النميمة ومعنى الفتنة

معنى الفتنة في اللغة وتحذير من النميمة

كلمة الفتنة ، في اللُّغة ، تأتي بمعانٍ كثيرة ، من جملة معانيها التعذيبُ بالتَّحريق ، وذلك مثل ما ورد في القرآن الكريم من نحوِ قوله تعالى في سورة البروج (( إنَّ الذينَ فَتَنُوا المؤمنينَ والمؤمناتِ ثمَّ لم يتوبوا فلهم عذابُ جَهَنَّمَ ولهم عذابُ الحريق ))[ 10].. فمعنى (( فَتَنُوا ))  هنا عذَّبوا بالتحريق ..

ومن جملةِ معاني الفتنةِ أيضًا الاختبارُ والابتلاء ، وذلك مثل ما جاء في قول الله تعالى في سورة طه لموسى عليه الصلاة والسلام (( وفَتَنَّاكَ فُتُونا ))[ 40] ،ومعناه ابتليناكَ ابتلاءً بإيقاعِك في الْمِحَنِ وتخليصِك منها .. وأمَّا الفُتُونُ فهو مصدرٌ كالقُعُودِ .. أو هو جمعُ فتنة ، فيكونُ المعنى فَتَنَّاكَ ضُروبًا وأنواعًا من الفِتَنِ ..

وتأتي الفتنةُ أيضًا بمعنى المحنة .. وكُلُّ ما يَبْتَلِي اللـهُ بهِ عبادَه يقالُ له فتنة .. قال الله تعالى في سورة الأنبياء (( ونَبْلُوكُمْ بالشَّرِّ والخيرِ فتنةً ))[ 35] ..

ومن جملةِ معاني الفتنةِ الكُفْرُ والشِّرْك والعياذ بالله تعالى ، فقد قال الله تعالى في سورة البقرة (( وقاتِلوهم حتَّى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدِّينُ لله ))[ 193]. ومعناه : قاتلوا أيها المسلمونَ مَنْ كَفَرَ بالله حتَّى لا يَكُونَ في الأرضِ شِرْكٌ ويَكُونَ الدِّينُ خالصًا لله لا يُعْبَدُ دونَه شيء ..

أما قَوْلُ الله تعالى في سورة البقرة (( والفتنةُ أشدُّ من القتلِ ))[ 191]معناهُ : الشِّرْكُ أكبرُ ذنبًا عندَ الله من قتلِ المؤمنِ ظلمًا . المشركونَ كانوا قد عابوا المسلمينَ لأنهم قاتلوا في الشَّهْرِ الحرام . فرَدَّ الله عليهم بأنهم متلبِّسون برأسِ الذَّنب وأشده وهو الشِّرْكُ فكيفَ يَعِيبونَ على المسلمينَ قتالَهم في الشَّهْرِ الحرام وهم مُتَلَبِّسُونَ برأسِ الذَّنب وهو الشِّرْكُ . الله تعالى ما أرادَ بالفتنة هنا النميمة .

الذي يُفَسِّرُ الفتنةَ في هذه الآيةِ بالغيبة فيقولُ إنَّ الغيبةَ أشدُّ من قتلِ المسلم بغيرِ حَقٍّ فهذا كذَّب أحاديث أخرى تبين أن الغيبة ليست أشد من القتل وإنما الذي هو أشد من القتل هو الكفر بالله والعياذ بالله تعالى . وحتى إن الذي يُفَسِّرُها بالنميمة فهذا لا يجوز ، فليست النميمة أشدَّ من القتل وإنما الكفر بالله هو أشد من القتل ، فقد رو البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود قال: «سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ عندَ الله؟ قال: أن تجعلَ للَّهِ ندّاً وهوَ خَلَقَكَ. قلتُ إنَّ ذلك لعظيم، قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: وأن تَقْتُلَ وَلَدَكَ تخافُ أن يَطعمَ معك، قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزاني حَليلةَ جارِك». وهذا الموافق لقوله تعالى في سورة الفرقان :” والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ولا يزنون ” .

أما النَّميمةُ فهي حرام ولكنها ليست أشد من القتل وهي نقلُ القولِ بين اثنينِ لإيقاعِ البغضاء بينهما . وهي من جملةِ معاصي اللِّسانِ . وهي من الكبائرِ لأنها قولٌ يُرادُ بهِ التفريقُ بينَ اثنينِ بما يَتَضَمَّنُ الإفسادَ والقطيعةَ بينهما أو العداوة . ويُعَبَّرُ عنها بعبارةٍ أخرى وهي نقلُ كلامِ النَّاسِ بعضِهم إلى بعضٍ على وجهِ الإفسادِ بينَهم . يقولُ لهذا فلانٌ قال فيكَ كذا ، ويقولُ لذاكَ فلانٌ قال فيكَ كذا ، وذلكَ لأجلِ أنْ يتقاتلا أو يتعاديا أيْ للإفسادِ بينَهما . والنَّميمةُ أَشَدُّ إثمًا من الغيبة . يقولُ الله تعالى في سورةِ القلم (( همَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم )) .. وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” لا يدخلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ ” .. رواه البُخَارِيُّ .. والقَتَّاتُ النَّمَّامُ .. وليس معنى الحديثِ أنَّ النَّمَّامَ لا يدخلُ الجَنَّةَ أبدًا إذا ماتَ على الإسلامِ وإنما معناهُ لا يدخلُها مَعَ أَوَّلِ مَنْ يدخلُها بل يدخلُها بعد أنْ يقاسيَ ما يقاسي من أهوال الآخرة ، هذا إنْ جازاهُ الله ولم يَعْفُ عنه . والنَّمِيمَةُ وعدمُ التَّـنَـزُّهِ من البولِ أكثرُ أسباب عذاب القبر .

وأمَّا قولُه تعالى (( والفتنةُ أكبرُ من القتلِ ))[البقرة/217]فمعناهُ الشِّرْكُ أشدُّ من القتلِ ، وليس معناهُ أنَّ مُجَرَّدَ الإفسادِ بينَ اثنينِ أشدُّ من قتلِ المسلمِ ظلمًا ، ليس هذا معناه ، بلِ الذي يعتقدُ ذلكَ يرد ما ذكرنا من الحديث والآية الصريحة في بيان أشدِّ الذنوب لأنه من المعلومِ من الدِّينِ عند الخَاصَّةِ والعَامَّةِ أنه لا شيءَ أكبرُ ذنبًا من قتلِ المسلمِ ظلمًا إلَّا الكفرُ ، ومَنْ أنكرَ هذا فهو معاندٌ للدين لا عُذْرَ له . قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” لَزَوَالُ الدُّنيا أَهْوَنُ عندَ الله من قتلِ رَجُلٍ مسلم ” .. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ في (سننه) ..

يقولُ الله تعالى في سورةِ المائدة (( مِنْ أجلِ ذلكَ كَتَبْنَا على بني إسرائيلَ أنه مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بغيرِ نَفْسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنما قَتَلَ النَّاسَ جميعًا )) ..

وقد قيلَ في قول الله تعالى في سورةِ النساء (( ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فجزاؤُه جَهَنَّمُ خالدًا فيها وغَضِبَ الله عليهِ ولَعَنَهُ وأَعَدَّ لهُ عذابًا عظيمًا )) عِدَّةُ تأويلاتٍ . أحدُها أنَّ الآيةَ تتحدَّث عن القَتْلِ الذي يكونُ لغرضٍ دنيويٍّ ليسَ غيرَ ذلك ومن غيرِ استحلالٍ للقتل وأنَّ المرادَ بالخلودِ الخلودَ النسبيَّ لا الخلودَ الأبديَّ .. والثاني أنَّ المرادَ بهذه الآيةِ هو الذي يقتلُ المؤمنَ مُسْتَحِلًّا قتلَه بغيرِ حَقٍّ ، فهذا مخلد في نار جهنم ليس بمسلم .. والثالثُ أنَّ المرادَ بهذه الآيةِ الذي يقتلُ المؤمنَ لإيمانهِ ، وهذا أيضًا  له نفس الحكم .

والحمدُ لله رَبِّ العالَمين …