قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا

– قال تعالى: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) )) [سورة المجادلة]

 

ليعلم أن معنى قوله تعالى في هذه الآية (تجادلك) أي تراجعك لتفهم وتعرف وتتعلم وليس معناه تناقشك وترد كلامك أو تعاندك، بل هنا المجادلة بمعنى المراجعة لتفهم وتستوضح وتستعلم حكم المسألة.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «قال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت. والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما. وشكى واشتكى بمعنى واحد.

وقرئ «تحاورك «أي: تراجعك الكلام وتجادلك أي: تسائلك» اهـ.

وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)) الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصّامت، وكانت حسنة الجسم وكان به لممٌ فأرادها فأبت، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمّي، ثمّ ندم على ما قال. وكان الظّهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهليّة. فقال لها: ما أظنّك إلّا قد حرمت عليّ. فقالت: والله ما ذاك طلاقٌ، وأتت رسول الله ﷺ وعائشة رضي الله عنها تغسل شقّ رأسه – فقالت: يا رسول الله إنّ زوجي أوس بن الصّامت تزوّجني وأنا شابّةٌ غنيّةٌ ذات مالٍ وأهلٍ حتّى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرّق أهلي وكبر سنّي ظاهر منّي، وقد ندم، فهل من شىء يجمعني وإيّاه تنعشني به؟ فقال رسول الله ﷺ: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والّذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا وإنّه أبو ولدي وأحبّ النّاس إليّ، فقال رسول الله ﷺ: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. فقال رسول الله ﷺ: ما أراك إلّا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشىءٍ، فجعلت تراجع رسول الله ﷺ، وإذا قال لها رسول الله ﷺ: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدّة حالي وإنّ لي صبيةً صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السّماء وتقول: اللهمّ إنّي أشكو إليك، اللهمّ فأنزل على لسان نبيّك، وكان هذا أوّل ظهارٍ في الإسلام.

فقامت عائشة تغسل شقّ رأسه الآخر. فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبيّ الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله ﷺ؟ – وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السّبات – فلمّا قضي الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله ﷺ: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك)) الآيات.

 

قالت عائشة: تبارك الّذي وسع سمعه الأصوات كلّها -سمع الله أزلي أبدي ليس كسمع المخلوقين ليس بأذن أو آلة أخرى- إنّ المرأة لتحاور رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى عليّ بعضه إذ أنزل الله: ((قَدْ سَمِعَ)) الآيات.

 

ومعنى قوله: ((قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ )) وتحاورك وتراجعك في زوجها ((وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)) مراجعتكما الكلام ((إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ )) سميعٌ لما تناجيه وتتضرّع إليه، بصيرٌ بمن يشكو إليه اهــ.

 

وقال الطبري في تفسيره ما نصه: «إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه» اهـ.