قوله تعالى: قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى

– قال تعالى: ((قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) )) [سورة طه]

يجب الاعتقاد بأن السحر لا يؤثر في قلوب الأنبياء ولا في عقولهم وإلا فما معنى العصمة؟ ولو كان كذلك للعب بهم السحرة كما يلعبون بعامة الناس، وهذا لا يليق بمنصب النبوة، فيكذب الدين من اعتقد أن السحر يؤثر في عقول وقلوب وعيون الأنبياء لأنه بقوله هذا جعلهم يصيرون في وقت من الأوقات لا يضبطون ما يقولونه ولا يميزون ما يرونه ولا يفهمون ما يسمعونه، وبهذا جعلهم كالمجانين والسفهاء والبله، ومن زعم هذا فإنه يرفع الثقة من قول وفعل الأنبياء، والأنبياء إنما أرسلوا ليبلغوا ما أمرهم الله بتبليغه وليتبعهم الناس بدليل قول الله عز وجل ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)) ، ومن جوّز عليهم بأن يؤثر السحر في قلوبهم وعقولهم وعيونهم فكأنه يقول إن الله تعالى يسلط السحرة والكفرة والشياطين على أنبياءه فيلعبون بهم كيف يشاؤون.

 

قال القاضي عياض اليحصبي المالكي في كتابه الشفا بتعريف حقوق نبينا المصطفى ما نصه: «واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوسواس» اهـ.

 

وأما هذه الآية الكريمة ((يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)) فليس معناها أن السحر أثّر في عقل وعيني موسى حتى رأى عصي السحرة وحبالهم أنها حيات تسعى، هذا لا يجوز على موسى ولا على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل معناها أن موسى رأى عصيهم وحبالهم مضطربة كأنها حيات تسعى، لكنه معصومٌ بعصمة الله له، فهو محفوظٌ من أن يؤثر السحر في عقله أو بقلبه.

 

وقال الإمام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب في تفسير سورة طه في شرح الآية ما نصه: «فأما ما روي عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلًا بقوله تعالى: ((فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ)) [سورة الأعراف] وبقوله تعالى: ((يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى))  فهذا غير جائزٍ لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة، فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة، فحينئذٍ يفسد المقصود  فإذًا المراد أنه شاهد شيئًا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشىء لظن فيها أنها تسعى» اهـ.