قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

قال تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) )) [سورة الإسراء]

معنى هذه الآية ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )) فهو بالنسبة لأصلهم، فقد جعل الله أصلهم وهو المني طاهرًا، والله سبحانه وتعالى جعل خلقة الآدمي تامةً كاملةً سويةً أتم من خلقة الملائكة والجن والبهائم، فجعل الإنسان يمشي على رجليه، ويعمل بيديه فيما ينفعه، ويدفع بهما عن نفسه الضرر، وجعله سميعًا بصيرًا متكلمًا، وركب فيه العقل الذي ميزه به عن البهائم، وهذا لا يعني أن الكافر له شأن عند الله ولا يساوى بالمؤمن، بل أقل مؤمن أفضل من ملئ الأرض من الكافرين.

فيجب الاعتقاد أن الله سبحانه وتعالى فضّل الأنبياء على سائر الخلق لأنه قال في سورة الأنعام ((وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ)) ، وبعدهم الأولياء، فطبقات الخلق في التفضيل الأنبياء الرسل أولًا، ثم بعدهم الأنبياء الغير رسل ثم رؤساء الملائكة، ثم خواص أولياء البشر كأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم، ثم عامة الملائكة، ثم عامة الصالحين من البشر والجن.

فلا يجوز الاعتقاد بأن كل البشر متساوون في الفضل والرتبة والمنزلة، بل من اعتقد ذلك يكون كافرًا بالله العظيم لأنه يكون قد ساوى بين موسى وفرعون، وبين إبراهيم والنمرود، ومحمد وأبو جهل وأبو لهب، وهذا من أبشع الضلال، بل الاعتقاد الصحيح الذي يضل من خالفه أن الأنبياء والأولياء والمسلمين أفضل من كل الكافرين على الإطلاق، وأن المسلم التقي أفضل من المسلم الغير تقيٍّ، وأن المسلم الفاسق الفاجر أفضل عند الله من جميع الكافرين، قال الله سبحانه وتعالى ((أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)) وقال جلّ جلاله ((أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ)).

ويجب الاعتقاد بأن الكفار لا يحبهم الله تعالى وليس لهم شأنٌ عند الله ولا منزلةٌ ولا قدرٌ، ومن قال إن الله يحبهم لأنه هو خلقهم فقد كذّب ما مرّ من آياتٍ في هذا الموضوع، والكفار وإن كانوا خلقًا من خلق الله إلا أن الله عز وجل قال ((أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ))، وقال سبحانه ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)) ، فالله خلق الجميع نعم، خلق الكل صحيح، لكنه لا يحب الكافرين لكفرهم لأنه سبحانه قال ((قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)) ، أي الله لا يحبهم لكفرهم لأنهم تولوا عن الإيمان به وبرسوله محمد ﷺ، قال الله تعالى ((وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا)).