الرزق

الرزق مقسوم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمي الأمين وعلى آله وأصابه المكرمين الطاهرين، وبعد:

تكلمنا في بعض ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يبين ويذكر أن الله قسم الأرزاق فلا يعترضن الواحد منا على ربه عز وجل إذا رزقه رزقا قليلا فإن ربنا عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

وَقِيلَ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رضي الله عنه خَرَجَ إِلَى حَاتِمٍ وَرَحَّبَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ التَّخَلُّصُ مِنَ النَّاسِ ؟ قَالَ: “أَنْ تُعْطِيَهُمْ من مَالِكَ وَلَا تَأْخُذْ مِنْ مَالِهِمْ، وَتَقْضِي حُقُوقَهُمْ وَلَا تَسْتَقْضِ أَحَدًا حَقَّكَ، وَتَحْتَمِلَ مَكْرُوهَهُمْ وَلَا تُكْرِهْهُمْ عَلَى شَىْءٍ، وَلَيْتَكَ تَسْلَمُ”

وقال رضي الله عنه أيضا: “لَوْ أَنَّ صَاحِبَ خَبَرٍ جَلَسَ إِلَيْكَ لَكُنْتَ تَتَحَرَّزُ مِنْهُ، وَكَلَامُكَ يُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ فَلَا تَحْتَرِزُ” !!!!!!

وإن هذه الأيام العصيبة التي تـمر على المسلمين، يتميز فيها الصادق مع الله من غير الصادق، وذوو التضحيات والإخلاص عن الذين يستغلون الفرص بأنانياتهم، ويتميز الجشع عن الذي يُؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي” أي إن جبريل أوحى وألقى في قلبي: “أنّ نَفْسًا لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها” يدل على أن أعمارنا محدودة وءاجالنا محتومة، فمن لـم يمت بالسيف مات بغيره، وأن أرزاقنا معلومة وأن غيرنا لا ينال شيئًا من رزق كُتب لنا، وأن أنفاسنا معدودة، فالأمراض والآفات لا تعجل في الأجل، ودوام الصحة والعافية والشباب والقوة لا يؤخر الأجل بل كلٌّ يـموت بانقضاء أجله، وكل يأكل رزقه الذي كُتب له، ولا أحد يستطيع أن يؤخر عزرائيل ولا أن يعجله. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام يعلمنا القناعة بقوله: “خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ” وهو القائل عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحاكم في المستدرك: “كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ”

ومما تَقَدَّمَ يَتَبَيَّن ما يأتي:

أولا: الإيمان بأن الآجال والأرزاق مقسومةٌ معلومة، لا يجلبهما حرصُ حريص، ولا يردُّهما كراهية كارهٍ.

ثانيًا: أن هذا لا يمنع الأخذ بالأسباب التي شرَعَ اللهُ لعباده الأخذَ بها، قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ سورة البقرة.

ثالثًا: أن يسعى العبدُ في طَلَب الرِّزق الحلال، وأن يجتنبَ الحرامَ والأسبابَ المؤدِّية إليه.

رابعًا: ألاَّ يَطلب الرزقَ بجشعٍ وحرص، ولْيستحضر قولَه صلى الله عليه وسلم: “مَن كانت الآخرة همَّه، جَعَلَ اللَّهُ غِناهُ في قَلْبِه، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كانَتِ الدُّنيا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بين عينيه، وفرَّق عليه شملَه، ولم يأتِه من الدنيا إلاَّ ما قُدِّر له” رواه الترمذي

خامسًا: أن يسلك الإنسان طريق الاستقامة، فقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ سورة الجن، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ سورة الطلاق، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سورة الأعراف.

سادسًا: المداوَمة على الاستغفار والتوبة: قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا  يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا   وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ سورة نوح. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: “مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ومِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”

سابعًا: صلة الأرحام: فقد روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: “مَنْ أحبَّ أنْ يُبسَطَ لَهُ في رِزقه، وأن يُنْسَأَ له في أَثَرِه (أي في أجله) فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”

في الرِّزْقِ أَسْبابٌ تَحُوْزُ العُمْرا

                                                       فَاعْزِمْ إذَا مَا قد عَزَمْتَ الْفَجْرا

وَازْرَعْ جَميلا إنَّما في أرْضِهِ

                                                     إنْ تَزْرَعِ الْمَعْرُوفَ تَحْصِدْ خَيْرا

وَاحْذَرْ شَقاءً لا يَؤُوبُ سَعادَةً

                                                 وَتَيَمَّنِ الْبَرَكاتِ تَلْقَ الْبِشْرا

لَسْتَ الشَّقِيَّ إذا حُرِمْتَ تَنَعُّمًا

                                                   في هذه الدُّنْيا وَحُزْتَ الأجْرا

وإذا ابْتُليتَ ففي الْمَكارِمِ غُنْيَةٌ

                                                    فَخُذِ الْبلاءَ إلى الْمَعالِيْ جِسْرا

ما ضَرَّ عَبْدٌ قد تَوَكَّلَ صَادِقًا

                                                     فَقْرٌ، ولا داءٌ سَيَبْقى دَهْرا

وَاصْبِرْ فإنَّ الصَّبْرَ بابٌ وَاصِلٌ

                                                       واللهُ يَجْعَلُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا

قصة عن الرزق تبين أهمية التفكر في أن الرزق مقسوم

روى البيهقي في شعب الإيمان عن الْأَصْمَعِيِّ، يَقُولُ: ” أَقْبَلْتُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ مَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ فَبَيْنَا أَنَا فِي بَعْضِ سِكَكِهَا إِذْ أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ جِلْفٌ جَافٍ عَلَى قَعُودٍ لَهُ، مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَبِيَدِهِ قَوْسٌ، فَدَنَا وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي الْأَصْمعِ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْأَصْمَعِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ مَوْضِعٍ يُتْلَى كَلَامُ الرَّحْمَنِ فِيهِ، قَالَ: أتعرف شيئا من كلام الرحمن فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: أَتْلُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: انْزِلْ مِنْ قَعُودِكَ، فَنَزَلَ وَابْتَدَأْتُ بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَذَا كَلَامُ الرَّحْمَنِ؟ قُلْتُ: إِي وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَلَامُهُ أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ، فَقَامَ إِلَى نَاقَتِهِ فَنَحَرَهَا بِسَيْفِهِ، وَقَطَّعَهَا بِجِلْدِهَا وَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى تَفْرِقَتِهَا، فَوَزَّعْنَاهَا عَلَى مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ كَسَّرَ سَيْفَهُ، وَقَوْسَهُ، وَجَعَلَهَا تَحْتَ الرَّمْلَةِ، وَوَلَّى مُدْبِرًا نَحْوَ الْبَادِيَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا تَغَيَّبَ عَنِّي فِي حِيطَانِ الْبَصْرَةِ، أَقْبَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَلُومُهَا، وَقُلْتُ: يَا أَصْمَعِيُّ، قَرَأْتَ الْقُرْآنَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَمَرَرْتَ بِهَذِهِ وَأَمْثَالِهَا وَأَشْبَاهِهَا فَلَمْ تَتَنَبَّهْ لَمَّا تَنَبَّهَ لَهُ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لِلرَّحْمَنِ كَلَامًا، فَلَمَّا قَضَى اللهُ مِنْ أَمْرِي مَا أَحَبَّ، حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا أَخْبَرَنَا بِهَاتِفٍ يَهْتِفُ بِصَوْتٍ رَقِيقٍ: تَعَالَ يَا أَصْمَعِيُّ، تَعَالَ يَا أَصْمَعِيُّ، قَالَ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِالْأَعْرَابِيِّ مَنْهُوكًا مُصْفَرًّا، فَجَاءَ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَأَجْلَسَنِي وَرَاءَ الْمَقَامِ، فَقَالَ: اتْلُ مِنْ كَلَامِ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ الَّذِي تَتْلُوهُ فَابْتَدَأْتُ ثَانِيًا بِسُورَةِ الذَّارِيَاتِ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِهِ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] صَاحَ الْأَعْرَابِيُّ، وَقَالَ: قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، هَلْ غَيْرُ هَذَا لِلرَّحْمَنِ كَلَامٌ تحفظه؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا أَعْرَابِيُّ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} [الذاريات: 23]: فَصَاحَ الْأَعْرَابِيُّ عِنْدَهَا وَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ، مَنْ ذَا أَغْضَبَ الْجَلِيلَ حَتَّى حَلَفَ؟ أفَلَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتَّى حلف قَالَهَا: ثَلَاثًا وَخَرَجَتْ نَفْسُهُ “.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.