محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين

محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سينا محمد طه الأمين وعلى آله وأصحابه الغر الميامين :

وبعد: يقول الله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } التوبة : 128

ليعلم أن دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم المعجزات التي حصلت على يديه ومنها ما وصلنا بالخبر المتواتر، فلو قال شخص: أنا ما رأيت المعجزات، نقول له: بلغنا بطريق التواتر بالخبر المتواتر هذه المعجزات التي حصلت على يد النبي عليه الصلاة والسلام وهذا يدل على صدقه ونبوته عليه السلام، لأن تعريف المعجزة أنها أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة موافق للدعوة سالم من المعارضة بالمثل، أي أن هذا الأمر الخارق يوافق دعوى النبي، فما لم يكن موافقا للدعوى لا يسمى معجزة كالذي حصل لمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة من أنه مسح على وجه رجل أعور فعميت عينه الأخرى، فهذا مناقض لدعواه وليس موافقا، وأما نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد رد عين قَتادة رضي الله عنه بعد انقلاعها يوم بدر فسالت حدقته على وجْنته فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله فقال: ” لا ” فدعا به فغمز حدقته براحته الشريفة فكان لا يدري أي عينيه أصيبت، ومعنى سالم من المعارضة بالمثل: أي لا يستطيع المكذبون أن يفعلوا مثله، فإذا ادعى رجل أنه نبي وقارن دعواه خارق ثم ادعى ءاخر أن المدعي ليس بنبي وأظهر خارقا مثله دل على أن الأول ليس بنبي، وقد تحدى فرعون موسى عليه السلام فجمع فرعون سبعين ساحرا من كبار السحرة الذين عنده، فألقوا حبالهم التي في أيديهم فخُيِّل للناس أنها حيات تسعى، فألقى سيدنا موسى عصاه فانقلب العصا ثعبانا حقيقيا فُتْحَةُ فِيهِ أربعون ذراعا فأكل تلك الحبال التي رماها السحرة، فعرف السحرة أن هذا ليس من قبيل السحر وإنما هو أمر خارق للعادة لا يستطيعون معارضته بالمثل فخروا ساجدين لله وأسلموا وقالوا: ءامنا برب موسى وهارون.

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم معجزة انشقاق القمر ومعجزة نبع الماء الزلال الصافي من بين أصابعه عليه السلام، وتسبيح الطعام في يديه وتسبيح الحصى بين يديه، وإنطاق العجماء وشهادة الذئب وحنين الجذع ومعجزة الإسراء والمعراج، وقيل إن المعجزات التي حصلت في حال حياته بين الألفِ والثلاثةِ ءالافٍ عددا، وأعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم معجزة القرءان الكريم، وكل هذه المعجزات تدل على صدقه عليه الصلاة والسلام.

وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظمَ الأنبياء معجزات، فقد نقل ابن أبي حاتم في كتاب مناقب الشافعي عن الشافعي قال: ” ما أعطى الله شيئا ما أعطى محمدا، فقلت أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطي محمد حنينَ الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك “

وقد قال بعض المادحين:

إن كان موسى سقى الأسباط من حجر

                                          فإن في الكف معنىً ليس في الحجر

إن كان عيسى برى الأعمى بدعوتـه

                                          فكم براحته قـد رد مـن بصـر

روى ابن حبان وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أين تريد ؟ قال: إلى أهلي، فقال له عليه السلام: ” هل لك إلى خير ” فقال الأعرابي: ما هو ؟ فقال: ” تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ” يعني أمره أن يدخل في دين الإسلام، فقال الأعرابي: هل من شاهد على ما تقول ؟ أي ما الدليل على صدقك، فقال عليه السلام له: ” هذه الشجرة ” فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في شاطئ الوادي فأقبلت إلى رسول الله تخد الأرض خدا، جذورها في الأرض وكأنها تفلحها وهي تمشي إلى الرسول المصطفى حتى كانت بين يديه، فاستنطقها عليه السلام فقال لها: ” من أنا ؟ قالت: أنت رسول الله، قال: ” من أنا ؟ قالت: رسول الله، قال: ” من أنا ؟ قالت: رسول الله، فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك محمد رسول الله، ثم أمرها رسول الله فعادت إلى مكانها، فقال الأعرابي: أرجع إلى قومي فإن اتبعوني وإلا رجعت فكنت معك ” شجرة جاءت إلى رسول الله تشهد بصدقه عليه السلام فلا شك أنه صادق وأنه رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وروى البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم كان له في مسجده جذع نخلة يابسٌ مقطوع من دعائم المسجد، وكان عليه السلام إذا أراد أن يخطب بالناس يتكئ عليه، فقالت امرأة يوما: يا رسول الله لي ولد نجار فلو نصنع لك منبرا ؟ فقال: ” إن شئتم ” فصنعوا منبرا له عليه السلام، فلما كان يوم الجمعة صعد على المنبر وترك ذلك الجذع، فسمع صلى الله عليه وسلم ومن كان معه في المسجد صوتا وبكاء وأنينا كأنين الطفل الباكي يصدر من ذلك الجذع، فترك رسول الله المنبر ونزل إلى ذلك الجذع فالتزمه وضمه إلى صدره فسكن الجذع، ثم خاطبه قائلا: ” اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت (يعني قبل أن تصير جذعا) وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل منك أولياء الله “ ثم قال عليه السلام: ” اختارَ أن أغرِسَهُ في الجنة “.

جذع خشبي يبيس ليس من ذوات الأرواح يحن لرسول الله، يئن لفراق النبي عليه السلام، قد خلق الله فيه الإدراكَ والمحبةَ والشوق والحنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلوبنا من لحم ودم فكيف لا تحن إليه، كيف لا نحبه، كيف لا نعشقه، نحب محمدا ونعشق محمدا ونصدق محمدا ونتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فهو الصادق المصدوق.

قال الإمام البيهقي رحمه الله : ” وفي هذا الحديث دلالةٌ على أن الجمادات قد   يخلُقُ الله لها إدراكًا كالحيوانِ بل كأشرَفِ الحيوان، وفيهِ تأييدٌ لقول من يحملُ قوله تعالى في سورة الإسراء “ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) “على ظاهِرِه.        

وكان الحسن البصري رضي الله عنه إذا حدّثَ بهذا الحديث يقول: ” يا معشر المسلمين الخشبةُ تحنُّ إلى رسول الله شوقاً إلى لقائهِ فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إليه “

ولسانُ الحال يقول :

وَيْحَ قَوْمٍ جَفَوا نَبِيًّا بِأرضٍ      ألِفَتْهُ ضِـبابُها والظّـِباءُ

وَسَـلَوْهُ وحَنَّ جِذْعٌ إليـهِ      وَقَـلَـوْهُ ووَدَّهُ الغُرَبـاءُ

أخْرَجـوهُ منها وأواهُ غارٌ      وحـَمَتْهُ حمامَـةٌ وَرْقاءُ

  صلّى عليك الله يا عَلَمَ الهُدى ما هبَّت النَّسائم وما ناحَتْ على الأيْكِ الحمائم

وقد روى الحاكم في المستدرك وابن عَديٍّ وغيرُهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محتفا ببعض أصحابه، فأقبل رجل من الأعراب من بني سُليم وكان قد اصطاد ضبا، والضب نوع من الحيوانات يعيش في الصحراء، جعله في كمه ليعود به إلى أهله لأكله، وفي طريق عودته مر عليهم فسأل: على من هذه الجماعة ؟ فقالوا: على الرجل الذي يزعمون أنه نبي، فشق الأعرابي الجماعة وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد، ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك ولا أبغض منك إليَّ، ولولا أن تسميني العرب عجولا لقتلتك ولسررت الناس بقتلك، فرد النبي على الأعرابي، فرد الأعرابي على النبي مستهزءا به يقول له: وتكلمُني أيضا، واللآت والعزى لا ءامنت بك إلا أن يؤمن بك هذا الضب الميت، ثم خلع الضب الميت من يده وطرحه بين يدي رسول الله محمد وقال: إن ءامن بك هذا الضب الميت ءامنت بك، فقال عليه الصلاة والسلام للضب الميت: ” يا ضب ” فقال الضب: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، بلسان عربي مبين يفهمه جميع الحاضرين، فقال له الرسول: ” ومن تعبد يا ضب ؟ قال: الله الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي الجنة رحمته وفي النار عذابه، فقال له: ” ومن أنا يا ضب ؟ قال: أنت رسول رب العالمين وخاتمُ المرسلين قد أفلحَ من صدقك وقد خاب من كذبك، فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك محمد رسول الله، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبعضُ منك إلي، ووالله لأنت الساعة أحبُّ إلي من نفسي ووالدي وولدي، ولقد ءامنت بسري وعلانيتي وداخلي وخارجي، فقال عليه الصلاة والسلام: ” الحمد لله الذي هداك إلى الدين الذي يعلو ولا يُعلى عليه “.

إلى دين الإسلام، إلى دين كل الأنبياء من لدن ءادم إلى خاتم الأنبياء محمد عليهم الصلاة والسلام، هذا محمد الذي نحبه، هذا محمد الذي نتبعه، هذا محمد الذي نعشقه، هذا محمد الذي نسأل الله شفاعته، هذا محمد الذي نسأل الله أن نراه، أن نرى محمدا في المنام على صورته الأصلية، هذا حبيبنا محمد، هذا قائدنا محمد، هذا عظيمنا محمد، هذا قرة أعيننا محمد، هذا شفيعنا بإذن الله، محمد عليه الصلاة والسلام هو الصادق المصدوق، محمد رسول الله صادق الوعد الأمين الذي يستحيل عليه الكذب، هو الصادق في جميع ما أخبر به وبلغه عن الله تعالى، ودليل صدقه هذه المعجزات التي حصلت على يديه. والله عظم قدر جاه محمد وأناله فضلا لديه عظيما في محكم التنزيل قال لخلقه صلوا عليه وسلموا تسليما.