملِ فإنَهُنَّ مَسؤولاتٌ ومُستَنْطَقَات”. أي أنّ اللهَ تعالى يجعَلُ فيها النُّطقَ يومَ القيامةِ فتشهدُ على أصحابها بما كانوا يفعلونَه في الدنيا من ذكرِ الله معَ العَدِّ على الأنامِل.