قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

– قال تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)) (253) [سورة البقرة]

قال تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)).

 

قال الإمام الحافظ البخاري رضي الله عنه حدّثنا موسى بْن إسماعيل حدّثنا وهيْبٌ حدّثنا عمْرو بْن يحْيى عنْ أبِيهِ عنْ أبِى سعِيد الْخدْرِىِّ رضى الله عنه قال بيْنما رسول الله ﷺ جالِسٌ جاء يهودِىٌّ فقال يا أبا الْقاسِمِ ضرب وجْهِى رجلٌ مِنْ أصْحابِك فقال منْ قال رجلٌ مِن الأنْصارِ قال ادْعوه فقال أضربْته قال سمِعْته بِالسّوقِ يحْلِف والّذِى اصْطفى موسى على الْبشرِ قلْت أىْ خبِيث على محمّد ﷺ فأخذتْنِي غضْبةٌ ضربْت وجْهه فقال النّبِىّ ﷺ «لا تخيِّروا بيْن الأنْبِياءِ فإِنّ النّاس يصْعقون يوْم الْقِيامةِ فأكون أوّل منْ تنْشقّ عنْه الأرْض فإِذا أنا بِموسى آخِذٌ بِقائِمة مِنْ قوائِمِ الْعرْشِ فلا أدْرِي أكان فِيمنْ صعِق أمْ حوسِب بِصعْقةِ الأولى». ورواه مسلم أيضًا في صحيحه.

 

وقال البخاري حدّثنِى محمّد بْن بشّار حدّثنا غنْدرٌ حدّثنا شعْبة عنْ قتادة قال سمِعْت أبا الْعالِيةِ حدّثنا ابْن عمِّ نبِيِّكمْ يعْنِى ابْن عبّاس عنِ النّبِىِّ ﷺ قال «لا ينْبغِى لِعبْد أنْ يقول أنا خيْرٌ مِنْ يونس بْنِ متّى ونسبه إلى أبِيهِ». ورواه مسلم أيضًا في صحيحه.

 

وحديث «وَلاَ أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». ورواه مسلم أيضًا في صحيحه.

هذه الأحاديث كانت قبل أن ينزل الوحي بتفضيل بعض الأنبياء على بعضهم، ما كان مأذونا للصحابة أن يفاضلوا بين الأنبياء بآرائهم، لكن بعد أن نزل القرءان بذلك أو بيّن الرسول ﷺ ذلك صار تفضيل بعض الأنبياء على بعض بالدليل حقًا، لأن الله تعالى قال: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) ، وما ثبت عنه ﷺ: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد.

 

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «خيار الأنبياء خمسة محمد، إبراهيم، موسى، عيسى ونوح، وخيار الخمسة محمد» ﷺ، فبعد هذا صار جائزًا بالإجماع أن نقول: «محمد أفضل من إبراهيم» أو «إبراهيم أفضل من موسى» أو «موسى أفضل من عيسى» أو «عيسى أفضل من نوح» أو «نوح أفضل من آدم»،

(قال الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ المتوفى 444هــ في كتابه بهجة المنتفع (ص227) عن قول أبي هريرة هذا لا يجوز أن يقال بالرأي وبالاستنباط إنما يقال مثل هذا على التوقيف فلذلك دخل في جملة المسند لأن الصحابي لا يقوله من رأيه، وذكرهم على غير الترتيب المجمع عليه والذي هو محمد- إبراهيم- موسى- عيسى- نوح عليهم وعلى سائر أنبياء الله الصلاة والسلام).

 

قال العيني في «عمدة القاري»: «وقال ابن التين: معنى (لا تخيروا بين الأنبياء) يعني من غير علم وإلا فقد قال تعالى ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) وقال: «وقال: (لا تفضلوني على يونس عليه الصلاة والسلام)، قلت: أجيب كان هذا قبل إعلامه بسيادة ولد آدم» اهـ.

 

قال المفسر أبو حيان الأندلسي في كتابه تفسير البحر المحيط: «وقد قال أبو هريرة: خير ولد آدم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وهم أولو العزم والمكلم موسى ﷺ» اهـ.

قال المفسر القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرءان: قوله تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ)) قال: «تلك» ولم يقل: ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء. و «الرسل» نعته، وخبر الابتداء الجملة. وقيل: الرسل عطف بيان، و((فَضَّلْنَا)) الخبر.

 

وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي ﷺ قال: «لا تخيروا بين الأنبياء» و«لا تفضلوا بين أنبياء الله» رواها الأئمة الثقات، أي لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. يقال: خير فلان بين فلان وفلان، وفضل، «مشددا» إذا قال ذلك.

وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى؛ فقال قوم: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وإن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض»، وأراد بقوله: «لا تخيروني على موسى» على طريق التواضع؛ كما قال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم. وكذلك معنى قوله: «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى» على معنى التواضع.

وفي قوله تعالى: ((وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)) ما يدل على أن رسول الله ﷺ أفضل منه، لأن الله تعالى يقول: ولا تكن مثله؛ فدل على أن قوله: «لا تفضلوني عليه» من طريق التواضع.

 

وقال أيضا: «وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدًا على الأنبياء وعلى أهل السماء… ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده.

وقال أبو هريرة: خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد ﷺ، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة» اهـ.

وقال المفسر المشهور الرازي في كتابه مفاتيح الغيب: «المسألة الرابعة أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض وعلى أن محمدًا ﷺ أفضل من الكل ويدل عليه وجوه أحدها قوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.