تجنَّبوا الكذب فإنه مَهْلَكَة

إن من معاصي اللِّسَانِ الكَذِبُ، وهو عند أهلِ الحَقِّ الإخبارُ بالشَّيْءِ على خلافِ الواقعِ عَمْدًا أيْ مَعَ العِلْمِ بأنَّ خبرَه هذا على خلافِ الواقع، فإنْ لم يَكُنْ مَعَ العِلْمِ بذلكَ فليس كَذِبًا مُحَرَّمًا، وهو حرامٌ بالإجماعِ سواءٌ كانَ على وجهِ الجِدِّ أو على وجهِ المزحِ ولو لم يَكُنْ فيهِ إضرارٌ بأحد .

فعن عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال قال رسولُ الله ﷺ:” عَلَيْكُمْ بالصِّدْقِ فإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ وما يزالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حتَّى يُكْتَبَ عندَ الله صِدِّيقًا وإيَّاكُمْ والكَذِبَ فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ وما يزالُ العَبْدُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الكَذِبَ حتَّى يُكْتَبَ عندَ الله كَذَّابًا”. رواهُ التِّرْمِذِيُّ في (سُنَنهِ) وصَحَّحَهُ .. وقولهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام :” يَهْدِي إلى الفُجُورِ ” معناهُ : الكَذِبُ وسيلةٌ إلى الفُجُور ..

وما أكثرَ مَنْ هَلَكَ باستعمالِ الكَذِبِ في الْهَزْلِ والمزحِ، وأَشَدُّ الكَذِبِ ما كانَ يَتَضَمَّنُ تحليلَ حرامٍ أو تحريمَ حلالٍ أو ترويعَ مسلم.

ويجوزُ الكَذِبُ من أجلِ الوصول إلى مصلحةٍ مباحةٍ مُنِعَ منها ولا يمكنُ الوصولُ إليها إلَّا بالكَذِبِ بشرطِ أنْ لا يُلْحِقَ الضَّرَرَ بغيرِه . أمَّا أنْ يُوَرِّطَ غيرَه فليسَ له حَقٌّ .

وكذلكَ يجوزُ الكَذِبُ للضَّرورة لإنقاذِ نفسهِ أو شخصٍ مسلمٍ من ضَرَر .

بل قد يكونُ الكَذِبُ واجبًا كما لو سألكَ إنسانٌ عن مسلمٍ ليَضْرِبَهُ أو ليُصَادِرَ مالَه ظلمًا ولو صَدَقْتَهُ الجَوَابَ لَتَوَصَّلَ إلى ذلكَ ، فيجبُ عليكَ الكَذِبُ في هذه الحال لأنكَ إنْ لم تَكْذِبْ تَضُرُّ ذلكَ المسلمَ .. ومَنْ يَكْذِبُ لإنقاذِ مسلمٍ من الضَّرَرِ له ثوابٌ ..

ويجوزُ للرَّجُلِ أنْ يَكْذِبَ على زوجتهِ ليُطَيِّبَ خَاطِرَهَا إنْ كانتْ نافرةً منه نُفُورَ نشوزٍ حتَّى تعودَ إلى طاعته

ويجوزُ الكَذِبُ للإصلاحِ بينَ مسلمَينِ حَصَلَ بينَهما تنافرٌ، وكذلكَ الكَذِبُ للإصلاحِ بينَ زَوْجَينِ حَصَلَ بينَهما تنافرٌ بأنْ يقولَ لهذا فلانٌ قال عنكَ كذا أيْ من المدحِ وللآخَرِ يقولُ مثلَ ذلكَ مَعَ أنَّ هذا في الحقيقةِ لم يحصُل، ويَدُلُّ على ذلكَ حديثُ البخاريِّ عن أُمِّ كُلثومٍ بنتِ عُقْـبَةَ أنها سمعتْ رسولَ الله ﷺ يقول :” ليس الكذَّابُ الذي يُصْلِحُ بينَ النَّاسِ فيَنْمِي خيرًا أو يقولُ خيرًا“.

وقال رسولُ الله ﷺ:” لا يَحِلُّ الكَذِبُ إلَّا في ثَلاثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امرأتَه لِيُرْضِيَهَا والكَذِبُ في الْحَرْبِ والكَذِبُ لِيُصْلِحَ بينَ النَّاس ” .. رواهُ التِّرْمِذِيُّ في سُننهِ وحَسَّـنَه ..

ويجوزُ أنْ يَكْذِبَ الشَّخْصُ كذلكَ ليسترَ على نفْسهِ كأنْ كانَ يشربُ الخمرَ ثمَّ تاب ثمَّ سألهُ شخصٌ هل كنتَ تشربُ الخمرَ فقال :” لا ” ، أيْ ليسترَ على نفْسهِ خوفًا من أنْ يُشِيعَ ذلكَ الشَّخْصُ الخبرَ هنا وهنا وهنا .

وكما تَقَدَّمَ فإنَّ الكَذِبَ لا يَصْلُحُ في جِدٍّ ولا في مَزْحٍ، لا مَعَ الكبيرِ ولا مَعَ الصَّغيرِ، وقد نهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يَعِدَ الرَّجُلُ صبيَّه بشيءٍ وفي نيَّتهِ أنْ لا يُوَفِّـيَهُ ما وَعَدَهُ.

وأمَّا ما يُسَمِّيهِ بعضُهم كَذْبَةً بيضاءَ فهو باطلٌ يجبُ تحذيرُ النَّاسِ منه، وهم يَعْـنُونَ بقولهِم هذا أنَّ هذا الكَذِبَ لا يُسَبِّبُ ضَرَرًا للنَّاسِ، ويدخلُ في ذلكَ ما يُسَمِّيهِ بعضُ النَّاسِ كَذْبَةَ نَيْسَانَ، فإنَّ هذا ممَّا يجبُ تحذيرُ النَّاسِ منه.

وقد قال رسولُ الله ﷺ:” إني لَأَمْزَحُ ولا أقولُ إلَّا حَقًّا” أخرجهُ الطَّبَرَانيُّ في المعجمِ الكبير، فأَفْهَمَنا ﷺ أنه يمزحُ ولكنَّه لا يقولُ إلَّا الصِّدْقَ والحقَّ من غيرِ أنْ يُؤْذِيَ أحدًا.

ثمَّ إنَّ الكذبَ إذا لم يَكُنْ فيهِ إضرارٌ بمسلم ولا تكذيبٌ للشَّرعِ فهو من المحرَّماتِ الصَّغائرِ وإلَّا فهو من الكبائرِ.