قوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ

قال تعالى: ((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) )) [سورة الصافات]

إن مما جاء به القرءان وعلّمه الأنبياء وأجمعت عليه شرائعهم أن من كان مسلمًا مؤمنًا وختم له بذلك فهو من أهل الجنة والسعادة الأبدية ولا دخل له ولا إثم عليه ولا وزر يلحقه بكفر وفسوق وفجور زوجته التي ماتت على الكفر، والعكس أيضًا. فمثلًا نوح ولوط نبيان كريمان عظيمان عليهما الصلاة والسلام، فهل يلحقان بزوجتيهما اللتين قال الله فيهما في سورة التحريم ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) ))، والجواب حاشى ومستحيلٌ أن يلحقهما إثمٌ أو عذابٌ أو دخول النار بسبب زوجتيهما.

وكذلك آسية بنت مزاحم امرأة فرعون هي مؤمنةٌ مسلمةٌ وليةٌ صالحةٌ وزوجها فرعون رأس من رؤوس الكفر وإمام من أئمة أهل النار فهل تكون آسية معه في جهنم؟! حاشاها، وهي التي قال الله تعالى في شأنها في القرءان ((وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) )).

فيتبين من مجموع هذه الأدلة القرءانية الواضحة الصريحة أن المؤمن في الجنة والكافر في النار ولو كانوا متزوجين من بعضهم في الدنيا ولا علاقة للرجل مع زوجته في هذه الآية الكريمة التي نحن في صدد شرحها ((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) )).

فالأزواج هنا في الآية أي الأشباه أي الكافر وشبيهه في الكفر يكونان في النار، فالأزواج هنا أي المتشابهون في كفرهم وشركهم وضلالهم، وقيل الوثني مع الوثني واليهودي مع اليهودي وقيل الكفار وأشياعهم أي أتباعهم من الكفار وقيل الزوجات الموافقات لأزواجهن في الكفر.

 

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قوله تعالى:
((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)) هو من قول الله تعالى للملائكة: احشروا المشركين وأزواجهم أي: أشياعهم في الشرك، والشرك: الظلم، قال الله تعالى:
((إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) فيحشر الكافر مع الكافر، قاله قتادة وأبو العالية.

 

وقال عمر بن الخطاب في قول الله -عز وجل-: ((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)) قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة.

 

وقال ابن عباس: وأزواجهم أي: أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: ((وَأَزْوَاجَهُمْ)): نساؤهم الموافقات على الكفر، قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب.

 

وقال الضحاك: وأزواجهم قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقاتلٍ أيضًا: يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. من دون الله أي من الأصنام والشياطين وإبليس. ((فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) أي سوقوهم إلى النار. وقيل: ((فَاهْدُوهُمْ)) أي: دلوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق، أي: دللته عليه. وأهديت الهدية وهديت العروس، ويقال أهديتها، أي: جعلتها بمنزلة الهدية» اهـ.

 

وقال محمد الأمين بن محمد بن المختار بن الجنكي الشنقيطي  في كتابه التفسير أضواء البيان في إيضاح القرءان العظيم ما نصه: «قوله تعالى: ((احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ)) المراد بـ: الذين ظلموا الكفار، كما يدل عليه قوله بعده: ((وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ  مِنْ دُونِ اللَّهِ)) .

 

وقوله تعالى: ((وَأَزْوَاجَهُمْ))، جمهور أهل العلم منهم: عمر وابن عباس، على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وهكذا وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرآن، وفي كلام العرب؛ كقوله تعالى: ((وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا)) الآية، وقوله تعالى: (( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)) ، وقوله تعالى: ((فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ))الآية، وقوله تعالى: ((وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ)) ، إلى غير ذلك من الآيات.

 

وقال محمد الطاهر بن عاشور المالكي في تفسيره التحرير والتنوير في شرح هذه الآية ما نصه: «وروي عن النعمان بن بشير يرويه عن عمر بن الخطاب وتأويله: أنهن الأزواج الموافقات لهم في الإشراك، أما من آمن فهن ناجياتٌ من تبعات أزواجهن، وهذا كذكر أزواج المؤمنين في قوله تعالى ((هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ ))[سورة يس]، فإن المراد أزواجهم المؤمنات، فأطلق حملًا على المقيد في قوله ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.

وذكر الأزواج إبلاغٌ في الوعيد والإنذار لئلّا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن.

 

وقيل: الأزواج: الأصناف، أي: أشياعهم في الشرك وفروعه. قاله قتادة وهو رواية عن عمر بن الخطاب وابن عباس.

وعن الضحاك: الأزواج المقارنون لهم من الشياطين» اهـ.