الجار و حقوقه في الإسلام

الجار  وحقوقه في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم وسار على منوالهم إلى يوم الفصل والدين.

أما بعد: فإن للجار على الجار في القِيَم الإسلاميّة ءادابًا كثيرة منها المواصلة بالزيارة والتهادي، أي أن يُهْدِيَ كلٌّ منهم الآخر هديّة تعبيرًا عن المودّة، والعيادة حين المرض، والمواساة حين المصيبة، والمعونة حين الحاجة، ومنها أيضا كفّ الأذى، والجار معناه القريب في المسكن، ويحمل الجوار عدة صور منها جار المسكن وجار السوق وجار المزرعة وجار العمل ونحو ذلك.

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: “واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض”اهـ. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. سورة النساء، وقوله تعالى: “وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى” أي الذي بينك وبينه قرابة، “وَالْجَارِ الْجُنُبِ” أي الغريب الذي لا قرابة بينك وبينه، وهذا قول بعض المفسرين. وقيل: ” وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى”  هو الجار القريب جواره، “وَالْجَارِ الْجُنُبِ” وهو من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة، وهذا قول بعض المفسرين أيضًا.

واختلف في حد الجوار: فجاء عن علي رضي الله عنه: “من سمع النداء فهو جار” وقيل: “من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار” وعن عائشة رضي الله عنها: ” حد الجوار أربعون دارا من كل جانب ” وعن الأوزاعي مثله، وأخرج البخاري في ” الأدب المفرد ” مثله عن الحسن، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب ” أربعون دارا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه ” ويحتمل أن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة.

 فجاء الإسلام حاثًّا على هذه المسألة، وذلك لما تحمله من أهمية كبيرة وخاصة أن العلاقة بين الجيران إذا كانت منضبطة فإنها تساعد على استقرار المجتمع، ويكفي من تشديد النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم على الحفاظ على الجار أنه قال ذات يوم وهو يخاطب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم: “مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ” رواه البخاري، وهذا إن دل على شىء فإنه يدل على حرص الإسلام الكبير في ضبط العلاقة بين المسلم وجاره، التي ينبغي أن تقام على الاحترام المتبادل واحترام حقوق كل منهما من قبل الآخر وعدم إيذاء الجار.

وحقوق الجار على جاره عديدة وكثيرة من أهمها: رد السلام، وإجابة الدعوة، وذلك لما في هذا الأمر من ءاثار طيبة تعود على العلاقة بين الجارين، وأيضا من حقوق الجار كف الأذى عنه، وهذا الحق هو من أعظم الحقوق التي يجب أن يؤديها الجار لجاره لما في ذلك من سلامة للقلوب وتبادل للمحبة، ومن حقوق الجار على جاره أن يتفقده ويقوم على قضاء حوائجه له إن كان قادرا على ذلك، وأيضا ستره وصيانة عرضه ومودته حتى تستمر العلاقة الطيبة بينهما ونحو ذلك من الأمور التي تساهم في انتشار المحبة والمودة في المجتمع المسلم.

والجار هو خير من يعرف جاره ويشهد له في أغلب الأحيان بالخير أو الشر، لذلك لمّا جاء سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلٌ وسألهُ سيدنا عمر فقال له: هل يعرفُك أحد؟ قال: نعم، فلان يعرفني، فقال: ائتني به، فلما جاء به، قال له: هل تعرفهُ؟ فقال: نعم، قال: هل جاورْتَهُ ؟ قال: لا، قال: هل سافرتَ معه؟ قال: لا، قال: هل حاككْتَهُ بالدّرْهم والدِّينار؟ قال: لا، فقال عمر: أنت لا تعرفهُ.

الجار في نَظَر الإسلام مُعين ناصِر حارِس أمين، يُطْعمُكَ إذا جُعْت، يُهْدي إليك من طبْخه، ولو لم تكُن جائعًا، يُشارك في الأفراح والأتراح، يُواسي ويُعزِّي في المصائب والأحزان، يُرْشِد، وينصَح، يتعاوَن معك على البرّ والتقوى، يعودُك إذا مرِضْت، يزورُك زيارة الأخوّة الخالصَة يحْفظُك في أهلك وذريّتِكَ، لا يخونك في مالٍ ولا أهلٍ ولا ولد، كَمْ مِن رجلٍ هَجَرَ بيتهُ ضجرًا من جارهِ؟ وكم من بيْتٍ بيعَ بنِصْف ثمنهِ؟ فِرارًا من الجار ذي الأخلاق السيّئة. وكما قيل: (الجار قبل الدار).

كان في الشام رجل صالح، وكان له جارٌ ضاقَتْ به الدنيا، واضْطرّ إلى بيْعِ بيْتِهِ فعَرَضَهُ للبيْع فَدُفِعَ له ثمنٌ بخْس، فانْفَعَل وقال: والله لا أبيعُ جِوارَ هذا الرجل الصالح بهذا المَبْلغ، هناك مَنْ أوْصَلَ هذا الخبَر إلى هذا الرجل الصالح، فاسْتَدْعى جارهُ وأعطاهُ المبلغ كلّه، وقال: ابْقَ جارًا لي، إنَّك لا تبيعُ جيرتي بهذا المبلغ، وأنا لا أبيعُك أبدًا.

من سعادة المرء أن يعيشَ مع جيرانٍ أفاضل، مِن مُتَع الحياة الدنيا أن تطمئنّ إلى أنّ جارك يحبّك وتحبّه، يحفظ حرمتَكَ، وتحفظُ حرمتهُ، تحرصُ مالهُ، ويحرصُ مالك، أحيانا نتذوّق القِيَم الإسلاميّة نظريًا، ولكن والله لو عِشناها لشَعَرنا بِسَعادةٍ كبيرة، على الوصْف نسْعَد بسماعها، فكيف إذا عِشْناها؟ كيف إذا عِشْنا هذه القِيَم؟ وكيف إذا كُنّا كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ كيف إذا كُنّا كما وجّهنا النبي عليه الصلاة والسلام؟.  ولكن للأسف كثير من الجيران اليوم لا يعرفون بعضهم البعض، وقد قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ (أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ) مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” رواه مسلم.

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: “مَا ءامنَ بيِ مَن بَاتَ شَبعَانُ وجَارُهُ جَائِعٌ إلَى جنبِهِ، وَهُوَ يَعلَمُ به” رواه البزار والطبراني. وهذا الحديث ينفي عن المسلم الإيمان الكامل وليس أصل الإيمان، إذا لم يساعد جاره فكيف إذا أوقع فيه الأذى، فالمراد نفي الإيمان الكامل وذلك لأنه يدل على قسوة قلبه وكثرة شحه وسقوط مروءته وعظيم لؤمه وخبث طويته، والمعنى لا يكون إيـمانه كاملا من يبيت شبعان وجاره المؤمن من أهل الضرورات ولا يـجد ما يسد به ضرورياته وهو عالم بحاله. فإذا كان هذا حال من علم به ولم يـمد له يد العون وهو قادر على ذلك، فكيف بـمن لا يرأف به بل يثقل عليه ويزيده كربًا فوق كربه.

فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى كما قال عليه الصلاة والسلام، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ  الغفاري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “يَا أَبَا ذَرٍّ : إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ ” رواه مسلم

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ” متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في المسند: “خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ”، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنها قالت: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أيِّهِمَا أهْدِي؟ قال: “إِلَى أقْرَبِهِمَا مِنْكِ بابًا” أخرجه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: “وَالله لا يُؤْمِنُ، وَالله لا يُؤْمِنُ، وَالله لا يُؤْمِنُ” قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: “الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوائِقَهُ” أخرجه البخاري.

قال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال: في هذا الحديث تأكيد حق الجار لقَسَمه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات. أهـ، وفيه نفي كمال الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان.

ولقد كان العرب وهم في جاهليتهم يتفاخرون بحسن الجوار وإكرام الجار، ورعاية حقوقه وصون حرماته، وكف الأذى عنه، فجاء الإسلام وأكد هذا الخلق النبيل، وعظم حق الجار على جاره، حتى قال صلى الله عليه وسلم: “حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ”.

وصور الأذى للجيران كثيرة، ومن أكثرها شيوعًا التطلع إلى محارمهم، والنظر إلى نسائهم، وتتبع عوراتهم، والتنصت عليهم، والتجسس على أحوالهم، وكشف أسرارهم، ونشر قول السوء عنهم، والوقيعة في أعراضهم، والسعي في الإفساد بينهم، وطمس مناقبهم، وإيذاؤهم برفع الأصوات، وكذلك إصدار الأصوات المزعجة، وخصوصًا في أوقات النوم والراحة، ومن ذلك وضع الحيوانات التي تؤذيهم، وكذلك وضع القمائم والزبائل عند أبوابهم ونحو ذلك.

والجار الذي يكون هكذا من البلاء، وعَنْ السيدة عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُنتُ بينَ شَرِّ جارَيْن عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْط وأبي لَهَب كانا يرميان بما يخرجُ منَ النّاسِ على بابي” وشرُّ الجيران من تَرَكَهُ جيرانه اتقاء شره، وتباعدوا عنه تجنبًا لضُره، وتقاصروا عنه ليسلموا من عُدوانه وكيده، وأخبث منه من ينتهك محارم جاره، أو يسرق من ماله.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيُّ الذَّنبِ أعظَمُ؟ فقَالَ: ” أن تَجعَلَ للهِ نَدًا وَهُوَ خلَقَكَ” قلتُ: إِي والله عظيم، ثُمَّ أَي يا رسول الله؟ قَالَ: “أن تَقتُلَ وَلَدكَ مَخَافَة أنّ يَطعَمَ مَعكَ” قلت: ثُمّ أي يا رسول الله؟ قَالَ: “أن تُزَاني حَلِيلَةَ جَارِكَ” رواه البخاري ومسلم. الزنا كله حرام ولكن أشد الزنا الزنا بالمحارم والزنا بحليلة الجار، فهو أشد جرمًا، لأن الجار أُتِي من مأمنه، إذ إن الجار يَتوقع من جاره الذب عنه وعن عِرْضه، ويأمن بوائقه وشروره، ويطمئن إليه، ويعتقد أن جاره من أبعد الناس عما يسوءه، فإذا قابل هذا الجار هذه الثقة بالزنا كان ذلك من أعظم الذنب.

وفي الختام أَظهِرِ الفرح لفرحِهِ والحزنَ لحُزْنِهِ .. استر ما بدا من عورته… واصفح عن زلته، لا تتطلع على حرَمِهِ… أعِنْهُ إذا استعانك وأقرضه إذا استقرضك وأرشده إلى ما يجهله من أمر ديِنِه، وعامله بما تحب أن يعاملك الناس به.

ولو نظرنا إلى عادات سادات المسلمين وما كان عليه أجدادنا من الامتثال بما أوصى به حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام لَعَلِمنا أننا اليوم مقصّرون في مراعاة الجار وإكرامه فالكثير من الناس اليوم لا يُحسن إلى جاره فضلا عن كونه لا يعرف من هو جاره الذي يُجاوره من سنين أو لا يسلّم عليه أو لا يكلمه.

رُوِيَ عَنْ سَهْلٍ التستريِّ وكان من كبار الصالحينَ أنهُ كانَ لَهُ جارٌ مَجُوسِيٌ فَانْفَتَحَ خَلاءُ الْمَجُوسِيِّ إلَى دَارِ سَهلٍ فَأقَامَ سَهْلٌ مُدَّةً يُنحِي في الليلِ ما يَجْتَمِعُ مِنَ القَذَرِ في بيتِهِ حَتَّى مَرِضَ فدعَا المجوسِيَّ وأخبَرهُ بأنَّهُ يَخْشَى أَنَّ ورثَتَهُ لا يَتَحَمَّلونَ ذلكَ الأذَى كمَا كانَ يَتَحَمَّلُهُ فَيُخَاصِمُونَ المَجُوسِيَّ، فَتَعَجَّبَ المجوسيُّ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى هذَا الأذَى العَظِيمِ، ثم قالَ لَهُ: تُعَاوِنُنِي بذلِكَ هذهِ المُدَّةَ وأنا على دينِي مُدَّ يَدَكَ لأُسْلِمَ فَمَدَّ يَدَهُ فَأَسْلَمَ ثم ماتَ سهلٌ رضيَ اللهُ عنه.

فتدارك نفسك أخي المؤمن وأصلِح ما بينك وبين جارك فخير الجيران عند الله خيرهم لجاره، أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.