قصة ناقة سيدنا صالح

ثمودُ هُمْ قومُ سيِّدنا صالحٍ الذي أرسله الله تعالى بالهدَى والحقِّ مُعَلِّمًا دينَ الإسلام كَكُلِّ الأنبياء ولقد أيَّد الله نبيَّه صالحًا بالمعجزات الباهرات دلالةً على صدق نبوَّته عليه الصَّلاةُ والسَّلام .

ولقد توجَّه يومًا إلى قومه قائلًا :” يا قوم إنْ أَحيى الله هذا المَيْتَ بدعائي أتؤمنونَ بي وبإلهي وتتركونَ أصنامَكم ؟؟” .. قالوا :” نعم”.

فجاء سيِّدُنا صَالِحٌ إلى المَيْتِ ودعا رَبَّهُ ثمَّ نادَى المَيْتَ باسمه فقام المَيْتُ بإذن الله وهو يقول :” لَبَّيْكَ يا نبيَّ الله لا إله إلَّا الله صالح رسولُ الله”.

فآمنَ به بعضُ النَّاسِ ولم يَزْدَدِ الباقونَ إلَّا كُفْرًا .

وفي يومٍ قال مَلِكُهُمْ لسيِّدنا صالح :” أخرجْ لنا من هذه الصَّخرة ناقةً لنؤمنَ بك”.

ثمَّ قالوا :” نريدُها ناقةً ذاتَ لحمٍ ودمٍ ونريدُ أنْ تكونَ شقراءَ ولها ضَرْعٌ كبيرٌ يفوقُ الجِرارَ الكبيرةَ ويَدُرُّ لبنًا أحلى من العسلِ باردًا في الصَّيف حارًّا في الشِّتاء ونريدُ أنْ يكونَ هذا اللَّبَنُ لا يشربُه مريضٌ إلَّا عُوفِيَ ولا فقيرٌ إلَّا صارَ غنيًّا وزيادةً على ذلكَ نريدُها حاملًا فتضعُ ابنَها ونحنُ ننظرُ إليها ” ..

فقام سيِّدُنا صالح وصلَّى رَكْعَتَيْنِ لله تعالى ودعا رَبَّه عزَّ وجلَّ طالبًا النصرةَ والتأييدَ فاضطربتِ الصَّخرةُ وتفجَّر من أصولها الماءُ والقومُ واقفون ينظرون فسمعوا دَوِيًّا كَدَوِيِّ الرَّعْدِ ثمَّ تقدَّم صالح عليه السَّلام إلى الصَّخرة وضَرَبهَا بعصًا كانتْ بيده .. فتَحَرَّكَتْ .. ثمَّ خرجَ رأسُ النَّاقة منها ثمَّ وَثَبَتْ من جوفها ووَقَفَتْ بينَ يدَي المَلِكِ وقومهِ وهي أحسنُ ممَّا وَصَفُوا مناديةً :” لا إله إلَّا الله صالح رسولُ الله ” ..

ثمَّ أتى جبريلُ عليه السَّلام فأَمَرَّ جناحَه على بطنها فخَرَجَ ابنُها أمامهم على شكلها ولونها .

فلمَّا رأى المَلِكُ ذلكَ قبَّل رأسَ سيِّدنا صالحٍ وقال :” يا معشَر قبائلِ ثمودَ لا عَمًى بعدَ الهدَى أنا أشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وأشهدُ أنَّ صالحًا رسولُ الله ” .

وءامَنَ مَعَهُ في ذلكَ اليوم خلقٌ كثير ولكنَّ قسمًا من الكُفَّارِ أَبَوْا وأَصَرُّوا على كُفْرِهم وكانتْ هذه النَّاقةُ في المساء تدخلُ المدينةَ وتطوفُ على بيوتِ أهلِها وتنادي بلسان عربيٍّ فصيحٍ :” مَنْ أرادَ منكمُ اللَّبَنَ فليخرُج ” ..

فكانوا يخرجونَ بأوعيتِهم فيضعونها تحتَ ضَرْعِها فيملؤونها لبنًا بإذن الله فإذا اكْتَفَوْا عادتْ إلى مسجد سيِّدنا صالحٍ تسبِّح الله حتى يأتيَ الصَّباحُ ثمَّ تخرجُ إلى المرعى وهذا عملُها كُلَّ يوم وكانَ للقوم بئرٌ يشربونَ منها ولم يكنْ للقومِ سوى هذه البئرِ فقال لهم سيِّدُنا صالح :” هذه ناقةٌ لها شِرْبُ يومٍ ولكمْ شِرْبُ يومٍ معلوم ” .

قال الله تعالى (( قال هذه ناقةٌ لها شِرْبٌ ولكمْ شِرْبُ يومٍ معلوم ))[الشُّعراء/155]..

وقال الله تعالى (( ونَبِّئْهُمْ أنَّ الماءَ قسمةٌ بينهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَر ))[القمر/28]..

وكانَ سيِّدُنا صالح قد نهَاهُمْ عن مَسِّ النَّاقة بسُوء وأَذًى إكرامًا لآية الله وكانَ من شأن هذه النَّاقة أنه إذا وَقَعَ الحَرُّ وَقَفَتْ بظَهْرِ الوادي فتهربُ الأغنامُ والأبقارُ والإبِلُ منها إلى بطنِ الوادي حيثُ الحَرُّ الشَّديدُ . وإذا وَقَعَ البردُ تَنْزِلُ النَّاقَةُ إلى بطنِ الوادي فتهربُ البهائمُ منها إلى أعلى الوادي حيثُ البردُ الشَّديد. فأَضَرَّ ذلكَ بمواشيهم وقد ابتلاهمُ الله بهذا الأمرِ ليُظْهِرَ للنَّاسِ الطَّائعَ من المعترِض .. فكَبُرَ ذلكَ على الكافرينَ وأجمعُوا رَأيَهُمْ على قتلِ النَّاقة وقَعَدُوا ينتظرُونَ النَّاقةَ فلمَّا أقبلتْ حتى اقتربتْ من البئرِ شدَّ واحدٌ منهم قوسَه ورماها بسهمٍ فأصابَ رَقَبَتَهَا ثمَّ أقبلوا عليها بالسُّيوف فطعنوها وقتلوها وقطَّعوها . وكانَ ابنُ النَّاقة يسيرُ خلفَها فلمَّا أَحَسَّتِ النَّاقةُ بالخَطَرِ أَنْذَرَتْهُ فهَرَبَ إلى رأسِ الجبلِ ونطَق ودعا على قومِ ثمودَ باللَّعنة .

ولمَّا بلغَ سَيِّدَنا صَالحًا الخبرُ أتى مسرعًا فلمَّا رءاها غارقةً في دمها بكَى فأوحَى الله إليه أنه لن يؤمنَ من قومكَ إلَّا منْ قد ءامن فدعا سَيِّدُنا صالح على الكُفَّارِ من قومهِ وقال :” إلَهِي أسألُك أنْ تُنْزِلَ على ثمودَ عذابـًا من عندك”.

قال الله تعالى (( فعقَروها فقال تمتَّعوا في دارِكم ثلاثةَ أيام ذلكَ وعدٌ غيرُ مكذوب ))[هود/65]..

وباتَ القومُ ليلتَهم وقالوا فيما بينهم :” زَعَمَ صَالِحٌ أننا سنموتُ بعد ثلاثة أيام ونحنُ سنقتلُه ونقتلُ أهلَه قبلَ هذه الأيامِ التي زَعَمَهَا ” ..

فخرجتْ مجموعةٌ منهم إلى حيثُ مسجدُ سيِّدنا صالحٍ واختبأوا في مغارة وقالوا :” إذا جاء يصلِّي قتلناهُ ثمَّ رَجَعْنا إلى أهله فقتلناهم ” ..

فبعثَ الله صخرةً فأطبقتْ عليهم فَمَ المغارة فهلكوا فلمَّا جاءَ صباحُ يومِ الخميسِ ظَهَرَتِ الصُّفْرَةُ على وجوهِ الكُفَّارِ وأجسادِهم وامتلأَت دماميلَ وقُرُوحًا ..

ولمَّا كانَ صباحُ يومِ الجمعةِ احمرَّت وُجُوهُهُمْ وكأنها صُبِغَتْ بالدَّم وفي يوم السَّبْتِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ وكأنها طُلِيَتْ بالزِّفْتِ الأَسْوَد ..

ولمَّا رأَى صَالِحٌ منهم هذا تَرَكَهُمْ مساءً وذهبَ مَعَ المؤمنينَ إلى خارجِ البلد ينتظرُ وعدَ الله . وكانوا نحوَ أربعةِ ءالاف مسلم ..

ولمَّا كانَ اليومُ الرَّابعُ وهو صبيحةُ الأحد تفتَّقت تلكَ الدَّماميلُ في وجوههِم وأوحى الله إلى المَلَكِ المُوَكَّلِ بالشَّمْسِ أَنْ يعذِّبهم بحرِّها فأدناها المَلَكُ قليلًا من رُؤُوسهم فاشتوَت أيديهم وتدلَّت ألسنتُهم على صدورِهم من العَطَش .. ثمَّ أتاهم سَيِّدُنا جبريلُ عليه السَّلام فأخذ بأطراف الأرضِ فهزَّها فتَزَلْزَلَتْ وصاحَ صيحةً قيلَ إنَّ فيها صوتَ كُلِّ صاعقة وصَوْتَ كُلِّ شيء له صَوْتٌ في الأرض فتقطَّعت قلوبهُم من الخوف فماتوا وهلكُوا جميعًا وقُبِضَتْ أرواحُهم من أجسادهم .. ثمَّ أقبلتْ سحابةٌ سوداءُ على ديارِهم فرمتهم بوهجِ الحريقِ سبعةَ أيام حتى صاروا رمادًا .

قال الله تعالى (( كَذَّبَتْ ثمودُ وعادٌ بالقارعة فأمَّا ثمودُ فأهلِكوا بالطَّاغية ))[الحاقَّة/4/5].. أي بسبب طُغيانهم وكُفْرِهم ..

وقال الله تعالى (( وإلى ثمودَ أخاهم صالحًا قال يا قومِ اعبُدوا اللـهَ ما لكم من إلهٍ غيرُه هو أنشأَكم من الأرضِ واستعمرَكم فيها فاستغفِروه ثمَّ توبوا إليه إنَّ ربِّي قريبٌ مجيبٌ قالوا يا صَالِحُ قد كنتَ فينا مَرْجُوًّا قبلَ هذا أَتَنْهَانا أَنْ نعبدَ ما يعبدُ ءاباؤُنا وإننا لفي شَكٍّ مِمَّا تدعونا إليه مُريب قال يا قومِ أرأيتُم إنْ كنتُ على بَيِّنَةٍ من ربِّي وءاتاني منه رحمةً فمَنْ ينصرُني من الله إنْ عصيتُه فما تَزيدونني غيرَ تخسير ويا قومِ هذه ناقةُ الله لكم ءايةً فذَرُوها تأكلُ في أرضِ الله ولا تمَسُّوها بسُوء فيأخذَكم عذابٌ قريب فعقَروها فقال تمتَّعوا في دارِكم ثلاثةَ أيام ذلكَ وعدٌ غيرُ مكذوب فلمَّا جاء أمرُنا نجَّينا صالحًا والذينَ ءامنوا معه برحمةٍ منَّا ومن خِزْيِ يومِئِذٍ إنَّ ربَّك هو القويُّ العزيز وأخذ الذينَ ظلموا الصَّيحةُ فأصبحوا في ديارِهم جاثمين كأنْ لم يَغْنَوْا فيها أَلَا إنَّ ثمودَ كَفَرُوا ربَّهم ألَا بُعْدًا لثمود )) [هود/61-68]..

وقال الله تعالى (( فعقروا الناقةَ وعَتَوْا عن أمرِ ربِّهم وقالوا يا صَالِحُ ائْتِنا بما تَعِدُنا إنْ كنتَ من المرسَلين فأخذتهمُ الرَّجفةُ فأصبحوا في دارِهم جاثمين ))[الأعراف/77/78]..