النصف من شعبان

فضل ليلة النصف من شعبان وما يستحب فيها من العمل

الحمد لله رب الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا شبهٍ ولا أوان المنزه عن الجهة والحيز والمكان والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان محمد صلى الله عليه وعلى أصحابه النجوم الحسان ومن اقتفى أثرهم واتبع نهجهم إلى يوم يبعث الثقلان: أما بعد:

قال الله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وإنَّ في هذِهِ الآياتِ الكريمةِ التَّرغيبَ بقليلِ الخيرِ وكثيرِهِ والتَّحْذيرَ مِنْ قليلِ الشَّرِ وكثيرِهِ، وقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عنْ أميرِ المؤمنينَ عليّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «ارْتَحَلَتِ الدُّنْيا وهيَ مُدْبِرَةٌ وارتَحَلَتِ الآخرةُ وهِيَ مُقْبِلَةٌ فَكُونوا مِنْ أبْنَاءِ الآخِرَةِ ولا تَكونُوا مِنْ أبناءِ الدُّنْيا اليومَ العمَلُ ولا حِسَابَ وغدًا الحِسَابُ ولا عَمَلَ». فالدّنْيَا سائِرَةٌ الى الانْقِطَاعِ، إلى الزَّوالِ، ورسولُ اللهِ ﷺ وَصَفَ الدُنْيا كالشَّمْسِ إذا تَدَلَّتْ نحوَ الغُروبِ، مَعْنَاهُ ما مَضَى أكْثَرُ مِمَّا بَقِيَ، فَكُونُوا مِنْ أبناءِ الآخرةِ، فالآخرةُ خيرٌ وأبْقَى، فَكُونُوا مِنْ أبناءِ الآخِرَةِ واتَّقُوا رَبَّكُمْ، فقَدْ قالَ رَبُّنَا عزَّ مِنْ قائِلٍ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ويقولُ ربُّنا تَبَارَكَ وتَعَالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ فلنصْبِرْ على طاعَةِ اللهِ ولْنَصبِرْ على اجْتِنابِ ما حَرَّمَ اللهُ، ولْنُنْفِقْ في سبيلِ اللهِ، ولنسْتَغْفِرْ اللهَ عزَّ وجلَّ، ولْنَتَزَوَّدْ مِنْ دُنْيانَا لآخِرَتِنَا بالتَّقْوَى.

ولْنَذْكُرْ أنَّ الموتَ ءاتٍ قريبٌ فعَلَيْنَا أنْ تَتَزَوَّدَ لآخِرَتِنَا مِنْ هَذِهِ الدُّنْيا بِجِدٍ زائِدٍ وفي ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أيْ لا تَنْسَ نصيبَكَ لآخِرَتِكَ مِنْ دُنْيَاكَ، فَمَنْ تَزَوَّدَ لآخِرَتِهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيا فهُوَ المُتَزَوّدُ، وَمَنْ فاتَهُ التَّزَوُّدُ لِلآخِرَةِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيا فَقَدْ فاتَهُ التَّزَوُّدُ.

لَكِسْرَةٌ مِنْ يَبِيسِ الخُبْزِ تُشْبِعُني    وشُرْبَةٌ مِنْ قَراحِ الماءِ تُرْوِيني

وقِطْعَةٌ مِنْ خَشِينِ الثَّوْبِ تَسْتُرُني    حيًّا وإنْ مِتُّ تَكْفِيني لِتَكْفِيني

وفي هذِهِ الأيامِ هَلَّ عَلَيْنَا شَهْرُ شعبان لِيُقَرِّبَنَا أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ مِنْ رمضان شَهْرِ الْخَيْرَاتِ فلْنَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي شعبان ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ فِي شَهْرِ شعبان ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يَصُومُ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ“، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وعَنْ حِبِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ “ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ” أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِى شُعَبِ الإيِمَانِ.

ويُسْتَحَبُّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ قِرَاءَةُ الْقُرْءَانِ وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ يس خَاصَّةً ولَيسَتْ هِيَ اللَّيْلَةَ الَّتِي يَقُولُ اللهُ عَنْهَا: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سُورَةَ الدُّخَان/ 4]. وَإِنْ كَانَ شَاعَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَوَامِّ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. كَمَا قَالَ تَرْجُمَانُ الْقُرْءَانِ حَبْرُ الأمةِ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ وَهَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَمَعْنَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أَنَّ اللهَ يُطْلِعُ مَلاَئِكَتَهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أيْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا يَحْدُثُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ مِنْ مَوْتٍ وَحَيَاةٍ وَوِلاَدَةٍ وَأَرْزَاقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وينبغي الحذر مِنْ دُعَاءٍ اعْتَادَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى تَرْدَادِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَقُولُونَ فِيهِ: “اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَإِقْتَارَ رِزْقِي …” فَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَلاَ يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَتَغَيَّرُ، فَلاَ تَتَغَيَّرُ مَشِيئَةُ اللهِ بِدَعْوَةِ دَاعٍ أَوْ صَدَقَةِ مُتَصَدِّقٍ أَوْ نَذْرِ نَاذِرٍ. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: “سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً” وَفِي رِوَايَةٍ: “قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ”  فَسُبْحَانَ اللهِ الَّذِي يُغَيِّرُ وَلاَ يَتَغَيَّرُ.

إذًا فَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِدَعْوَةِ دَاعٍ، وَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فَقَدْ فَسَدَتْ عَقِيدَتُهُ وَخَرَجَ مِنْ دِينِ اللهِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى. فَإِنَّ مَشِيئَةَ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لاَ يَطْرَأُ عَلَيْهَا تَغَيُّرٌ وَلاَ تَحَوُّلٌ كَذَلِكَ كُلُّ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى لاَ تَتَغَيَّرُ وَلاَ تَتَحَوَّلُ. ولْيُعْلَمْ أنه حَتَّى الدَّعَاءُ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ وَذَلِكَ لأِنَّ عِلْمَ الدِّينِ سِلاَحٌ يَدَافِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الشَّيْطَانَ وَيُدَافِعُ بِهِ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَيُدَافِعُ بِهِ هَوَاهُ، وَيُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ مَا يَنْفَعُهُ فِي الآخِرَةِ وَمَا يَضُرُّهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ الْمَرْضِيِّ للهِ وَبَيْنَ الْعَمَلِ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَى فَاعِلِهِ فَمَنْ أَرَادَ الدُّعَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ فِي غَيْرِهَا فَلْيَسْأَلْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ عَنْ دُعَاءٍ أَلْفَاظُهُ مُوَافِقَةٌ لِشَرْعِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِخْوَةَ الإيِمَانِ لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ وَأَكْثَرُ مَا يَبْلُغُ الْمَرْءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كما قلنا أَنْ يَقُومَ لَيْلَهَا وَيَصُومَ نَهَارَهَا وَيَتَّقِي اللهَ فِيهَا.

وأمَّا مَا وردَ فِي الحديثِ: ” لا يَرُدُّ القضاءَ إلَّا الدعاءُ ” اهـ فالمرادُ بهِ مَا كانَ مِنَ القضاءِ المُعلَّقِ وَهوَ كأنْ يكونَ مكتوبًا فِي صحفِ الملائكةِ أنَّ فلانًا يحصلُ لهُ كذَا إلَّا أنْ يدعوَ بارتفاعِ البلاءِ عنهُ فإنَّهُ إنْ دعَا ارتفعَ عنهُ البلاءُ فورًا بعدَ الدعاءِ وإلَّا استمرَّ إلَى تلكَ المدةِ أوْ أنَّ فلانًا إنْ وصَلَ رَحِمَهُ أو بَرَّ والدَيْهِ يعيشُ إلَى المائةِ أوْ يعطَى كذَا مِنَ الرزقِ والصحةِ وإنْ لمْ يفعلْ ذلكَ يعيشُ إلَى الستين ولَا يعطَى كذَا مِنَ الرزقِ والصحةِ، واللهُ عالمٌ بمَا يكونُ مِنَ الأمرينِ لَا يَخفَى عليهِ شيءٌ، وشاءَ فِي الأزلِ حصولَ مَا علِمَ حصولَهُ فلَا تتغيرُ مشيئتُهُ تعالَى وليسَ معناهُ أنَّ تقديرَ اللهِ الأزليَّ الذِي هوَ صفتُهُ مُعَلَّقٌ علَى فِعْلِ الشخصِ أوْ علَى دعائِهِ بلِ اللهُ عالمٌ ماذَا سيصيبُ هذَا الإنسانَ وهلْ يدعُو أوْ لَا يدعو، ويُعلمُ مِنْ ذلكَ أنَّ مَنْ شاءَ اللهُ لهُ الموتَ علَى غيرِ الإسلامِ فلَا يموتُ إلَّا على غيرِ الإسلامِ ومَنْ شاءَ اللهُ لهُ أنْ يموتَ علَى الإيمانِ لَا بدَّ أنْ يموتَ علَى الإيمانِ ولَا يتغيرُ ذلكَ بدعاءِ داعٍ ولَا بتصدقٍ أو صلةِ رحمٍ أو بِرِّ والدٍ.

أما قوله تعالى {يمحوا الله ما يشاء ويُثْبِت} فمعناه أن الله تعالى يمحو ما يشاء من القرءان ويرفع حكمه وينسخه ويثبت ما يشاء من القرءان فلا ينسخه وكلّ ذلك يكون بوحي من الله. وليس معناه أن الله تعالى يغيّر مشيئته لدعوة أو صدقة أو نذر كما فهم ذلك بعض الناس، ومعنى {وعنده أمّ الكتاب} أي جملة ذلك أي الناسخ والمنسوخ في اللوح المحفوظ.

أمَّا معنَى قولِهِ تعالَى : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوُ فِي شَأَنٍ﴾ فهوَ كمَا قالَ رسولُ اللهِ ﷺ فِي تفسيرِهِ فيمَا رواهُ ابنُ ماجهْ وغيرُهُ: قالَ: ((يَغْفِرُ ذنبًا ويكشِفُ كَرْبًا ويَرفَعُ قومًا ويضعُ ءاخرينَ)). ويوافق هذا قول الناس “سبحان الذي يُغيّر ولا يتغير” وهو كلام حسن جميل إذ التغيّر في المخلوقات وليس في ذات الله وصفاته. فتبين أن الله يغيّر أحوال العباد من مرض إلى صحّة ومن فساد إلى صلاح ومن فقر إلى غنى ومن غنى إلى فقر على حسب المشيئة الربانية الأزلية. فالتغير يطرأ على أحوال المخلوقات وليس على مشيئة الله وعلمه. فإذا دعا العبد ربه أن يشفيَه فاستجاب له يصحّ أن يقال إن دعاءه وافق مشيئة الله. وإذا لم يستجب له يصح أن يقال إن الله لم يشأ له الشفاءَ وعلى كِلا الحالين يستفيد المؤمن بدعائه لربه سواء مع النفع الحاصل بالشفاء أو لم يحصل النفع بالشفاء لأن الثواب كُتب له.

إحياء ليلة النصف من شعبان :

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال:“يَطَّلِعُ الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك، أو مشاحن“.اهـ رواه ابن حبان وصححه.

قال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات.اهـ

قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه والبيهقي ورواه ابن ماجه بلفظه من حديث أبي موسى الأشعري والبزار والبيهقي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه بنحوه بإسناد لا بأس به. اهـ

ومعناه أن الله تعالى يخصص ليلة النصف من شعبان بهذه الميزة أنه يطَّلِعُ إلى خلقه .. أي يرحمهم فيها برحمة خاصة وإلا فالله مُطَّلِعٌ على خلقه لا تخفى عليه منهم خافية. فيغفر لجميع خلقه إلا من استثنى أي يغفر لبعض المسلمين بعض ذنوبهم ولبعض كل ذنوبهم وأما الكافر فلا يغفر له وكذا المشاحن الذي بينه وبين مسلم ءاخر عداوة وحقد وبغضاء لأمر الدنيا، فليصلح كلٌّ منّا ما بينه وبين أخيه المسلم وليعف وليصفح وليخرج ما في قلبه من غلّ قبل تلك الليلة لعلَّ اللهَ يرحمنا ويغفر لنا ذنوبنا.

وَأَمَّا حَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي شَعْبَانَ فَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا دَخَلَ شَهْرُ شَعْبَانَ، أَقْبَلُوا عَلَى مَصَاحِفِهْمِ فَقَرَأُوهَا، وَأَخْرَجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ لِيُعِينُوا غَيْرَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ فِي رَمَضَانَ. وَتَرَكُوا الْكَثِيرَ مِنْ مَشَاغِلِ الدُّنْيَا، وَأَخَذُوا يَسْتَعِدُّونَ فِيهِ لاِسْتِقْبَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَكْثَرُوا فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَالْقِيَامِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ عَنْ شَهْرِ شَعْبَانَ إِنَّهُ شَهْرُ الْقُرَّاءِ.

وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الأُمِّ “وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ فِي خَمْسِ لَيَالٍ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةِ الأَضْحَى، وَلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مَنْ رَجَب، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ” اهـ

قال الشافعي: وأنا أستحب كل ما حكيت في هذه الليالي من غير أن تكون فرضا. اهـ

قال النووي في المجموع بشرح المهذب بعد أن ذكر كلام الشافعي: واستحب الشافعي والأصحاب الإحياء المذكور مع أن الحديث ضعيف[حديث: من أحيا ليلتي العيد..إلخ]، لـما سبق في أول الكتاب أن أحاديث الفضائل يتسامح فيها ويعمل على وفق ضعيفها. اهـ

قال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى عن ليلة النصف من شعبان: والحاصل أن لهذه الليلة فضلا وأنه يقع فيها مغفرة مخصوصة واستجابة مخصوصة ومن ثم قال الشافعي رضي الله عنه إن الدعاء يستجاب فيها. اهـ

وقال ابن نجيم من الحنفية في “البحر الرائق”: “ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، كما وردت به الأحاديث”. اهـ

قال أبو عبد الله المواق المالكي في التاج والإكليل لمختصر خليل: وقد رغب في صيام شعبان وقيل فيه ترفع الأعمال ورغب في صيام يوم نصفه وقيام تلك الليلة.اهـ

قال ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل: ليلة نصف شعبان (فصل) وبالجملة فهذه الليلة، وإن لم تكن ليلة القدر فلها فضل عظيم وخير جسيم وكان السلف رضي الله عنهم يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد علم من احترامهم للشعائر على ما تقدم ذكره هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة. اهـ

قال منصور البهوتى الحنبلى في كشاف القناع عن متن الإقناع: وفي استحباب قيامها) أي ليلة النصف من شعبان (ما في) إحياء (ليلة العيد هذا معنى كلام) عبد الرحمن بن أحمد (بن رجب) البغدادي ثم الدمشقي (في) كتابه المسمى (اللطائف) في الوظائف.اهـ

قال: الحافظ زين الدين ابن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي في لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف: وأما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه.اهـ

وذكر ابن رجب أن ليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، ووافقهم على تعظيمها طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم. اهـ

وقال ابن رجب أيضا: فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة (ليلة النصف من شعبان) لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب وأن يقدم على ذلك التوبة فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب.

وقد ورد في الشرع الحنيف الحث على الإكثار من الدعاء والقيام وخصوصا في هذه الليلة المباركة، فقد قال رسول الله ﷺ [أفضلُ الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل] رواه مسلم. فقيام الليل تطوّعًا لله تعالى هو من النوافل والمستحبات التي رغّبنا بها رسول الله ﷺ، سواء قام الليل بالصلاة أو الدعاء أو الذكر أو الاستغفار أو الصلاة على النبي ﷺ أو تلاوة القرءان وهذا مما يُتقرب به إلى الله مع أداء الواجبات واجتناب المحرمات.

وقال الله تعالى {وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} وقال رسول الله ﷺ [الدعاءُ مخّ العبادة] رواه الترمذيّ. معناه أن منزلة الدعاء عالية في العبادة لأن دعاء العبد المؤمن لربّه فيه إقرار منه بربوبية الله وبقدرته واعتراف منه بالنعم الكثيرة التي منّ الله بها عليه.

وقد قيل:

فقم ليلة النصف الشريف مصليا … فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه

فكم من فتى قد بات في النصف آمنا … وقد نسخت فيه صحيفة حتفه

فبادر بفعل الخير قبل انقضائه … وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه

وصم يومها لله وأحسن رجاءه … لتظفر عند الكرب منه بلطفه

ويتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة وقد روي أنها الشرك وقتل النفس والزنا وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله كما في حديث ابن مسعود المتفق على صحته. اهـ

إحياء ليلة النصف من شعبان جماعة في المساجد:

ذكر الحافظ زين الدين ابن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي في لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف أن بعض علماء السلف استحب إحياءها جماعة في المساجد، فقد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.اهـ وذهب بعض السلف إلى أنه لا يسن تخصيص هذه الليلة بالاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولكن لا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه.اهـ

فمن أراد أن يعمل بالقول الأول فلا اعتراض عليه سيما في مثل هذا العصر الذي اشتدت فيه حاجة الناس إلى علم الدين فيغتنم العالم أو الواعظ اجتماع الناس لتذكيرهم بما ينفعهم في آخرتهم. وهذا يدل على أن الذين يضللون ويحرمون إحياءها في المساجد لم يوافقوا أحد القولين وشذوا عما كان عليه السلف الصالح.

صيام النصف من شعبان

قال الرّمليُّ : حديثُ: “إذَا انتَصفَ شَعبانُ فَلا صِيامَ حتى يَكُونَ رمَضَان” رواه الترمذي، يؤخَذُ مِنهُ أنّهُ لَو صَامَ الخَامِسَ عَشَر وتَالِيَه ثم أَفطَر السّابعَ عَشَر حَرُمَ عَليهِ صَومُ الثّامِن عَشَر وهوَ ظَاهِرٌ لأنَّهُ صَومٌ بَعدَ النّصفِ لم يُوصَلْ بما قَبلَه اهـ.

وقالَ الخطِيبُ : ولَو وصَلَ النّصفَ الثّاني بما قَبلَه ثم أَفطَر فيه يَومًا حَرُمَ عَليهِ الصّومُ إلا أنْ تَكُونَ لَهُ عَادةٌ قَبلَ النِّصفِ الثّاني فلَهُ صَومُ أيّامِها اهـ.

فمِنْ أَحْكَامِ الصِّيَامِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ صَوْمُ مَا بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ إِلاَّ أَنْ يَصِلَهُ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ لِقَضَاءٍ أَوْ وِرْدٍ كَمَنِ اعْتَادَ صَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلاَ تَصُومُوا” رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالأَرْبَعَةُ [أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ]، وَحَدِيثِ “لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ“. [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ وَالْحَسَنَاتِ يَا رَبَّ الْكَائِنَاتِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا الله.