بر الوالدين

بر الوالدين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الفصل والدين : أما بعد :

لقد أرسل الله تعالى أنبيائه بالهدى والبينات، فدعوا إلى الخير ومكارم الأخلاق، التي من جملتها بر الوالدين، فكان مما أنزل الله على نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله تعالى في سورة الإسراء : ” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ” .

فالله تعالى أمرنا أمرا مقطوعا به وذلك بأن لا نعبد إلا إياه، وأمرنا كذلك بالإحسان إلى الوالدين، والإحسان إخوة الإيمان هو البر والإكرام، ولا يكون ذلك في حال كونهما أقوياء أصحاء فقط، بل الإحسان إليهما إذا كبرا وصارت حاجتهما للرعاية أكثر، وكثير من الناس في هذا الزمن من يترك رعاية والديه إذا صارا كبارا، بل منهم من يتمنى موتهما حتى يتخلص من خدمتهما أو لأجل الميراث، ومنهم من يترك أبويه ويقطعهما لتحقيق رغبات زوجته لأنها لا تحب رؤيتهما فينسى فضلهما عليه فيما مضى، وقد صح في الحديث الذي رواه الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أعظم الناس حقا على المرأة زوجها وأعظم الناس حقا على الرجل أمه ” .

ثم إن من هؤلاء قُساة القلوب من يحتج بأن والديه أساءا إليه في صغره فهو يعاملهما بالمثل، والحكم في شرع الله أنه لا يسقط بر الأب والأم عن الولد لكونهما أساءا إليه في صغره، فمن أضاعه أبوه وأمه في صغره ليس له أن يقابل تلك الإساءة بالإساءة، ولا يجوز له أن يقول: كما أنهما لم يرحماني وأنا صغير فأنا اليوم أعاملهما بالمثل، فمن فعل ذلك وقع في وزر كبير وهو وزر العقوق الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: ” لا يدخل الجنة عاق ” أي لا يدخلها مع الأولين، وليس المعنى أنه محروم من الجنة أبدا حتى لو مات مسلما، بل المعنى أنه لا يدخل الجنة إلا بعد أن ينال عقابه الذي استحقه وهذا إن مات من غير توبة من ذنبه، والذي يحسن لأبويه اللذين ظلماه يكون له عند الله أجر عظيم، وذلك لأنه لم يقابل الإساءة بالإساءة ، قال تعالى “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ” .

فبر الوالدين عباد الله طاعة عظيمة، وأما العقوق فذنب عظيم، ومعنى العقوق إيذاء الوالدين أو أحدهما أذى ليس بالهين، والله تعالى يعجل للعاق عقوبته في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب، فقد روى الحاكم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ” .

وروى الإمام أحمد وأبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال : ” ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده ” أي إن كان على حق في دعائه .

وقد نهى الله تعالى عباده حتى عن قول (أف) للوالدين فقال سبحانه : “ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ” ، فإذا كان قول أف للوالدين وهو صوت يدل على التضجر قد نهانا الله عنه، فما بالكم بالشتم والإيذاء، فالعبد مأمور بأن يستعمل مع والديه لين الخلق وإن أغضباه بشئ يكرهه لقوله تعالى ” وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ” أي لا تكلمهما ضجِرا صائحا في وجههما، ولا تنهرهما عن شئ أحباه لا معصيه لله فيه، فلو كان في طلبهما معصية للرحمن فلا يجوز للابن أن يطعهما لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد: ” لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل ” .

ومعنى قوله تعالى “وقل لهما قولا كريما ” أي قولا لينا لطيفا أحسن ما تجد كما يقتضيه حسن الأدب، متذللا لهما كتذلل العبد لسيده ، ومعنى قوله تعالى “واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ” أي ألن لهما جانبك متذللا لهما من فرط رحمتك إياهما وعطفك عليهما، وتذكر أنك بالأمس في صغرك كنت أفقر خلق الله إليهما، فمن الذي كان يزيل عنك النجاسة، ومن كان يسهر الليالي لأجل صحتك ، وقد قال العلماء إن برَّ الأمهات عند الله أعظم ثوابا من بر الآباء، وعقوق الأمهات أعظم ذنبا من عقوق الآباء وما ذاك إلا لعظيم فضل الأم وما تحملته وقدمته لولدها في سبيل تربيته، وليس في هذا تنقيص لبر الآباء، فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أحق الناس بحسن صحابتي ؟  قال: ” أمك، قال ثم من ؟ قال: ثم أمك، قال ثم من ؟ قال: ثم أمك، قال ثم من ؟ قال: ثم أبوك” .

ومن الناس من أكرمهم الله بأشياء في دنياهم قبل ءاخرتهم بسبب البر فها هو سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتيه رجل وهو يحمل أمه على كتفيه يطوف بها بالكعبة المشرفة وهو يقول: يا ابن عمر أتراني وفيتها حقها ؟ فقال: ” ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن قد أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرا “. وثبت في البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال: ” أحي والداك ؟ قال نعم قال: ففيهما فجاهد ” وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يبايعه على الهجرة وغلظ عليه فقال ما جئتك حتى أبكيتهما يعني والديه قال: ” ارجع فاضحكهما كما أبكيتهما ” .

فالويل ثم الويل لعاق والديه، والخزي كل الخزي لمن ماتا غضابا عليه، أف له هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه، أتبع الآن تفريطك في حقهما أنينا وزفيرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ ، كم ءاثراك بالشهوات على النفس، ولو غبت ساعة صارا في حبس، حياتهما عندك بقايا شمس، لقد راعياك طويلا فارعهما قصيرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ ،كم ليلة سهرا معك إلى الفجر، وإن مرضت أجريا دمعا لم يجر، تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكف والحجر سريرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ ، يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك، كم جرعاك حلوا وجرعتهما مريرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ ، أتجزي الإساءة في مقابل الإحسان، كيف تعارض حسن فضلهما بقبيح العصيان، ثم ترفع عليهما صوتا جهيرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ ، تحب أولادك طبعا، فاحبب والديك شرعا، وارع أصلا أثمر لك فرعا، واذكر لطفهما بك وطيب المرعى أولا وأخيرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ ، تصدق عنهما إن كانا ميتين، وصل رحمهما واقض عنهما الدين، واستغفر لهما واستدم هاتين الكلمتين، واصطبر  لذلك وما صبرك إلا يسيرا “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا “ …..

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لبر أمهاتنا وءابائنا وأن يثبتنا على طاعته إنه نعم المولى ونعم النصير.