أحكام الميتة

قال تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) )) [سورة المائدة]

الله تبارك وتعالى حرّم في هذه الآية أشياء وهي:

1- ((الْمَيْتَةُ)) وهي الّتي زالت حياتها بغير ذكاة شرعيّة ولو بذبحٍ لم يستوفِ شرط الذّبح بأن تموت بمرضٍ أو بذبحِ من لا تحلُّ ذبيحته كالمجوسيّ الذي يعبد النّار والملحِد الذي ينكر وجود الله، فذبيحة هؤلاء ميتة ولو ذبحوا كما يذبح المسلمون بقطع الحلقوم أي مجرى النّفس والمريء أي مجرى الطّعام والشّراب ولو سمّوا الله أو كبّروه فلا تحلّ ذبيحة هؤلاء، ومثل هؤلاء المرتدّ كالذي يسبّ الله أو يستهزئ بالإسلام أو ينكر البعث بعد الموت أو يسبّ الملائكة أو يصفُ اللهَ بالحركة أو السّكون أو الجسم أو الهيئة أو ينسُب لله المكان أو الجهة أو الجهل أو العجز. وكالذي يدوس على المصحف أو يرميه في القاذورات أو يكتب الفاتحة بالبول. فهذا ليس مسلمًا ولا يرجع إلى الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين وذبيحته ميتة كالّتي ماتت بمرض ولو نفَّذَ شروط ذبح المسلمين أي بقطع الحلقوم والمريء، أما المسلم شارب الخمر أو الزاني فذبحه حلال، أما اليهوديّ والنّصرانيّ فتحلّ ذبيحتهما لأنّ هذين أحلّ الله لنا أن نأكل ذبائحهما إن ذبحا بالطريقة الإسلاميّة وقطعا الحلقوم والمريء بشىء له حد كحديد له شفرة كالسّكّين مثلا فقد حلّت الذبيحة، وليس المعنى أنّه إنْ خرقها من جهة إلى جهة أو ما أشبه ذلك.

وكذلك الولد المميّز الذي هو دون البلوغ ذبيحته تحلّ واليهوديّ والنصرانيّ ذبيحتهما حلال بلا خلاف، قال الله تعالى: ((وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)) [سورة المائدة].

إنّما المسلم إنْ سمّى الله على ذبيحته هي حلال باتّفاق العلماء، أمّا إنْ ترك تسمية الله عمدًا قال أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد: «لا تحلّ ذبيحته وإنْ تركها سهوًا تحلّ ذبيحته» أمّا الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه يقول بأنّ ذبيحة المسلم سمّى الله أو لم يسمّ فهي حلال وإنْ ترك التّسمية عمدًا. وكذلك التّسمية على اللحم الذي لم تُستوفَ الشروط عند ذبحه لا تجعله حلالا كما يظنّ بعض الناس.

والمسلم واليهوديّ والنصرانيّ إذا ضغط على الآلة الّتي تقطع رقبة الذّبيحة ونزلت فقطعتها تحلّ هذه الأولى لأنّها بيده وإذا استمرّ السّكين يقطع بفعل الكهرباء إلى عشر ساعات مثلًا لا يحلّ أكل ما بعد هذه الأولى لأنّه بفعل الكهرباء.

وأمّا إذا جاءنا لحم من بلدٍ أهلها مسلمون ويذبحون ذبحًا شرعيًّا كتركيّا والباكستان جاز لنا أكله باعتبار أنّ مسلمًا ذبح مستوفيًا شروط الذّبح، وإذا جاءنا من بلد كلّ أهلها نصارى أو يهود ويذبحون ذبحًا صحيحًا حلّ لنا أنْ نأكله. أما إذا طرأ شكّ هل هو من ذبيحة كتابيّ أو مسلم قتل بالصّعق الكهربائيّ ونحوه لا يجوز ولا يحلّ الأكل منه.

واللحم الذي أحلّه الله لنا من بقر وغيره كالدّجاج الذي كتب عليه «ذبح على الطّريقة الإسلاميّة» فهذا يجوز أكله إنْ عرفت الشّركة المصدّرة وعرف أنّها تذبح على الطّريقة الشرعيّة، فالدّجاج المجلّد وغيره من اللحوم الّتي تحتاج لذبح ليَحلَّ لا تؤكل حتى نتأكد أنّها ذبحت ذبحًا حلالًا. والسّمك حلال كيفما وصل إلينا سواء عن طريق مجوسيّ أو كتابيّ لأن ميتة السّمك حلال. الله تعالى أحلّ لنا ميتة السّمك قال رسول الله ﷺ: «أحلّت لكم ميتتان ودمان السّمك والجراد والكبد والطّحال».

وقد ورد في القرءان حلّ أكل السّمك وصيد البحر في قوله تعالى: ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ)) [سورة المائدة]. فالمطلوب من الإنسان أنْ يهتم لتحري الحلال في مأكله، وليس أن يكون همه فقط أن يملأ بطنه كيفما كان ما يضعه فيها،كيف يهتمّ الإنسان لبطنه إلى هذا الحدّ أي إلى حد أن يأكل الحرام وأوّل ما ينتن من الإنسان في القبر بطنه، فليكتفِ الإنسان بالخضار والسّمك وذبح يده وغير ذلك من الحلال في حالة كهذه وليتّقِ الله ولا يتأثّرْ بكلام بعض الجهلاء وتزيين الحرام وتحسين الباطل وليذكر قول النبي ﷺ: «من أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه، ومن أرضى الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» أي خيارهم.

والأمر الثاني الذي ورد ذكره في الآية مما هو محرَّم بنصها:

2-((وَالدَّمُ)) وهو محرّم سواء كان دم ذبيحة من الحيوانات المأكولة أو دم غيرها وسواء كان مائعا أو جَمُدَ بعد انفصاله من مخرجه بالوسائل المتبعة عندهم كما تعودوا في بعض البلاد فهو حرام وأكله من الكبائر المجمع عليها.

والدم المسفوح السائل هو الذي حرّمه الله تعالى كما في قوله تعالى: ((قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)) [سورة الأنعام].

أما الدم غير السائل كالكبد والطحال فإنه حلال لأنهما ليسا دما مسفوحا، الله خلقهما في بطون البهائم جامدين فهما ليسا من الدم المحرّم. فمن أكل الكبد نَيْئًا أو مطبوخا أو مشويا فهو حلال وكذلك الطحال وقد رغّب رسول الله ﷺ في أكل الكبد فقال: «كلوا الكبد نيئا» رواه الضّياء المقدسيّ، وقوله: «أحلّت لكم ميتتان ودمان السّمك والجراد والكبد والطّحال».

والدّم الذي ينزل من اللحم الطّازج ويسيل منه هذا غير حرام كذلك لو احمرَّ المرق من اللحم المقطّع الطّازج لا يحرم إنّما الحرام هو الدّم المسفوح والمسفوح هو الدّم الذي يتفجّر من مخرجه عند الذّبح، هذا وإنْ جَمُدَ بعد ذلك فأكله حرام أيضا.

3-((وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)) أي كذلك حرم عليكم أكل لحم الخنزير سواء كان هذا الخنزير بريّا أو أهليّا يربى في المداجن والمنازل كما في بعض البلاد فهذا حرام سواء كان نيئا أو مطبوخا على النّار فلا تزول النّجاسة عنه ولو قال الأطباء يزول ما به من أذى فمن استحلّ أكله فقد كذَّبَ الدين وذلك لأنّه محرّم في القرآن.

وقد قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، قالوا: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة تطلى بها السّفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس، قال: «لا هو حرام» رواه البخاريّ ومسلم.

4- ((وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)) أي ما ذبح لعبادة غير الله كتعظيم الأصنام، الشّيء الذي يذكر عليه اسم غير الله كما يفعل بعض الوثنيين لمّا يذبحون لأوثانهم يذبحون الذّبيحة ويذكرون عليها اسم ذلك الوثن فلا يجوز ذكر اسم غير الله على الذّبيحة ففي الجاهليّة كانوا يذبحون تقرّبا إلى هذه الشّياطين كذلك كانوا يذبحون لعبادة الأصنام كان عندهم وثن كبير يسمونه «هُبَل» وعندهم «مَناة» وعندهم «اللَّات» وعندهم «العُزَّى» وهذه الأخيرة كانت شيطانة أنثى، سيّدنا خالد بن الوليد ذهب إلى الشّجرة الّتي كانت تظهر صوتها فيها ذهب إلى هناك فقطعها وقتل الشّيطانة صادفها هناك كانت متشكّلة بشكل أنثى من البشر وقال لها:

إني رأيتُ الله قد أهانك     يا عزّى كفرانك لا سبحانك

وكان لقبائل العرب المشركين طواغيت والطّاغوت هو الشّيطان ينزل على إنسان ويتكلّم على فم هذا الإنسان فكانوا في الجاهليّة يعظّمون هذا الإنسان من أجل الشّيطان الذي ينزل فيه ويتكلّم على لسانه.

وهذه المذكورات الأربعة أي الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به محرّمة في جميع شرائع الأنبياء.

 قال الشّيخ ابن قدامة المقدسيّ في «المغني» ما نصّه: «أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار وإباحة الأكل منها في الاضطرار».

5-(( وَالْمُنْخَنِقَةُ )) البهيمة الّتي تؤكل إذا زالت حياتها بالخنق حرم أكلها فمن هنا يتبيّن فساد ما يفعله بعض الجهّال فإنهم يغرقون الدّجاج الحيّ بالماء المغليّ فتختنق ثم يقطّعونها فهذه لا يحلّ أكلها.

6- ((وَالْمَوْقُوذَةُ)) أي حرم عليكم الموقوذة أي أكلها حرام وهي البهيمة الّتي ضربت بالعصا أو بشىء ثقيل حتّى ماتت من قوّة الألم فأكلها حرام ولو ذبحها لا يجعلها حلالا وكذلك البهيمة الّتي ضربت بالمطرقة على جبهتها أو رأسها لتدوخ وتقع على الأرض ليسهل عليهم ذبحها فإن وصلت إلى حدّ أنها فقدت الحركة الاختياريّة لأنّها صارت في ءاخر رمق وصارت حركتها كحركة المذبوح فهذه لا تحلّ لأنّها لو تُركت بدون ذبح لماتت أما إذا داخت من الضّرب وبقيت فيها حركة عاديّة اختياريّة فهذه إذا ذُبحت فالذبح يحلّها لأنّها لم تفقد حركتها الاختياريّة.

والّذي يضرب البهيمة هذا الضّرب حرام عليه لأنّ فيه تعذيب خلقٍ من خلقِ الله بدون سبب شرعيّ. أمّا إذا شردت البهيمة وخاف عليها صاحبها أنْ تقع من أعلى الجبل فإذا ضربها ليمسكها يكون ضربه بسبب فليس حراما. أمّا ما يفعله بعض الجزّارين مِن أنّه يقطع بالسكين العصب في رجل البهيمة من الخلف عند العقب كي لا تستطيع الهرب أو أنْ تناطح بقوة فإنّ ذلك لا يؤثّر على شرعيّة ذبحها. كذلك لو أنّ بقرة مثلا كُسِرَتْ رجلها أو صدمتها سيّارة وبقي فيها حياة مستقرة أي لم تكن في حال النّزاع وكانت بحيث لو ذُبِحَتْ تزيد حركتها ويتفجّر الدم فيحلّ أكلها.

7-((وَالْمُتَرَدِّيَةُ)) وهي البهيمة الّتي وقعت وتردّت من علوٍ كأنْ وقعت من أعلى الجبل فماتت فهذه حرام لا يحلّ أكلها وكذلك لو رماها شخص فتردّت من علو وماتت فلا تؤكل.

8-((وَالنَّطِيحَةُ)) أي حرام عليكم أكل النطيحة وهي الّتي ماتت بالانتطاح مع بهيمة أخرى، مثلا كبش صار ينطح كبشا ءاخرَ فقتل أحد الكبشين الآخر فهذا الكبش الآخر المقتول ميتة لا يحلّ أكله.

وهذا الفعل أي التحريش بين البهائم بين كلبين أو ديكين أو كلب وهرّة كما يفعل بعض النّاس مِن أنّهم يسلّطون ديكا على ديك فيتناقران ويتناهشان بالمنقار وغيره فيغلب أحدهما الآخر فهو حرام. أليس ورد في حديث أنّ امرأة دخلت النار في هرّة حبستها فلا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض أي من حشرات الأرض، رواه البخاريّ ومسلم وغيرهما.

9-((وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ)) أي حرم عليكم ما أكل السّبع ((إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)) فالبهيمة الّتي أكلها السّبع كالأسد أو النّمر فماتت فهي حرام أما إذا أخذ منها السّبع شيئًا من جسدها ولم يقتلها كأنْ أخذ من ألية الغنم ولم يقتلها ثمّ ذبحت فهي حلال لكنّ القطعة الّتي قطعها السّبع صارت ميتة حرام أكلها لأنّ الجزء الذي ينفصل عن حيوان وهو حيّ يكون كميتة ذلك الحيوان فألية الغنم إذا قطعت وهو حيّ فحكم هذه القطعة كحكم ميتته فلا يحلّ أكلها.

ومعنى الميتة ما مات من البهيمة المقدور عليها بدون ذبح شرعيّ.

10-((وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)) أي حرم عليكم ما ذبح على النّصُب أي الأوثان وهي حجارة كانوا ينصبونها ويعبدونها من دون الله فيذبحون الذّبيحة تعظيما لها ويهريقون أي يصبّون دمها على هذا النّصب وهذا عندهم تعظيم لهذا الوثن وعبادة له فأكلها حرام، كأنّهم يخاطبون النّصب تذللنا لكم فنرجو رضاكم على زعمهم.

11-((وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ)) وهذا حرام وهي تسعة ثلاثة للبخت والنّصيب واحدة عليها افعل والثانية عليها لا تفعل والثّالثة ما عليها كتابة إذا حصل قتلٌ أو سفك دم بين القبائل، في الجاهليّة كانوا يستعملون ثلاثة من السّتّة الباقية لمعرفة من يتحمّل الدِّية والثّلاثة الباقية من الأزلام لإلصاق الولد أو نفيه أو إثباته كأنِ اتّهم زوجته بالزّنا، فمعنى وأنْ تستقسموا بالأزلام طلب الحظِّ والنّصيب بالسّهام الّتي كانت الجاهليّة يستعملونها، كانوا إذا أرادوا سفرا أو غير ذلك يضربون بهذه السّهام يخلطونها ببعضها ثم يخرج لهم الشّخص الموكّل بهذا الشّيء واحدا من غير أن ينظر فإن طلع السّهم المكتوب عليه افعل يمضي في تلك الحاجة يقول تنجح وإذا طلع السّهم المكتوب عليه لا تفعل يقول هذا الأمر لا ينجح وليس لي في هذه الحاجة حظٌّ فيترك هذا الأمر إنْ كان سفرا أو كان زواجا أو غير ذلك وإنْ طلعت الّتي ليست عليها كتابة يعيد الخلط. كانوا يعتمدون على هذه الأزلام أي السّهام وكانوا في الجاهليّة في مكة يستعملون هذا الشّىء ضمن الكعبة الشّريفة يأتي صاحب الحاجة يقول لهم أريد أن أستقسم أي أنْ أعرف حظّي ونصيبي فيخلط له هذا الشّخص الموكّل بالسّهامِ السّهامَ بعضها ببعض ثم يخرج له واحدا ليعمل بمقتضاه فهذا حرام من الكبائر لأنّه لا يعلم الغيب إلاّ الله. كانوا عملوا صورة لها ظلّ أي مجسّمة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ووضعوا على أيديهم هذه السّهام ليوهموا النّاس أنّ إبراهيم وإسماعيل كانا يعملان هذا الشّيء ولم يكن إبراهيم وإسماعيل يعملان بهذا الشّيء لأنّه ممّا حرّم الله تعالى، وإنّما المشركون في الجاهليّة بعدما كفروا بالله ولم يؤمنوا به ولا بمشيئته وتركوا التوكّل على الله وتركوا دين إبراهيم عليه السلام أي الإسلام وصاروا مشركين عملوا بهذا الشّيء أي صاروا يطلبون معرفة الحظِّ والنّصيب بهذه الأشياء الّتي عملوها. وما يسمّى التّبصير بالفنجان أو بالودع أو بالرّمل أو بالنّجوم أو بالكفِّ أو بالورق المسمّى «بالشدّة» فهو حرام.

قال الله تعالى: ((ذَلِكُمْ فِسْقٌ)) فهذه الأشياء الّتي ذكرت في هذه الآية كلّها من المحرّمات الكبيرة.

وما ذكرناه في شرح هذه الآية مع ما يتضمن ذلك هو من المسائل المعروفة عند العلماء المعتبرين ولا تخفى إلاّ على من لم يتعلم علم الدين.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

 فقد نصّ الإمام الحافظ السّيوطيّ في تفسير موجز له لهذه الآية فقال رحمه الله:

((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)) أي أكلها ((وَالدَّمُ)) أي المسفوح كما في الأنعام ((وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)) بأنْ ذُبح على اسم غيره ((وَالْمُنْخَنِقَةُ)) الميتة خنقا ((وَالْمَوْقُوذَةُ)) المقتولة ضربا ((وَالْمُتَرَدِّيَةُ)) السّاقطة من علو إلى أسفل ((وَالنَّطِيحَةُ)) المقتولة بنطح أخرى لها ((وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ)) منه ((إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ)) أي أدركتم فيه الرّوح من هذه الأشياء فذبحتموها ((وَمَا ذُبِحَ عَلَى)) اسم ((النُّصُبِ)) جمع ناصب وهي الأصنام ((وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا)) تطلبوا القسم والحكم ((بِالْأَزْلَامِ)) مع زلم بفتح الزّاي وضمِّها مع فتح اللاّم قِدح بكسر القاف صغير لا ريش له ولا نصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكِّمونها فإنْ أمرتْهم ائتمروا وإنْ نهتهم انتهوا ((ذَلِكُمْ فِسْقٌ )) خروج عن الطّاعة»اهـ