من معجزات سيدنا سليمان عليه السلام

قال الله تعالى في القرءانِ الكريم (( ووهبنا لدَاوُدَ سليمانَ ، نعمَ العَبْدُ إنه أَوَّاب ))[ص/30]..

قولُه تعالى((أَوَّاب)) معناه مطيعٌ لله تعالى بعثَ الله تعالى سَيِّدَنا سليمانَ بنَ دَاوُدَ بالإسلام كسائرِ الأنبياءِ ورَزَقَهُ الله النُّبُوَّةَ والمُلْكَ فكانَ مُلْكُهُ واسعًا وسلطانُه عظيمًا.

قال الله تعالى في القرءانِ الكريم إخبارًا عن سليمانَ (( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكًا لا ينبغي لأَحَدٍ منْ بعدي إنكَ أنتَ الوَهَّاب ))[ص/35]..

فاستجابَ الله لسيِّدنا سليمانَ وأنعمَ عليه بنِعَمٍ كثيرةٍ كريمة منها إسالةُ النحاسِ المذاب له.

قال الله تعالى (( وَأَسَلْنَا لهُ عَيْنَ القِطْر ))[سبأ/12].

والقِطْرُ : النحاسُ .. فكانَ النحاسُ يَتَدَفَّقُ رَقْراقًا مُذابا لسليمانَ عليه السَّلام من باطنِ الأرضِ منْ عينٍ يقالُ لها عينُ القِطْر وكانَ هذا النحاسُ يَتَدَفَّقُ كَتَدَفُّقِ الماء العذب فيصنعُ منه سليمانُ ما يشاءُ من غَيْرِ نار وكانتْ تلكَ العينُ في بلاد اليمن وكذلكَ مَكَّنَهُ الله منْ أَنْ يَفْهَمَ لغةَ الطَّيْرِ ولغاتِ سائرِ البهائم.

قال الله تعالى (( ووَرِثَ سليمانُ داوُدَ وقالَ يا أيها الناسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وأُوْتِيْنَا منْ كُلِّ شيء إنَّ هذا لَهُوَ الفَضْلُ المبين )) [النمل/16].

ويحسُن أنْ نشيرَ هنا إلى أَنَّ سيِّدَنا سليمانَ وَرِثَ أباه في المُلْكِ والنُّبُوَّةِ وليسَ المرادُ أنه وَرِثَهُ في المال وذلكَ لأنَّ الأنبياءَ لا تُوَرِّثُ ما تَتْرُكُهُ من مال وإنما يُوَزَّعُ مالهُم من بعد موتهِم صَدَقاتٍ على فقراء المسلمينَ ولمصالحهم العامَّة .

وكذلكَ سَخَّرَ الله له الشَّيَاطينَ وسائرَ الجنِّ بحيثُ صاروا يطيعونه ويُنَفِّذُونَ أوامرَه ولقد كانتِ الجنُّ ومَرَدَةُ الشَّياطينِ يغوصونَ له في البحارِ لاستخراجِ الجواهرِ واللآلئ ويعملونَ له الأعمالَ الصَّعْبَةَ الشَّاقَّةَ التي كانَ يَعْجِزُ عنها البشرُ في ذلك الوقت وذلكَ كبناء القُصُورِ العالية والقُدُورِ الضَّخْمَةِ الثَّابتةِ في الأرضِ وقَصَعَاتِ الطَّعامِ التي تُشْبِهُ الأحواضَ الكبيرة ..

قال الله تعالى (( وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يعملُ بينَ يَدَيْهِ بإذنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ منهم عَنْ أمرِنا نُذِقْهُ منْ عذابِ السَّعير يعملونَ له ما يشاءُ مِنْ محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسيات إعملوا ءالَ دَاوُدَ شُكْرًا وقليلٌ مِنْ عباديَ الشَّكُور ))[سبأ/12]..

والقُدُورُ هي الأوعيةُ التي يُطْبَخُ فيها الطَّعامُ وواحدُها قِدْرٌ لقد كانتْ تلكَ القُدُورُ عظيمةً جدًّا راسياتٍ أي ثابتاتٍ في الأرضِ لا تزولُ عن أمكنتها لعِظَمِهَا .. وأَمَّا الجَفْنَةُ فهي قَصْعَةُ الطَّعامِ الكبيرةُ والجمعُ جفان بكسر الجيم .. وأمَّا الجابيةُ فهيَ الحوضُ الذي يُجْبَى فيه الماءُ للإبلِ أي يُجْمَعُ . وجمعُ الجابيةِ الجوابي .. ومحاريبُ بني إسرائيلَ: مساجدُهم .

وكانَ سليمانُ يُقَيِّدُ في القيودِ مَنْ يخرجُ من الجنِّ عن طاعتهِ ليَكُفَّ شَرَّهُمْ عن النَّاس.

قال الله تعالى (( والشَّيَاطينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاص . وءاخَرِينَ مُقَرَّنينَ في الأصفاد ))[ص/37/38].. والأصفادُ هي القيود ..

وأمَّا قولُه تعالى (( وَمَنْ يَزِغْ منهم عن أمرِنا نُذِقْهُ منْ عذابِ السَّعير ))[سبأ/12]،

فقد قال الطَّبَرِيُّ في (تفسيرِه) :” أَيْ وَمَنْ يَعْدِلْ من الجنِّ عن طاعةِ سليمانَ نُذِقْهُ منْ عذابِ السَّعيرِ في الآخرةِ وذلكَ عذابُ نارِ جَهَنَّمَ المُوقَدَة ” ..

ووافقهُ القُرطُبيُّ في (تفسيرِه) وقال :” إنَّ أكثرَ المفسِّرين على هذا ” .

وممَّا سَخَّرَ الله لسليمانَ أيضًا الرِّيحُ فقد كانتِ الرِّيحُ تأخُذُ نبيَّ الله سليمانَ إلى حيثُ يشاء بإذن الله على بساطٍ عجيب فما قِصَّةُ بساطِ الرِّيحِ هذا ؟؟..

حُكِيَ أَنَّ الجِنَّ المُسَخَّرِينَ تحتَ إمْرَةِ سَيِّدِنا سليمانَ صَنَعُوا له بساطًا واسعًا جدًّا منْ خَشَبٍ مُكَلَّلٍ بالذَّهَبِ والحريرِ بحيثُ صارَ يَسَعُ جميعَ ما يحتاجُ إليه من الدُّورِ المبنيَّة والخيامِ والأمتعةِ والرِّجالِ والخيولِ والجمالِ والأثقالِ والطُّيورِ وغيرِ ذلك وَوُضِعَ لسَيِّدِنا سليمانَ في وَسَطِ البساطِ مِنْبَرٌ منْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عليه وحَوْلَهُ كراسٍ من ذَهَبٍ يَقْعُدُ عليها الأولياءُ وكراسٍ من فِضَّةٍ يَقْعُدُ عليها العلماء وحولهم النَّاسُ وحَوْلَ النَّاسِ الجنُّ والشَّياطينُ والطَّيْرُ تُظِلُّهُ وتحميهِ من أشعَّةِ الشَّمْس.

وكانَ سليمانُ عليه الصَّلاة والسَّلامُ كثيرَ الغزوِ لمحاربةِ الكُفَّارِ ونشرِ الإسلام فكانَ إذا أرادَ سَفَرًا أو قتالَ أعداء في أيِّ بلدٍ حَمَلَ كُلَّ ما يحتاجُ إليه على هذا البساطِ وأمَرَ ريحًا مخصوصةً بأنْ تدخلَ تحتَه فكانتِ الرِّيحُ إذا دخلتْ رَفَعَتْهُ حتَّى إذا صارَ بينَ السَّماء والأرضِ أَمَرَهَا أن تكونَ رُخَاءً أَيْ لَيِّنَةً كالنسيم فتسيرُ به كما يشاءُ لأنَّ الله تعالى جَعَلَ هذه الرِّيحَ طائعةً له ومنقادةً لأوامرِه فإن أرادها أن تُسْرِعَ أَسْرَعَتْ حتَّى تَكُونَ كالعاصفةِ فتضعُه في أيِّ مكان شاء ..

قال الله تعالى (( فَسَخَّرْنا له الرِّيحَ تجرِي بأمرِه رُخاءً حيثُ أصاب )) [ص/36]..

وقال أيضًا ((ولسليمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تجرِي بأمرِه إلى الأرضِ التي باركنا فيها وكُنَّا بكُلِّ شيء عالمين)) [الأنبياء/81]..

والمعنى أنَّ الله سَخَّرَ لعبدِه سليمانَ الرِّيحَ شَديدَةَ الهبوب تجرِي بأمرِ سليمانَ فتسيرُ به إلى حيثُ شاء ثمَّ تعودُ بهِ إلى منزلهِ بالشَّام .

وقال الله تعالى ((ولسليمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَوَاحُهَا شَهْرٌ)) [سبأ/12].. أي أنها تقطعُ به أَوَّلَ النهار وبزمنٍ قصيرٍ مسافةً طويلةً قدرُها مسيرةُ شَهْرٍ ثمَّ تَرُدُّهُ بعدَ الظُّهْرِ تلكَ المسافةَ نفسَها إلى حيثُ كان وبزمنٍ قصيرٍ أيضًا وقيل: إنه كانَ يقطعُ مسافةَ شَهْرٍ في وقتٍ قصيرٍ لا يتَعَدَّى خمسَ ساعات.

وكانت تَدْمُرُ الواقعةُ في الشَّمالِ الشَّرْقِيِّ من دمشقَ مُسْتَقَرَّ مُلْكِ نبيِّ الله سليمان وهي مدينةٌ بناها له الجنُّ من الحجارةِ الضَّخْمَةِ العريضةِ والأعمدةِ العاليةِ والرُّخامِ الأبيضِ والأصفر.

وفي صباحِ أحدِ الأيَّام خَرَجَ سليمانُ من تَدْمُرَ يَقْصِدُ إصْطَخْرَ وهيَ منْ أكْبَرِ مُدُن فارس وفي إصْطَخْرَ مسجدٌ يُعْرَفُ بمسجدِ سليمان وتبعدُ إصْطَخْرُ عن تَدْمُرَ مسيرةَ شَهْرٍ فَوَصَلَ إلى إصْطَخْرَ ظُهْرًا ثمَّ انطلق سليمانُ من مسجد سليمانَ الذي في إصْطَخْرَ إلى كابُل في أرضِ خُراسان والتي تُعْرَفُ اليومَ بأرضِ أفغانستان وتبعُد كابُل عن إصْطَخْرَ مسيرةَ شَهْرٍ أيضًا فباتَ فيها ثمَّ عادَ صباحًا إلى تَدْمُرَ فوَصَلَهَا ظُهْرًا.

ومن دلائلِ هذه الرِّحلاتِ التي كان يقومُ بها سليمانُ ما وُجِـدَ في منزلٍ قُرْبَ نهرِ دجلةَ حَيْثُ عُثِرَ على لَوْحَةٍ كَتَبَ فيها أحدُ أصحابِ سيِّدنا سليمانَ :” نحنُ نزلناهُ وما بنيناهُ ومبنيًّا وجدناهُ خرجنا صباحًا منْ إصْطَخْرَ فوصلناهُ ظهرًا ونحنُ ذاهبونَ منه إنْ شاء الله تعالى فبائتونَ في الشَّام”.

وممَّا رُوِيَ كما يروي أبو نعيم في الحلية في تَرْحَالِ سليمانَ كذلكَ أنه رَكِبَ مَرَّةً البساطَ وسارَ فَمَرَّ فوقَ فَلَّاحٍ يحْرُثُ أرضَه فنظَر الفَلَّاحُ نحوَ سليمانَ عليه الصَّلاة والسَّلام وقال :” لقد أُوْتيَ ءالُ دَاوُدَ مُلْكًا عَظيمًا ” فحملتِ الرِّيحُ كلامَه فألقتْه في أُذُنِ سليمانَ فنزَل عليه السَّلام حتَّى وَصَلَ إلى الفَلَّاحِ فقال له :” إني سمعتُ قولَك وإنما مَشَيْتُ إليكَ لِئَلَّا تتمنَّى ما لا تَقْدِرُ عليه لَتسبيحةٌ واحدَةٌ يقبلُها الله منكَ خَيْرٌ لكَ من الدُّنيا وما فيهل”.

فقال الفلَّاح :” أذهبَ الله هَمَّكَ كما أذهبتَ هَمِّي”.

وذلكَ أَنَّ نبيَّ الله سليمانَ عليه السَّلام لم يَكُنْ مُتَعَلِّقَ القلبِ بالرَّفَاهِيَةِ والتَّنَعُّم بل كانَ زاهدًا في الدُّنيا يأكُلُ خُبْزَ الشَّعيرِ على الرُّغْمِ منْ سَعَةِ مُلْكهِ وَعِظَمِ ما بينَ يَدَيْهِ من الأموال وإنما كانَ يستغلُّ ما أكرمهُ الله به لنشرِ الإسلامِ وإظهارِ هيبةِ هذا الدِّينِ العظيم.

وكانَ كُلَّ يومٍ يذبحُ مِائةَ ألفِ رأسٍ من الغَنَمِ وثلاثينَ ألفَ رأسٍ من البقرِ ويُطْعِمُهَا للنَّاسِ وهو يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعيرِ ويَأْتَدِمُ باللَّبنِ الحَامِضِ ويُطْعِمُ النَّاسَ نَقِيَّ القَمْح.