محبة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم

محبة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم   

جِذعٌ مُشتاق

بين الضلوع أفئدة متيمة اشتد فيها الشوق وزاد فيها الحنين، وفي العيون الحزينة دموع فاضت بكاءً على مرّ السنين، وها هي النفس هائمةٌ ولهةٌ يُسمع لها أنين، شوقًا وحنينًا لغالٍ حبيبٍ للقلوب، شوقًا وحنينًا لعزيزٍ أنار لنا الدروب، شوقًا وحنينًا للمصطفى الأمين طه المحبوب.

هذا هو حال المشتاق، يؤلمه البعد والفراق، كيف لا وهناك جٍذعٌ اشتاق، ءالمة البعد والفراق، ءالمه بعد حبيبه وفراق عزيزه، فكما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيخطب مستندًا على جذع نخلة، فقيل له: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا، فقال ” إن شئتم “، فصنعوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر فصار ذلك الجذع يئن ويصيح كصياح الصبي حتى سمع من في المسجد صاحه وأنينه، فنزل صلى الله عليه وسلم وضمه إلى صدره فسكن ثم قال له : “اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت ( يعني قبل أن تصير جذعًا ) وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل منك أولياء الله “، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ” اختار أن أغرسه في الجنة ” .

جذع حن لرسول الله، خلق الله فيه الإدراك والمحبة وشوقًا دفاق، جذع أنَّ لفراق رسول الله، فراح يصيح وكأن به قلب خفّاق .

كان الحسن البصري رضي الله عنه إذا حدَّث بهذا يقول : ” يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله شوقاً إلى لقائه فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه “

ولسان الحال يقول :

ويح قوم جفوا نبيًا بأرض         ألفته ضبابها والظباء

وسـلوه وحـن جـذع إليـه           وقـلوه ووده الغربـاء

أخرجوه منها وأواه غـار           وحمته حمامة ورقاء

نعم، فنحن أحق بنا أن نشتاق، فما بال قلوب العباد لاتحن لمن حن له الجماد.

كل مصيبة بعدك تهون يا رسول الله

ورد أن امرأة من الأنصار قُتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أُحد مع رسول الله، فلما قيل لها عن موتهم قالت : وماذا حلَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لها خيرًا هو بحمد الله كما تحبين، فقالت: أرنيه حتى أنظر إليه فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك تهون يا رسول الله .

نعم يا حبيب الله، كل مصيبة بعدك تهون، أنت أحب إلينا من أنفسنا يا رسول الله، فهذا هو زيد بن الدثنة رضي الله عنه لما أخرجوه أهلَ مكة من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان بن حرب : أنشدك الله يا زيد أتحب أنَّ محمدًا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ فقال زيد رضي الله عنه : والله ما أحب إلي أنَّ محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. فإن كان هذا يدل على شىء إنما يدل على شدة حبِّ الصحابة رضوان الله عليهم لنبيهم عليه الصلاة والسلام وتفانيهم في إبعاد الأذى والضّرّ عنه، فلسان حال زيد بن الدثنة أيضًا يقول: كل مصيبة بعدك تهون يا رسول الله.

ولما خالف الرماة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فانكشف المسلمون واندفع المشركون من خلفهم يريدون الوصول إلى رسول الله ليقتلوه، تجلت مظاهر الدفاع والفداء من الصحابة لنبيهم، حيث تحولوا كالسور المنيع حول نبيهم عليه الصلاة والسلام وراحوا يذودون عنه ويحمونه بأجسادهم من المشركين فصاروا يتساقطون الواحد إثر الآخر من السهام حتى قُتل منهم الكثير. فلما انكشف النبي صلى الله عليه وسلم أمام الكفار جاء الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه بين يديه صلى الله عليه وسلم للدفاع عنه فوقف مترسًا أمام رسول الله، فكان النبي يشرف لينظر إلى القوم وأبوطلحة يقول له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. هذا لأن كل مصيبة بعدك تهون يا رسول الله حبًا وعشقًا للقائد الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم وفداءً له عملًا بقوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } الأحزاب : 6

” المرء مع من أحب ”

قاله صلى الله عليه وسلم ” المرء مع من أحب “، معناه : الله تعالى يجمعه يوم القيامة مع أحبابه وينتفع بهم إن كانوا صلحاء، فما أعظم هذه النعمة أن نجتمع بك يا رسول الله يا حبيب الله يا حبيب القلوب وأعز الناس على النفوس، فقد قال أيضًا عليه الصلاة والسلام ” من أحبني كان معي في الجنة”.

ولذلك كان السلف الصالح على ذلك، على حب الله ورسوله ومما ورد عنهم من أقوال وأخبار عن مدى شوقهم وحبهم إليه صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته أن عليًا كرم الله وجهه سُئل يومًا عن حبه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ” كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وءابائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ “.

 قال تعالى : ” قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ” التوبة : 24

وقد أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي ومالي وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء إليك فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيين وإن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تعالى قوله: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا } النساء : 69

وفي حديث ءاخر : أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه لا يطرف ( أي لا يصرف بصره عنه ) فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ” ما بالك ” فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتمتع من النظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله هذه الآية .

وروى مسلم أن ربيعة بن كعب الأسلمي خدم النبي صلى الله عليه وسلم خدمة صغيرة فأحضر له ماء وضوءه إليه، وكان صلى الله عليه وسلم من عادته أن يكافئ مَن أحسنَ مِن حُسن خلقه عليه الصلاة والسلام فقال له: ” سلني ” فقال ربيعة: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال رسول الله : ” أو غير ذلك ” فقال : هو ذاك، فقال صلى الله عليه وسلم: ” فأعني على نفسك بكثرة السجود ” أي بكثرة الصلاة .

 وروي أن بلالًا رضي الله عنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ترك المدينة وتوجه إلى الشام وأقام فيها بعد وفاة رسول الله، وذات ليلة رأى رضي الله عنه رسول الله في المنام يقول له: ” ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما ءان لك أن تزورني ” فانتبه بلال من نومه وركب راحلته وقصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، فأتى مدينة رسول الله وانكب يبكي شوقا إليه صلى الله عليه وسلم ، فأقبل الحسن والحسين سبطا رسول الله فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به، فعلا سطح مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما قال ( الله أكبر ) ارتجت المدينة، فلما قال ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ازدادت رجتها، فلما قال ( أشهد أن محمداً رسول الله ) خرجت العواتق من خدورهن وقُلن أبعث رسول الله، فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكيةً بالمدينة بعد رسول الله من ذلك اليوم. رواه الحافظ تقي الدين السبكي في كتابه شفاء السقام بإسناد جيد.

إن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم المصطفى الأمين، أفضل الخلق والمرسلين، تحن القلوب للقياه، وتشتاق العيون لرؤياه، رزق الله المشتاقين في المنام رؤيته، وجمع المحبين في الجنة بصحبته.

صلى عليك الله يا علم الهدى ماهبت النسائم، وماناحت على الأيك الحمائم، ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لا يذكرونه إلا خشعت قلوبهم واقشعرت جلودهم ودمعت عيونهم شوقًا إليه، فأي إحسان أجل قدرًا من إحسانه إلى جميع المؤمنين فهو الذي أنقذنا من الكفر بإذن الله وهو الذي علمنا توحيد إله الأكوان وبين لنا طريقنا إلى الجنة والنجاة من النيران، وهو شفيعنا يوم الحساب والميزان، فكان منة من الله العزيز الحنان المنان. قال تعالى: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ءال عمران : 164

وقال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } التوبة : 128