آداب الطعام

آداب الطعام و الشراب في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد طه الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم وسار على نهجهم ومنوالهم إلى يوم الفصل والدين.

فإن الأكل والشرب ليس مجرّد حاجة نقوم بها، بل لهما آدابٌ كثيرة علينا الاهتمام بها، وفي جميع المجتمعات ما يسمى بالإيتيكيت، تبدأ منذ وضع الطعام على السفرة وطريقة الأكل والشرب، وانتهاءً بإزالة الطعام عن المائدة، ونحن كمسلمين علّمنا الرسول عليه الصلاة والسلام آداب تناول الطعام والشراب، فقد كان له عليه السلام منهاجًا واضحًا في كلّ شىء، ابتداءً بأبسط الأشياء وانتهاءً بأعلاها، فقد كان عليه السلام يُعلّم أصحابه وأهل بيته كلّ أمور الحياة، وهذه القواعد ليست مُجرّد أمور عبثية، وإنّما تَستند على فائدة عظيمة في الحياة.

ابتداء بعقد النية الصالحة بتناول الطعام والشراب، حتى بالطعام تعقد النية الصالحة لله تعالى، فتنوي تناول الطعام الحلال بنية أن تتقوى على طاعة الله تعالى فتكتسب الثواب بذلك وتنوي إطعام من تعيلهم وكذا إطعام الناس لله تعالى فتكسب الأجر بإطعامهم.

والتسمية قبل البدء بتناول الطعام: بقول: بسم الله، ولا ضرر أيضا أن تقول بسم الله الرحمن الرحيم، وإن نسي الشخص وتذكّر وهو يأكل يقول: “ بسم الله في أوَّلِهِ وءاخِرِهِ “ فقد قال صلى الله عليه وسلم: “ فَاجْتَمِعُوْا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوْا اسْمَ اللهِ يُبَارِكُ لَكُمْ فِيِهِ ” رواه أبو داود.

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  “إذا أكلَ أحَدُكُم طعامًا فَليَقُل: بسم الله، فإن نسيَ في أوَّلِهِ فليقل: بسم الله في أولِهِ وءاخِرِهِ ” رواه الترمذي.

كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأكل الشخص بيمينه، وأن يخدم الشخص نفسه وضيفه باليد اليمنى، فقال صلى الله عليه وسلم: ” إِذَا أَكَلَ أَحَدَكُمْ فْليَأكُلْ بِيَمِيْنِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَب بِيَمِيْنِهِ فَإِنَ الشَيْطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِه وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ ” رواه مسلم.

كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن نأكل مما يلينا، فقد ورد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنّ غلامًا صغيرًا كان يتربّى عنده، وفي أحد الأيام جلس إليه يأكل معه الطعام، ولم يكن يأكل من الطعام الموجود أمامه، ولم يتقيّد بآداب الطعام المعروفة، فأرشده الرسول عليه السلام أن يأكل من الطعام الذي يليه، ومن جانب الطعام وليس من وسطه، وأن يأكل بيده اليمين فقد قال له النبي عليه السلام : ” يَا غُلَامْ سَمِّ الله وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَا يَلِيِكَ ”  متفق عليه.

ثم إن البركة تنـزل وسط الطعام، فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه، فعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَعَامِ، فَكُلُوْا مِنْ حَافَتَيِهِ، وَلَا تَأكُلُوْا مِنْ وَسَطِهِ” رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. فالبركة التي هي من عند الله تنزل على رأس الطعام وأعاليه، ثم تنحدر إلى جوانبه، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المحافظة عليها بأن يأكلوا من جوانب القصعة حيث تنزل البركة إلى تلك الجوانب، فيأخذ كل واحد نصيبه منها، ونهى عليه السلام أن يأكلوا من رأسها وأعلاها لأنهم متى فعلوا ذلك ذهبت البركة من الطعام، وربما لم يصب أحدهم منها شيئا، لأن أعلاها فيه البركة، ولم يبق شىء ينحدر من أعلاها إلى جوانبها. بالإضافة إلى الحرص على أن يكون المأكل والمشرب حلالًا خالصًا لتكون فيه البركة.

وكل بثلاث أصابع اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم إن استطعت، كما يسن أن يلعق أصابعه قبل غسلها أو مسحها، قال كعب بن مالك: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع فإذا فرغ لعقها “.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إِنِّكُمْ لَا تَدْرُوْنَ في أَيِّهِ البَرَكَة” وعن جابر مرفوعا: ” إِنَّ الشَيْطَانُ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَىءٍ مِنْ شَأنِهِ حَتَى يَحْضُرُهُ عِنْدَ طَعَامِهِ فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُقْمَةِ فَلْيَمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أذَىِ، ثُمَّ ليَأكُلَهَا وَلَا يَدَعَهَا للشَيْطَانْ فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِيِ في أَيِ طَعَامِهِ البَرِكَةِ ” رواه مسلم.

وتكثير السواد على الطعام وهو الاجتماع على الطعام فتكون البركة كما قال صلى الله عليه وسلم: ” فَاجْتَمِعُوْا عَلَى طَعَامِكُمْ وَاذْكُرُوْا اسْمَ اللهِ يُبَارِكُ لَكُمْ فِيِهِ ” رواه أبو داود. وقال صلى الله عليه وسلم: ” طَعَامُ الوَاحِدُ يَكْفِي الاثِنَيِنِ، وَطَعَامُ الاثِنْيَنِ يَكْفِي الأرْبَعَةَ وَطَعَامُ الأرْبَعَةِ يَكْفِي الثَمَانِيَةِ ” رواه مسلم.

وأَجلِس معك من كان قائمًا على العمل كالخادم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمَهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ مَعَهُ فَلْيُنَاولهُ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيِنِ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتِيِنِ ” رواه البخاري. فإذا كان هذا في الخادم فكيف بالزوجة، فإن عادة بعض الناس أن تَطعم الزوجة أو يطعم النساء والأطفال بعد الرجال، فيأخذن بقايا الطعام.

ولا تبدأ قبل الكبير كالوالدين والمعلم والشيخ وغيرهم، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: ” كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله عليه وسلم فيضع يده “.

ولا تعب طعاما، فما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه فامدح الأكل واثن على صانعه، وما أقبح تصرف بعض الرجال بعد أن قامت زوجته سائر  يومها تصنع الطعام فلا يكاد يضع الطعام في فيه حتى يقطب وجهه ويظهر العيب ويستر الحسن، فينبغي أن تكتم ما رأيت من سهو، فقد تجد شعرة أو شىء ساقط في الطعام فلا تحرج من صنعه.

واعتدل في جلوسك ولا تأكل متكئًا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه السلام: “لَا ءاكُلُ مُتَكِئًا” سواء أكان على جنب أم أن تضطجع على إحدى يديك وتأكل بالأخرى.

ولا تشرب أو تأكل واقفًا أو ماشيًا لحديث أنس رضي الله عنه: ” نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرب الرجل قائمًا ” قال قتادة: فقلنا فالأكل؟ قال أنس: ” ذاك أشر وأخبث “

ولم يأكل صلى الله عليه وسلم على خوان قط أي ما كان يأكل على شىء مرتفع. وأما عن صفة جلوسه صلى الله عليه وسلم على مائدة الطعام فقد كان يجثو على ركبتيه عند الأكل، وصفة أخرى أنه عليه الصلاة والسلام كان يَنصِبُ رجله اليمنى ويجلس على اليسرى، فعن أنس رضي الله عنه قال: ” رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جالسا مقعيا يأكل تمرا ” رواه مسلم.

ولا تنفخ في الطعام للنهي عن ذلك وجرب سخونة الطعام بذوق بعضه، وعند تناول الشراب أوصى عليه السلام بالتّسمية قبل الشرب، وأن يكون الشرب على ثلاث دفعات، وليس دفعةً واحدةً، وعدم النفخ في الشراب حتى يبرد إن كان ساخنًا.

وعدم الإسراف في تناول الطعام والشراب، والاعتدال في الأكل، فقد أوصى عليه السلام أن يكون ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنَفَس، وهذا دليل قاطع على تجنب الشراهة في الطعام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَا مَلَأَ ءادَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ ءادَمَ أَكَلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ” رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وتجنب استخدام ءانية الطعام والشراب المصنوعة من الذهب والفضة، فقد نهى عليه السلام عن هذه العادة، وأوصى باستخدام أدوات الطعام التي يستخدمها عامة الناس، فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم “.

واغسل يديك قبل الأكل ونظف فاك، وامسح وجهك بالماء فإن هذا أنعش لك وأطيب للخاطر، وأنقى للناظر إليك.

ولا بأس بالحديث عند الطعام، ومؤانسة الضيف مستحسنة ولكن تجنب فتح الفم عند الطحن. وأما قول بعض الناس: (لا كلام على طعام) فهو ليس من السنة بل ترك الكلام تماما عند الاجتماع على الطعام من عادة المجوس وقد سن لنا صلى الله عليه وسلم مخالفة الكفار.

ولا تُخرج أصواتا غريبة فصوت اللعق وقرع الاسنان مؤذ لمن هم حولك، فإن باهتك شىء فاخرج قليلا لتنظيفه وارجع، وبعضهم لا يتورع عن صوت الامتخاط والناس تأكل، وبعضهم يعيش في شد وجذب لما في أنفه فلا هو ممتخط فيكون أذاه مرة واحدة ولا هو كاف نفسه وهذه غفلة.

وإياك من ذكر الأحاديث والقصص المشمئزة أو لفت الانتباه لها، كقصص إمساك البطن وإطلاقه وغير ذلك.

ولا تشرب من فم الإناء بل اسكبه في كأس، ولا تتنفس فيه فإن هذا الشراب لك ولغيرك ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَسَ في الإنَاءِ ” رواه البخاري.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.