القناعة و التعفف

القناعة و التعفف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم وسار على منوالهم إلى يوم الفصل والدين: أما بعد:

رُوي عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: “القناعة كنز لا يفنى” أيْ كأنَّها لا تَفْنى .

فقد مَدَحَ القرءانُ العظيمُ أهلَ الصُّفَّةِ وتعفُّفَهم وقناعتهم حيثُ قالَ ربُّنا تبارَكَ وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ سورة البقرة.

هؤلاءِ الذينَ تعفَّفُوا عنِ السؤالِ، تعفَّفوا عنِ المَسْأَلَةِ، تعفَّفُوا عنِ الطَّلَبِ، تعففوا عنْ طَلَبِ المالِ مِنَ النّاسِ فيَحْسَبُهُمْ مَن لا يعرفُ حالَهُمْ أغنياءَ لإظْهارِهِمُ التَّحَمُّلَ وترْكِهِمُ المسألةَ أيْ طلبَ المالِ، ولذلك فال ربنا: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ومدحهم بهذه الصفة حيث قال: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.

ومِنْ هؤلاءِ أحبابنا أبو هريرةَ رضي الله عنه وأرضاه صاحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي كانَ يُغْشَى عليهِ من شدَّةِ ألَمِ الجوعِ ولَمْ يلْجَأْ إلى أكْلِ المالِ الحرامِ، فقد روى البخاري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: ” واللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْجُوعِ ” تخيَّلْ معي أخي صاحبًا مِنْ أصحابِ رسول الهدى محمَّدٍ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، مِن خيرةِ أصحابِ سيدنا محمدٍ يعْتَمِدُ بِكَبِدِهِ على الأرضِ منَ الجوعِ.

قال رضي الله عنه: وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنْ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمْ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ (أيْ لِيَدْعوهُ أحَدُهُم) فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ءايَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، (أي أنه رضي الله عنه لم يعرف مراده) ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ءايَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَءانِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: “يَا أَبَا هِر” قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “الْحَقْ” وَمَضَى، يا حبيبي يا رسول الله، يا نبي الرحمة والمرحمة! الفقيرُ الجائعُ الذي يعتمِدُ بِكَبِدِهِ على الأرضِ يتلطف به رسولُ الله ويقولُ لهُ «أبا هِرٍ» وهوَ مَعَ جوعِهِ وأَلمِه يقولُ «لبَّيْكَ يا رسولَ الله»، قال أبو هريرة: فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ (أي حليبًا) فَقَالَ: “مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟” قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ، قَالَ: “أَبَا هِر” قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي” قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ (أي قد يفوتني منها نصيبٌ) فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ ؟؟!!  (يعني أبو هريرةَ أنَّ هذا اللَّبنَ قليلٌ جدًا بالنّسْبةِ لأهْلِ الصُّفَّةِ وكانَ عدَدُهُمْ قريبَ المائتين) كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُدٌّ، (أيْ لا بُدَّ مِنْ طاعةِ الله وطاعةِ رسولِ الله) قال: فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنْ الْبَيْتِ، فقَالَ عليه السلام: “يَا أَبَا هِر” قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “خُذْ فَأَعْطِهِمْ” قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ: “أَبَا هِر” قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ” قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “اقْعُدْ فَاشْرَبْ” فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: “اشْرَبْ” فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: “اشْرَبْ” حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: “فَأَرِنِي” فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ صلى الله عليه وسلم الْفَضْلَةَ.

فيا أخي، ارفعْ نفسَكَ بالتقوَى فإنَّ عِزَّها بتَقْوى الله، ولا تُعْطِ نفسَكَ هواها فإنَّ شِفاءَها بِمُخالَفَتِها، فإنْ كنتَ ممَّنْ لا تستحقُّ الصدقةَ فلا تطلُبْها، فقد قالَ عليهِ الصلاةُ والسّلامُ: “لا تَحِلُّ المسألةُ لغنيّ ولا لذي مِرَّةٍ سويّ” أَيْ: لا تَحِلُّ الشَّحاذَةُ لِمُكتفٍ ولا لشخصٍ قويّ يستطيعُ الكسْبَ.

وعنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنهُ قال: “إنَّ الله يحبُّ العفيفَ المتعفّفَ ويُبْغِضُ الفاحِشَ البذيءَ السّائِلَ المُلْحِفَ الذي إِنْ أُعْطِيَ كثيرًا أَفْرَطَ في المدحِ وإِنْ أُعْطِيَ قليلا أفْرَطَ في الذَم”

فيا أخي المؤمنَ عَوّدْ نفسَكَ القناعةَ، اقْنَعْ بما قسَمَهُ الله لكَ، ولا تَنْظُرْ إلى مَنْ هوَ أعلى منكَ في أمرِ الدُّنيا بلِ انظُرْ إلى مَنْ هوَ دونَكَ، وقَدْ رُوِيَ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: “القناعةُ كَنْزٌ لا يفْنى” أيْ كأنَّها لا تَفْنى .

فليتَّقِ الله كلُّ واحدٍ منّا ولْيؤْثِرِ الآخرةَ، ولْيُؤْثِرْ ما يبقَى على ما يفْنَى، وليَكُنْ كما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “كُنْ في الدنيا كأنَّكَ غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ”

ورُوِيَ أنَّ سيدنا المسيح عيسى ابنَ مريمَ عليهِ السلامُ قال له رجلٌ: يا نبيَّ الله أكونُ معَكَ، فانْطَلَقا فانْتَهَيَا إلى شَطّ نَهَرٍ فجَلَسَا يَتَغَدَّيانِ ومَعَهُمَا ثلاثةُ أَرْغِفَةٍ فأكلا رغيفَيْنِ وبَقِيَ رغيفٌ، فقامَ سيدنا المسيح عيسى عليهِ السلامُ إلى النَّهَرِ فشَرِبَ منهُ ثمَّ رجَعَ فلم يجِدِ الرغيفَ، فقالَ للرجلِ: “مَن أخذَ الرَّغِيفَ؟” قالَ: لا أدرِي، فانطلقَ ومعَهُ الرجلُ فرأى ظَبْيَةً (غزالةً) ومعَهَا وَلَدَانِ لها، فدَعا واحِدًا فأتاهُ فذَبَحَهُ واشْتَوَى منهُ فأكلَ هوَ وذلكَ الرجلُ، ثمَّ خاطبَ سيدنا المسيح عيسى عليهِ السلامُ الظبيَ بعدَ أنْ ذَبَحَهُ وأكلا منهُ وقالَ لهُ: “قُمْ بإذنِ الله عزَّ وجَلَّ” فقامَ، فقالَ للرجلِ: “أسألُكَ بالذي أراكَ هذهِ الآيةَ مَن أخذَ الرغيفَ؟” قالَ: لا أدرِي، فانطلقا حتى انْتَهَيَا إلى مَفَازَةٍ (أي فلاة) فجَمَعَ سيدنا عيسى صلى الله عليه وسلم تُرابًا وكَثِيبًا (أي رَملا) ثمَّ قالَ: “كُنْ ذَهَبًا بإذنِ الله عزَّ وجلَّ” فصارَ ذَهَبًا، فَقَسَّمَهُ ثلاثةَ أقسام فقالَ: “ثُلُثٌ لي وثُلُثٌ لكَ وثُلُثٌ للذِي أخَذَ الرغيفَ”

فقالَ الرجل: أنا الذي أخَذْتُ الرغيفَ !!!!!!!! فقالَ لهُ سيدُنا عيسى عليهِ السلامُ: “كلُّهُ لكَ” وفَارَقَهُ، فانتهى لهذا الرجلِ الذي أخذَ الذهبَ رَجُلانِ أرادا أنْ يأخُذَا منهُ الذهبَ ويَقْتُلاهُ، فقالَ لهما: هوَ بَيْنَنَا أَثْلاثًا، فقَبِلا ذلكَ، فقالَ: يذهَبُ واحدٌ إلى القريةِ حتى يشتريَ لنا طعامًا، فذهَبَ واحدٌ واشترى طعامًا وقالَ في نفسِهِ: لأيّ شىءٍ أُقَاسِمُهُمَا في هذا المالِ؟ أنا أجعَلُ في هذا الطعامِ سُمًّا فَأَقْتُلُهُمَا وءاخُذُ هذا المالَ جميعَهُ، فجعلَ في الطعامِ سُمًّا، وقالا فيمَا بينهما: لأيّ شىءٍ نجعَلُ لهُ الثلثَ؟ إذا رجَعَ إلينا قتلناهُ واقْتَسَمْنَا المالَ نِصْفَيْنِ، فلما رجَعَ إليهما قَتَلاهُ، ثمَّ أكلا الطعامَ المَسْمُومَ فماتا، فبقِيَ ذلكَ المالُ، بقيَ الذهبُ في المفازةِ (أي الفلاة) وأولئكَ الثلاثةُ قَتْلَى عندَهُ، فمَرَّ عليهِم عيسَى المسيح عليهِ الصلاةُ والسلامُ وهُمْ على تلكَ الحالِ، فقالَ: “هذهِ الدنيا فاحْذَرُوها”. وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.