بابُ ماَ جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

بابُ ماَ جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

الحمدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعدُ، فإنَّ المُرادَ بالعَيْشِ هنا الطَّعَامُ الَّذِي يُعَاشُ بهِ.

قالَ الغَزَاليُّ إنَّهُ لا طَريقَ للنعيمِ الأبديِّ إلا بالعلمِ والعَمَلِ ولا تَحصُلُ المُواظَبَةُ عليهِمَا إلا بِسلامَةِ البَدَنِ ولا تَصفُو سلامَةُ البَدَنِ إلا بِتَنَاوُلِ مِقدَارِ الحَاجَةِ مِنَ الطَّعامِ على تكرُّرِ الأوقاتِ ومَن أَكَلَ لِيَتَقَوَّى على الطَّاعَةِ فلا ينبَغِي أن يَخرُجَ عنِ المِقدَارِ الَّذِي يَكفيهِ لذلكَ إلى الاسترسالِ فيهِ استِرسالَ البَهائِمِ فِي المَرْعَى فإنما هُوَ درجةٌ إلى غيرهِ ولا تَظْهَرُ أنوارُ أهلِ الدَّرَجَاتِ الدينيَّةِ على العَبْدِ إلا إذا وزَنَ شَهْوَةَ الطَّعامِ والشَّرابِ بميزانِ الشَّرعِ إقدامًا وإحجَامًا. وخيرُ قُدْوَةٍ فِي ذلكَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

72ـ عن محمد بن سيرين قال كُنَّا عِنْدَ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَشَّقَانِ مِنْ كَتَّانٍ فَتَمَخَّطَ فِي أحَدِهِمَا فَقَالَ بَخٍ بَخٍ يَتَمَخَّطُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِى الْكَتَّانِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّى لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَيَجِىءُ الْجَائِى فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِى يُرَى أَنَّ بِي جُنُونًا وَمَا بِي جُنُونٌ ومَا هُوَ إِلاَّ مِنْ جُوعٍ.

رواهُ التِرمِذِيُّ فِي الجامِعِ والبُخارِيُّ وغيرُهُما.

أبو هُرَيْرَةَ كانَ يَلبسُ ثوبانِ مُمَشَّقَانِ أي مَصبُوغانِ بِالمَشقِ أي الطِّينِ الأحمرِ وكانَ الثَوْبانِ مِن كَتَّانٍ فتَمَخَّطَ فِي أحَدِهِمَا فقالَ بَخٍ بَخٍ -ويقال هذا عندَ المَدْحِ لشئْ وإظهار الرضَى بهِ ومعناهُ تَعظِيمُ الأمرِ وتَفْخِيمُهُ والتَكرارُ للمُبالَغَةِ- يَتَمَخَّطُ أبو هُرَيْرَةَ فِي الكَتَّانِ أي يقول هذا حالي الآن أمتَخِطُ فِي الكَتَّان وتذكَّرَ حالهُ عندما كانَ يَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًّا عَلَيهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ رضي الله عنهُ.

حتى أحيانًا عندما كانَ يحصُلُ معه هذا يأتي بعضُ النَّاسِ فَيَضَعُ رِجلَهُ على عُنُقِهِ يظُنُّهُ مَجْنُونًا ومَا بهِ رضي الله عنه إلا الجوع ، فصارَ يُفَكِّرُ أنَّهُ الآن يَمتَخِطُ بِالكَتَّان صارَ يُفَكِّرُ بِتَغَيُّرِ حالِهِ.

وهذا يدُلُّ على صُعوبَةِ المَعِيشَةِ أيامَ رسول الله عليه الصلاة والسلام.

  1. عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئِتُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ.

رواهُ التِرمِذِيُّ فِي الجامِعِ وقال حسنٌ صَحِيحٌ.

إنَّ النُّعْمَانَ بنَ بَشيرٍ يقولُ ألستُم تَجِدُونَ مَقْدَارَ ما تُرِيدونَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ مُتَنَعِّمِينَ فِي ذلكَ ومُتَوَسِّعِين .

ثُمَّ قالَ إنَّهُ رأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ وهو رَدِئُ التَّمْرِ مَا يَملَأُ بهِ بَطْنَهُ، وعندَ مسلمٍ يظَلُّ يَلتَوِى وما يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يملأُ بطنهُ عليه الصلاة والسلام.

  1. عَن جعفرِ بنِ سليمانَ الضُّبَعِيُّ عَن مَالِكِ بنِ دِينارٍ قالَ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ خُبْزٍ قَطُّ  وَ لا مِن لَحمٍ إِلاَّ عَلى ضَفَفٍ. قالَ مَالِكٌ سَألتُ رَجُلًا مِن أهلِ البِادِيَةِ مَا الضَّفَفُ قالَ أَن يَتَنَاوَلَ مَعَ النَّاسِ.

رواهُ أحمدُ وأبو الشَّيْخ وأبو يَعلى وغيرُهُم.

ومعنى هذا الحديث أنَّ الرسول عليهِ الصلاة والسلام كانَ يَنزِلُ به الضَّيْفُ فَيُقَدَّمُ الطَّعامُ للضَّيف فَيَأكُلُ مَعَ الضَّيف وإلا ما شَبِعَ عليه الصلاة والسلام من خُبزٍ ولا من لَحمٍ.

قالَ ابنُ حَجَرٍ المَكِّيُّ والاستثناءُ مُنقَطِعٌ فإنَّ أكَلَهُ مع النَّاسِ يستَلزِمُ عدَمَ الشِّبَعِ لِمَا عُلِمَ مِن إيثارِهِ أصحابَهُ.

  1. عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ نَمكُثُ شَهْرًا مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ إِنْ هُوَ إِلا الْمَاءُ وَ التَّمْرُ.

رواهُ التِرمِذِيُّ فِي الجَامِعِ والشَّيْخَانِ وغيرُهُمَا.

قَالت عَائِشَةُ رضي الله عنها إنَّ ءَالَ مُحَمَّدٍ وَهُذا يَشمَلُهُ صلى الله عليه وسلم بالأولى كانُوا يَمكُثُونَ شَهْرًا لا يُوقِدُونَ النَّارَ فِي بَيْتِهِم إن هُوَ إلا الماءُ والتَّمرُ أي إنَّ مأكولَهُم الماءُ والتَّمْرُ.

  1. عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْجُوعَ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ.

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ أنَّ أَحَدُهُمْ كَانَ يَشُدُّ فِي بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجَهْدِ وَالضَّعْفِ الَّذِي بِهِ مِنَ الْجُوعِ.

رواهُ التِرمِذِيُّ وقالً غريبٌ.

كانت مِن عادَةِ العَرَبِ إذا خَلَتْ أجوافُهُم مِنَ الطَّعامِ أن يَشُدُّوا الحَجَرَ على بُطُونِهِم لئلَّا تَستَرخِيَ أمعاؤُهُم فَتَثقُلَ عليهِمُ الحركة إذ ربطُ الحَجَرِ يَشُدُّ البطنَ والظَّهرَ فتسْهُلُ عليهِمُ الحركة ويَحفَظُ الصُّلْبَ قائِمًا.

فهذا أبو طلحَةَ قالَ إنَّهم شَكَوا إلى النَّبِيِّ الجُوعَ فَكَشَفُوا عن بُطُونِهِم ليرى النَّبِيُّ الحَجَرَ مَشدُودًا على بطنِ كلِّ واحِدٍ مِنهُم بيانًا لِشِّدَّةِ جُوعِهِم، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ وذلك لمواساتِهِم، ومعناهُ الذي بي أشَدُّ مِمَّا بِكُم.

  1. عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَاعَةٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا وَلا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ قَالَ خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ قَالَ الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيّهَانِ الأَنْصَارِيِّ وَكَانَ رَجُلا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَالُوا لامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ فَقَالَتِ انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ سِمَاطًا ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَفَلا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخَيَّرُوا أَوْ َتَخْتَارُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ مِنِ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طَيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا أَوْ جَدْيًا فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَلْ لَكَ خَادِمٌ قَالَ لا قَالَ فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا فَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اخْتَرْ مِنْهُمَا فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللهِ اخْتَرْ لِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلا أَنْ تَعْتِقَهُ فَقَالَ فَهُوَ عَتِيقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلا خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لا تَأْلُوهُ خَبَالا وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ.

رواهُ التِرمِذِيُّ فِي الجَامِعِ عن البُخَارِيّ وقالَ حسنٌ صَحيحٌ غريبٌ، ورواهُ مُسلِمٌ وابنُ ماجه والبُخارِيُّ فِي الأدبِ المُفرَدِ وإبراهيمُ الحَربِيُّ فِي إكرامِ الضَّيْف.

فقولُ أبي هريرةَ رضي الله عنهُ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فِي سَاعَةٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا وَلا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ وكأنَّهُ خرج في الليل كما يُشيرُ إلى ذلك بعضُ الروايات، فإنَّ فِي السِّياقِ ما يُشيرُ إلى أنَّ خُروجَهُ عليه الصلاة والسلامُ فِي تِلكَ السَّاعَةِ كانَ مِنَ الجَهْدِ بمعنى المشقَّةِ مِنَ الجُوعِ.

وعلى خلافِ العادة أتاهُ أبو بكرٍ رضي الله عنهُ فسألهُ النَّبِيُّ ما جاءَ بك يَا أَبَا بَكْرٍ فقال أريدُ لقاءَ النَّبِيِّ والنَّظَرَ في وجههِ والتسليمَ عليه، ثمَّ جاءَ عمَرُ فسألهُ النَّبِيُّ مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ فقالَ عمرٌ الجوعُ يا رسول الله، فقال رسول الله وأنا قد وَجَدتُ بعضَ ذلك أي أنّهُ وجدَ بعضَ الجوعِ كذلِكَ.

ثمَّ انطلقوا إلى منزِلِ الهَيثَمِ بنِ التَّيّهَانِ وَكَانَ رَجُلا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ من يخدِمُهُ فكانَ يقضِي حاجَاتهِ وحاجاتِ أهلِهِ بنفسِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَالُوا لامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ فَقَالَتِ انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاء أي ليأتينا بماءٍ عذبٍ مِن بِئرٍ مِنَ الآبارِ، فَجَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ مُمتَلِئَةٍ يَزْعَبُهَا أي يتدافَعُ بها ويَحمِلُهَا لِثِقَلِهَا فَوَضَعَهَا فَلَمَّا رأى رسولَ الله جَاءَ وعانَقَهُ وَيَقُولُ له فداكَ أبِي وَأُمِّي.

ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى بُستَانٍ لهُ فَبَسَطَ لَهُمْ سِمَاطًا ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ أي بِغُصنٍ مِنَ النَّخلَةِ فيهِ بُسْرٌ ورُطَبٌ وتمرٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَفَلا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ أي لو أنَّكَ أتيتَ بالرُّطَبِ من غيرِ أن تأتيَ بِالغُصنِ كلِّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ َتَخْتَارُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ما تَشتَهُونَ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ.

فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا أرادَ أن يَذبَحَ شيئًا فَقَالَ لهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ وهي التي تُدِرُّ اللَبَنَ ولو كانت بالمُستَقبَلِ سَتَدُرُّ بأن كانت حاملا، فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا وهي أنثى المَعزِ لها أربعة أشهُرٍ أَوْ جَدْيًا وهو ذكَرُ المَعزِ لم يَبلُغ سنةً فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُوا.

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَلْ لَكَ خَادِمٌ قَالَ لا قَالَ فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا لنُعطيك من السَّبْيِ، فإنَّ النَّبِيَّ كانَ يُحِبُّ أن يُكَافئَ على الهديةِ ونحوها وفيه الإحسانُ إلى المُضيفِ ولو بالوعدِ.

فَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَأْسَيْنِ فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ لهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اخْتَرْ مِنْهُمَا فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللهِ اخْتَرْ لِي وهذا من حسنِ عَقلِهِ لأنَّ اختيارَ النَّبِيِّ له أحسنُ من اختيارهِ لنفسِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ أي إنَّ المُستَشارَ أمينٌ يَلزَمُهُ رِعايةُ حالِ المُستَشِيرِ خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي والعَبدُ بدايةً يأتي من الكفار ومعنى ذلك أنَّ هذا أسلمَ لأنَّهُ رآه يصلي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا.

 فَانْطَلَقَ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلا أَنْ تَعْتِقَهُ فَقَالَ فَهُوَ عَتِيقٌ، فأخبرَ أبو الهيثمِ النَّبِيَّ بما قالت امرأتهُ وبما فعلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلا خَلِيفَةً إِلا وَلَهُ بِطَانَتَانِ أي النَّاس الذين يُستشارونَ، وبطانةُ الرَّجُلِ صاحبُ سِرِّهِ وداخِلَةُ أمرِهِ الذي يُطلِعُهُ على خفايا أحوالِهِ ويستَشِيرُهُ في أحوالِهِ كلِّها ثِقَةً بهِ تشبيهًا لهُ بِبِطَانَةِ الثوب، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لا تَأْلُوهُ خَبَالا  أي لا تُقَصِّرُ في دعوتهِ للفسادِ وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ. فأرادَ النَّبِيُّ أنَّ أمَّ الهيثم من هذه البِطَانّة التي تُشيرُ بالخيرِ.

  1. عَن قَيسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ قال سَمِعتُ سَعدَ ابنَ أبِي وَقَّاصٍ يقولُ إنِّي لأَوْلُ رَجُلٍ أَهْرَاقَ دَمًا فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجلَّ وَإِنِّي لأَوْلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللهِ لقَدْ رَأَيْتُنِي أغْزُوا فِي الْعِصَابَةَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام مَا نَأكُلْ إلاَّ وَرَقَ الشَجَرِ وَالْحُبْلَةِ حتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ أوِ البَعِيرُ وَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِى فِي الدِّينِ لَقَدْ خِبْتُ إذًا وَضَلَّ عَمَلِي.

رواهُ التِرمِذِيُّ ورواهُ الشَّيْخَانِ وغيرُهُا .

أولُ من أهراقَ دمًا في سَبِيلِ الله هو سعدُ بنُ أبِي وقَّاصٍ رضى الله عنهُ، فمرةً حصَلَ تَشَاجٌرٌ بينَ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ فِي ابتِدَاءِ الدَّعوَةِ فضَرَبَ سعدٌ مُشرِكًا فَشَجَّهُ، وأيضًا كانَ راميًا فكانَ أوَّلَ مَن رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ.

عندما كانَ المُسلِمونَ في غزوةِ الخبطِ سنة ثمانٍ وكانوا ثلاثمائةٍ زودهم عليه الصلاة والسلام  جِرابًا من تَمرٍ فكانَ أميرُهُم أبو عبيدة يُعطيهم حفنةً خفنةً ثُمَّ قَلَّلَ ذلك إلى أن صارَ يُعطيهِم تمرةً تمرةً ثُمَّ فنِيَ التَمرُ فأكَلوا الخَبَطَ ثُمَّ ألقى إليهِمُ البَحرُ دابَّةَ العَنبَر فأقاموا عليها شَهرًا حتَّى سَمِنُوا.  فكانوا لا يأكلونَ إلا ورقَ الشَّجَرِ والحُبلَة وهو ثمَرٌ يَشبِهُ اللوبياء. وقال حتَّى َإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ أوِ البَعير أي منَ البعر لِيُبسِهِ وعدمِ إلفِ المعِدَةِ لهُ.

وقصة الحديث أنَّ سيدنا عمر عندما ولَّى سعدبن أبي وقاصٍ على الكوفة جاءَ بعض أهل الكوفةِ من بني أسد وقالوا لسيدنا عمر إنَّ سعدا لا يُحسِنُ أن يُصَلِّي وهم كذَّابون، فلمَّا سَمِعَ سعد هذا قال أنا حالي كذا وكذا وهو ما مرَّ في الحَدِيثِ ، فقال وبعدَ هذا الآن بنو أسدٍ يعاتبونني في أمر الدين وأنني لا أعرف كيف الصلاة.

وإن كنت أنا لا أعرفُ أن أصلِّي إذًا خِبتُ وخَسِرتُ فقد ضيَّعتُ أوقاتي مع رسول الله ولم أُحسِن الاستفادة منهُ بناء على كلامهم .

  1. عَنْ خَالِدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَشُوَيْسٍ أَبَي الرُّقَادِ قَالَا بَعَثَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ وقَالَ انطَلِقْ أنتَ وَمَن مَعَكَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى بِلادِ العَرَبِ وأَدنَى بِلادِ العَجَمِ فَأقبِلُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِالمِرْبَدِ وَجَدُوا هَذَا الكَذَّانَ فَقالُوا مَا هَذِهِ قَالُوا هَذِهِ البَصْرَةُ فَسَارُوا حَتَّى إذَا بَلَغُوا حِيَالَ الجِسرِ الصَّغِيرِ فَقَالُوا هَهُنَا أُمِرْتُم فَنَزَلُوا فَذَكَرُوا الحَدِيثَ بِطُولِهِ قالَ فَقَالَ عُتْبَةُ بنُ غَزوَانَ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَسَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقَ الشَّجَرِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَقَسَمْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ فَمَا مِنَّا مِن أُولَئِكَ السَّبْعَةِ أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ وَسَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدَي.

أخرجَهُ التِرمِذِيُّ في جامِعِهِ ورواهُ مُسلِم والحَاكِمْ وغيرُهُما.

هذا عُتبَةُ بنُ غَزوَان هُوَ اختَطَّ البَصرَة وهو مِن قُدَمَاءِ الصَّحابةِ ومِمَّن هاجَرَ إلى الحَبَشَة رضي الله عنهُ، بعَثَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وقالَ لهُ انطَلِقْ أنتَ وَمَن مَعَكَ حَتَّى تَصِلوا إلى أَقْصَى بِلادِ العَرَبِ وأولِ بِلادِ العَجَمِ ورابِطُوا هُناك، فتَوَجَّهوا حتى وصلوا مِربَدَ البَصرَةِ وَوَجَدُوا الكَذَّان وهي حجارةٌ بيضاءُ رخوة واسمها البَصرَةُ ، هي هذه الحجارة فما كانت بنيت المدينة بعد ولهذا سميت البَصرَةُ بهذا الاسم .

ثمَّ ساروا حتى وصلوا مقابِل جِسرٍ صغيرٍ على نهر دِجلَةَ فقالوا ههنا أمِرتُم بالإقامة أي هذا هو المكان الذي أراد عمر بن الخطَّاب أن ننزِلَ فيه.

قال عُتبةُ بن غزوان رأَيتُني وكان الذين أسلموا مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم سبعةً فقط أنا كنتُ سابِعَهُم مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا والتقرُّحُ هو تَجرُّحُ جوانب الفم، قال فالْتَقَطْتُ بُرْدَةً  أي عثرت عليها من غير قصدٍ فَقَسَمْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ هو اتَّزَرَ بقسم وأنا بالقسم الثاني

قال عُتبةُ فَمَا مِنَّا مِن أُولَئِكَ السَّبْعَةِ أَحَدٌ ونحن الذين كُنَّا في هذا الضيق نأكلُ أوراقَ الشَّجَرِ والآن كلُّ واحد من هؤلاء السبعةَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ

 ثم قال وَسَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدَي أي قال لهم ما يعرفهُ من أنَّ الأمر سَيَسوء أي سَيَأتيكُم أمراء سترونَ ما لا يُعجِبُ منهُم لن يكونوا مثل صحابة النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في الدِّيانة والعدلِ والإعراض عن الدُنيا.

  1. عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَاريهِ إِبِطُ بِلالٍ.

رواهُ التِرمِذِيُّ في جَامِعِهِ عن الدَّارِمِيُّ وقال حسنٌ صحيحٌ.

ومعنى الحديث أنّهُ حينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم من مَكَّةَ ومعهُ بلالٌ لم يكُن معَ بلالٍ مِنَ الطَّعامِ إلا ما يحمِلُ تحتَ إبِطِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ أي في ابتداءِ إظهار الدين كنت وحيدًا فخَوَّفَنِي وءاذاني الكفَّار في دين الله وحدي ولا يوجد أحد غيري يُخيفُهُ الكُفَّار ويُؤذوه.

ثمَّ قالَ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَاريهِ إِبِطُ بِلالٍ

أي من قِلَّتِهِ لو أرادَ بلالٌ إخفائهُ لوضَعَهُ تحتَ إبِطِهِ.

  1. عَن قَتَادَة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ غَدَاءٌ وَلا عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلا عَلَى ضَفَفٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ كَثْرَةُ الأَيْدِي.

أخرَجَهُ أحمد وأبو يَعلى وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ.

أي لم يَجتَمِع عندهُ عليه الصلاة السلام لحمٌ وخُبزٌ معا لا على غداءٍ ولا عشاء، إلا إذا جاءَ ضيفٌ فأكل مع الضيف.

  1. عَنْ نَوْفَلِ بْنِ إِيَاسٍ الْهُذَلِيِّ قَال كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لَنَا جَلِيسًا وَكَانَ نِعْمَ الْجَلِيسُ وَإِنَّهُ انْقَلَبَ بِنَا ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا دَخَلْنَا بَيْتَهُ وَدَخَلَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَأُتِيْنَا بِصَحْفَةٍ فِيهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ فَلَمَّا وُضِعَتْ بَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ هَلكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ فَلا أُرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا.

رواهُ ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقاتِ وأبو نُعيمٍ في الحِلية وأبو الشَّيْخ فِي أخلاق النَّبِيِّ والبزَّار.

أي فلا أرى أننا أُخِرنا إلى حالٍ خيرٍ مما كنا عليه.