معنى قوله تعالى: “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ”

قال الله تعالى في نبيّ الله عيسى عليه الصلاة والسلام: “إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ” (آل عمران، 55)

  قال الرازي إن في تفسير الآية طرقًا منها أن معنى قوله تعالى “إني مُتَوَفِّيكَ” أي متمِّمٌ عمرك فحينئذ أتَوفَّاكَ فلا أترُكُهُم حتى يقتلوك، بل أنا رافِعُكَ إلى سمائي ومُقرِّبُك بملائكتي، وأصونُكَ عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن.

وذكر أنه قيل في ذلك أن “متوفيك” أي مميتك وهو مروي عن ابن عباس، والمقصود أن لا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك بل الله يميتك حين انقضاء أجلك، ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء فلم يستطع اليهود أذيته.

وقال إن بعض العلماء قالوا إن قوله تعالى: “ورافعك إليّ” يقتضي أنه رفعه حيًأ، والواو لا تقتضي الترتيب، وفي الآية تقديم وتأخير، والمعنى أني رافِعُكَ إليّ ومُطهّرك من الّذين كفروا ومُتَوفِّيكَ بعد إنزالي إياك في الدنيا، قال رحمه الله: ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن.

ثم يقول الرازي رحمه الله: والمشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان لله تعالى وأنه في السماء، وقد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب (تفسيره) بالدلائل القاطعة على أنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ على التأويل، وهو من وجوه:

الوجه الأول: أن المراد إلى محل كرامتي، وجعل ذلك رفعًا إليه للتفخيم والتعظيم ومثله ما ذكر الله من قول سيدنا إبراهيم: “إني ذاهب إلى ربي” (الصافات، 99) وإنما ذهب إبراهيم صلى الله عليه وسلم من العراق إلى الشام، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، فكذا هاهنا.

والوجه الثاني في التأويل أن يكون قوله تعالى “ورافعك إليّ” معناه أنه يُرفع إلى مكان لا يملك الحكم عليه فيه غير الله، لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام، فأما السماوات فلا حاكم هناك في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله. انتهى كلام الإمام الرازي رحمه الله وهو من كبار الفقهاء ومشاهير الأصوليين توفي سنة 606 من الهجرة الشريفة.

فائدة: أخرج ابن أبي حاتم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان عيسى مع اثني عشر من أصحابه في بيت فقال إنّ منكم من يكفر بي بعد أن آمن، ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي ويقتل مكاني فيكون رفيقي في الجنة، فقام شاب أحدثهم سنًا فقال أنا، قال (أي عيسى): اجلس، ثم عاد فعاد فقال: اجلس، ثم فعاد الثالثة فقال: أنت هو، فألقي عليه شبهُهُ، فأخذ الشاب فصلب بعد أن رفع عيسى عليه السلام من روزنة في البيت وجاء الطلب من الكفار فأخذوا الشاب. وهذا إسناده صحيح.