من صفات الصديق وفضائله رضي الله عنه

ولد رضي الله بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر ، وكان من رؤساء قريش في الجاهلية ، من أهل المشورة فيهم محببا لهم عالما واسع العلم بأنساب العرب ، حتى قيل إنه لم يكن في زمنه من هو أعلم منه بالنسب ، وكان في الجاهلية يعف عن كثير من القبائح التي يرتكبها أهل الجاهلية ، حتى روي عنه بأنه ما شرب الخمر في الجاهلية قط روى ذلك أبو نعيم وابن عساكر وغيرهما ، وكان أبيض اللون نحيفا خفيف العارضين يظهر الجلد من تحتهما خالط لحيته الشيب ، فكان يخضبه وكانت جبهته بارزة وعيناه غائرتان داخلتان إلى الداخل ، وهو أول من أسلم من الرجال كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء وعلي أول من أسلم من الصبيان وبلال أول من اسلم من العبيد وقد كان النبي يحبه محبة عظيمة ، أخرج البخاري عن أبي الدرداء أنه جرت ذات يوم خصومة بين أبي بكر وواحد من الصحابة فلما عرف النبي بذلك خطب الناس قال :” هل أنتم تاركوا لي صاحبي ” يعني أبا بكر يعني لا تؤذوه خَصَّهُ من بينهم بلفظ صاحبي قالها مرتين ثم قال إني قلت أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبتَ (أي غالب الناس كذبوه ) وقال أبو بكر صدقت ” .

وقد صحب رضي الله عنه النبي عليه السلام من حين أسلم إلى أن توفي لم يفارقه في سفر ولا حضر إلا فيما أذن له رسول الله بالخروج فيه لحج أو لغزو ، وشهد مع الرسول مشاهده كلها ، كل الغزوات التي غزاها الرسول بنفسه أبو بكر غزاها معه وهو الذي مدحه الله في القرءان ، هو رفيق الرسول المذكور في قول الله في سورة التوبة (( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن عن الله معنا )) وقد أجمعت الأمة على أن المراد بالصاحب هنا أبو بكر ، وهو من الذين ثبتوا يوم أحد ويوم حنين حين فرَّ كثير من الناس وقد كان من أشجع الناس ، أخبر وروى البزار في مسنده عن علي أنه خبر الناس عن شجاعة أبي بكر فقال :” يوم بدر بنى المسلمون للنبي عريشا وهو يجعل من أغصان الشجر يظل من الشمس ونحوها ” فقلنا من يكون مع رسول الله حتى لا يأتيه أحد من المشركين يؤذيه ، فقام أبو بكر شاهرا سيفه مع الرسول في العريش ما اقترب مشرك من ذلك الموضع إلا نهد إليه أبو بكر أي واجهه أبو بكر ، وأنتم تعرفون أن الوقوف في مثل هذا الموقع يحتاج إلى شجاعة عظيمة لأن الرسول هو قصد الكفار ، كل الكفار يريدون الرسول لقتله ، فمن وقف في ذلك الموقف لا بد أن يكون أشجع الناس ،  قال علي رضي الله عنه وإننا يوما في مكة قبل الهجرة اجتمع الكفار حول الرسول يذمونه ويقولون له أنت الذي جعل الآلهة إلها واحدا ، ثم أرادوا إيذاءه بأيديهم فقام أبو بكر يدافع عنه وحده ، يضرب هذا ويدفع هذا ويشد هذا بعيدا عن رسول الله ، وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ” ثم إن عليا كانت له بردة غطى بها رأسه فبكى حتى ابتلت لحيته من الدمع ، وكان أبو بكر رضي الله عنه أجود الصحابة بالمال أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار ذهبا ، الآن قيمتها أضعاف أضعاف قيمتها في ذلك الزمن فأنفقها كلها في سبيل الله .

روى أبو داوود والترمذي عن عمر قال أمرنا رسول الله أن نتصدق ، فوافق ذلك مالا عندي قال قلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، أي إن كان يوم أسبقه أسبقه هذا اليوم فالصحابة يتسابقون على الخيرات والبذل في سبيل الله تعالى ، قال فجئت بنصف مالي إلى رسول الله لينفقه في سبيل الله فقال أي الرسول ” ما أبقيت لأهلك ” قال قلت مثله ، قال فأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال النبي له ” يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ” فقال أبقيت لهم الله ورسوله ، قال عمر فقلت لا أسبقه إلى شىء أبدا أي من الخير ” .

وكان من أعلم الصحابة وأحدهم ذكاء ، روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناسَ فقال ” إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك ما عند الله ” فلما قال الرسول ذلك صار أبو بكر يبكي وقال نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله ” فعجب الصحابة لبكاء أبي بكر ، لِمَ يبكي أبو بكر والرسول يخبر عن عبد خيره الله ؟ ولم ينتبهوا أن الرسول هو المخبر ، معناه أن الله خيره بين أن يتوفاه قريبا وأن يمد في عمره وأن النبي اختار قرب الوفاة ، ففهما أبو بكر فلما رأى رسول الله ذلك قال ” إن من أَمَنِّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ” ثم أمر النبي بسد كل الأبواب أي أبواب الدور التي حول المسجد ، المفضية من الدور إلى المسجد إلا باب أبي بكر ، قال بعض العلماء وفي هذا إشارة أن أبا بكر يلي الخلافة بعد الرسول لأنه يحتاج في خطبة الجمعة لأجل خطبة الجمعة إلى الخروج من داره إلى المسجد لإمامتهم .

ومن الدلائل على أنه من أعلم الصحابة ما حصل في صلح الحديبية حين سأله عمر عن أمر هذا الصلح ، فشرح له أبو بكر الأمر ثم ذهب عمرإلى النبي عليه السلام فبينه له كما شرحه أبو بكر تماما ، وهو  أحد من حفظ القرءان كله في زمن الرسول ، وهو خير الصحابة وأفضلهم كما أجمع على ذلك أهل السنة قال أبو منصور البغدادي :” أجمع أهل السنة أن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم باقي العشرة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل البيعة { أي بيعة الرضوان بيعة الشجرة } ثم ما يليهم من الصحابة ، وروى البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب واسمه محمد بن الحنفية وهو ولد علي ، ابنه من غير السيدة فاطمة ، قال :” قلت لأبي من أفضل هذه الأمة فقال أبو بكر قال قلت ثم من قال عمر قال فخشيت أن أقول له ثم من فيقول عثمان ، فقلت ثم أنت فقال ما أنا إلا رجل من المسلمين “.

وقد أنزل الله قرءانا في شأن أبي بكر وهو قوله ” ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ” .

وأخرج ابن جرير أن أبا بكر كان يعتق أناسا من الأرقاء المسلمين الضعفاء يشتريهم من مالكيهم الكفار ثم يعتقهم في سبيل الله ، إذا أسلمت الأمة المملوكة والنساء أو العجز أو نحو ذلك من العبيد يشتريهم ثم يعتقهم لله تعالى ، وقد ورد عن رسول الله في فضله أحاديث كثيرة من جملته مما ذكره النبي ” أن رجلا كان يحمل على بقرة فالتفتت إليه ثم قالت إني لم أخلق لهذا ولكن خلقت للحرث ” وقبلها أخبرهم ” عن ذئب أراد أن يأخذ شاة لراعٍ فقام الراعي دونه فالتفت إليه الذئب وقال من لها يوم الأسد يوم لا راعي لها غيري ” يعني إذا جاء الأسد أنت تهرب وأنا آكلها ، عند ذلك لا تستطيع أن تدفع عنها ، فلما سمع الناس ذلك تعجبوا كان حدثهم عن الذئب ثم عن البقرة قالوا سبحان الله بقرة تتكلم ، قالوه ليس من باب الشك لكن من باب العجب ، فقال الرسول لهم ” فإني أأمن في ذلك وأبو بكر وعمر ” وهما لم يكونا هناك في غيبتهما إنما شهد لهم الرسول بذلك لعلمه بكمال إيمانهما .

وقد مدح الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم أبا بكر رضي الله عنه مدحا بليغا حتى قال علي :” والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير إلا سبَقَنا أبو بكر ” ويروى عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه سئل عن منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله في حياته فقال كمنزلتهما منه بعد وفاته ، يعني هما مدفونان قرب الرسول أي قريبين منه في مماتهما وقريبين في حياتهما .