إنك لا تهدي من أحببت

قال الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [سورة القصص]

إن الله تعالى يهدي من يشاء من عباده إلى طاعته، ويعصمه أي يحفظه عن معاصيه، ويعافيه في دينه ونفسه فضلا منه تعالى لا لأنه ملزم بذلك، ويضلّ من يشاء من عباده، ويخذله أي يترك حفظه ونصرته ويبتليه في نفسه ودينه عدلا منه تعالى لا ظلما وجورا.

فمعنى الآية: إنك يا محمد لا تهدي من أحببت الاهتداء له وهو عمّه لأنه كان يحب له أن يهتدي وإن كان لا يحبّ شخصه لكفره، وإنما الله تعالى يهدي من شاء له أن يهتدي وإن كان لا يحبّ شخصه لكفره، وإنما الله تعالى يهدي من شاء في الأزل له أن يهتدي، فالضمير في {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} عائد إلى الله.

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره «جامع البيان في تفسير القرءان»، طبع دار الجيل، المجلد العاشر الجزء20 ص58: «القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } يقول تعالى ذِكرُه لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم إنك يا محمد لا تهدي من أحببت هدايته ولكن الله يهدي من يشاء أن يهديه من خلقه بتوفيقه للإيمان به وبرسوله» اهـ.

وقال المفسر البغوي في تفسيره المسمى «معالم التنزيل»[(481)]: «قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} ، أي أحببتَ هدايتَه» اهـ.

فتبيّن أن معنى هذه الآية الكريمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الاهتداء لِعَمِّهِ الكافرِ بأن يُسلِمَ ويخرُجَ من كُفره، وليس معناها أنه يحبه لكفره والعياذ بالله تعالى فالنبي صلى الله عليه وسلم ل يخالف ما أُنزِلَ عليه من القرآن الكريم حيث قال الله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ، فإن كان الله لا يحبُّهم فكيف للرسول أن يحبَّهم، ثم إن عمَّه لما مات على الكفر، النبي صلى الله عليه وسلم لم يُصَلِّ عليه بدليل ما سيأتي من الأحاديث، فالحق أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب له الاهتداء وليس كما ادعى البعض أنه كان يحبه لشخصه أو لمجرد قرابته لكفره، فمستحيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف القرآن الكريم .

وأقلّ الإسلام شهادة ألاّ إلـه إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقل الإيمان التصديق القلبي بمعنى الشهادتين ، وأبو طالب لم ينطق بالشهادتين فقد مات كافرا والعياذ بالله تعالى كما يظهر من صريح الأحاديث المروية في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى أبو داود في سننه في كتاب الجنائز والبيهقي في سننه[(483)] أن عليّا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال (يا رسول الله إن عمّك الشيخ الضال قد مات، فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهب فَوَارِهِ»)، وفي رواية (إن عمّك الشيخ الكافر)، فلذلك لم يختلفوا في كفر الشخص الذي يُعرَضُ عليه الإسلام فيأبى الدخول فيه مع الاستطاعة .