تربية الأبناء

كيف تربي أولادك

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين.

يقول الله تعالى: ﴿يَأيُّها الذين ءامنُوا قُوا أنفُسَكم وأَهلِيكُم نارًا وَقُودُها النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُوْنَ مَا يُؤمَرُوْنْ﴾ (التحريم ٦)

وقد فسر  سيدُنا عليٌّ كرَّم الله وجهَه قول الله تعالى: ﴿يَأيُّها الذين ءامنُوا قُوا أنفُسَكم وأَهلِيكُم نارًا ﴾ فقال: ” أي عَلّـِموا أنفسَكم وأهليكم الخيرَ “رواه الحاكم.

إن تربيةَ الأولاد التربيةَ الحسنةَ من أهمّ الأمور وأوكدِها، فالولد أمانةٌ عند والدَيه، وقلبُه جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ عن كل نَقشٍ، وهو قابل لكل ما نُقِشَ، ومائلٌ إلى كل ما يُمالُ إليه، فإن عُوّدَ الخيرَ وعُلّـِمَه نشأ عليه وسُعد فى الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، وشارَكَه فى ثوابه أبوَاه وكلُّ معلّـِم ومؤَدِّب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِه” رواه مسلم، ولقوله عليه السلام: “مَا مِنْ رَجُلٍ تُدرَكُ لَهُ بِنْتَانِ فَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ أَو صَحِبَهُمَا إِلا أَدْخَلَتَاهُ الجَّنَةَ” رواه ابن ماجهْ.

وإن عُوّد الطفلُ الشَّرَّ وأُهمِل إهمالَ البهائمِ أي عُومِل معاملةَ البهائم فإنه قد يسلكُ طريقا لا تحمد عقباه، فيكون بعد بلوغه من أهل الآثام ويكون الوِزْرُ أيضا على القَيّـِم عليه الذي ترك تربية أولاده من غير تعليم للدين ولا توجيه، وصيانةُ الأولاد تكون بتأديبهم وتعليمهم أمور الدين مما فرض الله على عباده أن يتعلموه، وتعليمهم محاسنَ الأخلاق وبِحفظِهم من قُرناء السُّوء وما أكثرَهم في هذه الأيَّام.

فوقايةُ النفسِ والأهلِ من نار جهنّمَ تكونُ بتعلّمِ أمورِ الدين وتعليمِ الأهلِ ذلك، فإنَّ مَن لم يتعلمْ علمَ الدينِ يتخبّطُ في الجهل ولا يَعرفُ الحلالَ والحرام فيقعُ فيما لا يُرضي اللهَ تبارك وتعالى، وقد يقعُ في الكفر والعياذ بالله فيَسخَطُ اللهُ عليه ويكونُ مآلُهُ في الآخرةِ إن ماتَ على الكفرِ أن يدخلَ النارَ خالدًا فيها، لا تلحقُه شفاعةُ شافعٍ وليس له نصيرٌ ولا يرحمُه اللهُ، وما ذاكَ إلا لأنه أهملَ تعلّمَ علمِ الدِّين من أهل المعرفةِ الصادقين، فمِن هنا كان دورُ الأهلِ في تنشئةِ أولادِهم تنشِئةً إسلاميّةً صحيحة، فحِرصُكَ على أمورِ معيشتِهم في الدُّنيا ليس أولى مِن حرصِك على ما ينفعُهم في الآخرة، فالأَولى أن تتابعَهم وأن تحثَّهم على ما ينفعُهم في الآخرة، ولا شكَّ أنّ مِن علماءِ أهلِ السنّة والجماعة مَن ألّفَ وكَتبَ الدُّرَرَ عن تربية الأولاد وعمّا يجبُ على وليِّ الصبيّ والصبية كأمرِهِمَا بالصلاة والصيام وهم أبناءُ سَبْعٍ، وتعليمِهما أمور الاعتقاد الضرورية وتعليمهما يجبُ كذا ويحرمُ كذا، كحُرمة السَّرِقةِ والزنا واللواط، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “مُرُوْا أولَادَكُمْ بِالصَلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ” رواه أبو داود.

 قال الحافظُ الفقيه ابنُ الجوزيِّ في كتابه (حفظُ العِلم): ” إنَّ الولدَ إن صارَ مُمَيِّـزًا فإنّ أولَ ما يُعلّمُ شىءٌ في العقيدة ثم شىءٌ في الطهارةِ ثم شىءٌ من القرءان”.

وقد انتشر  في مجتمعاتِنا اليوم أمورا كثيرة تسببت في انحرافِ وفسادِ كثيرٍ منَ الشبابِ اليومَ بل وقد تُوصِلُ البعضَ إلى الكفر  والإلحاد والعياذ بالله، فيا أيّها الأبُ تابعْ ولَدَكَ على تعلُّمِ علمِ الدِّين ويا أيتها الأم علمي أولادك ما ينفعهم في أمور دنياهم وءاخرتهم لينشؤوا على الصلاح والتقوى.

فأيُّ واحدٍ منَّا قبلَ أن يشتريَ لولدِه سَيارةً أو يأذنَ له بقيادةِ السَّيارة يتأكدُ من أنه يُتقِنُ القيادةَ جيّدًا خوفًا عليه وحِرصًا عليه، فبالله عليكم أليسَ مِن بابِ أَولى أن تتأكدَ مِن ولدِك أنه عندَه الميزانُ الشَّرعيُّ حِرصًا على دِينه؟ ثم مَن يُصاحبُ ومعَ مَنْ يمشي ويسهرُ في الليالي؟ هل هؤلاء بِطانةُ خَيرٍ تدلُّهُ على الخير، تُذكِّرُة بالصلاة، تقولُ له: هذا حلالٌ وهذا حرام؟ أم هؤلاءِ رُفَقَاءُ السُّوءِ الذينَ يصحَبونَه إلى الحرامِ ويدفعونَ به نزولا، لينزلَ وينزلَ وينزلَ حتى يصلَ إلى الحضيضِ فتستحِي بعدَ ذلك أن تقولَ هذا ولدِي، وإن أهملته تصل إلى وقت لا يجدي النصح نفعا معه.

ويا أيها الأهل إن تابعتُم أولادكم ماذا يفعلُون على الإنترنت أو بماذا يستعملُونه أو بماذا يستعملُون هواتفهم أو مَن يصاحبُون أو ماذا يشاهدُون في الليلِ على الفضائيات، هذا ليس تعقيدًا ولا تخلُّفًا ولا تدخلا منكم بما لا يعنيكم ولا تشكيكا واتهاما لهم، بل هذا من بابِ حرصِكم على أولادِكم ذكورًا وإناثًا، هذا من باب عنايتِكم بهم، وإلا لا أستبعدُ أنّ تبكيَ قلوب الأهل قبلَ أن تظهرَ الدُّموعُ في أعيُنِهم حُزنًا على ما ءالَتْ إليه أوضاعُ بعضِ أولادِهم منَ الانحرافِ والضّيَاع، ولكنْ طالما أنفاسُك في صدرِك لا تَملّ ولا تخجلْ، ولا تلتفتْ إلى كلامِ الجهالِ الذين لا فَهم لهم ولا عبرةَ بكلامهم، اثبُت على النصيحةِ والمتابعةِ والتربية والعناية بمجالسِ علمِ الدينِ لكَ ولأولادِك وأهلِ بيتك.

 ولا يقال ما يقوله بعض الجهلة من الناس: ما يزال صغيرًا لا يعي ما تعطونه إيَّاه، فهؤلاء يقال لهم ما قاله الإمام الغزاليُّ فى كتابه إحياء علوم الدين بعد أن ذكر مسائل الاعتقاديات: “واعلم أن ما ذكرناه ينبغي أن يُقدَّم للصبيّ فى أول نشوئه فَيَحفَظَهُ حفظًا ثم لا يزال ينكشف له معناه فى كِبَرِه شيئًا فشيئًا ” اهـ. ثم يُعَلَّم القرءانَ وأحاديثَ الأخيار وحكايات الأبرار وأحوالَهم ليَنغرِسَ فى نفسِه حُبُّ الصالحين فيصير عنده إقبال أكثرُ ليقتدىَ بهم، فإن لم يشغل الولد بذلك ينشغل بما لا ينفعه وقلبه يتعلق بأمور تافهة، الإمام الشافعيّ رحمه الله حفظ القرءان وهو صغير لأن أهله اهتموا بذلك فبلَغ ما بلغ من علو المرتبة فى العلم والتقوى، وكثير من العلماء من حفظ القرءان في سن السابعة، بل ورد أن واحدا من العلماء كان حفظ القرءان الكريم كاملا وهو ابن أربع سنين وكان إذا جاع يذهب إلى أمه يبكي، وما يحزن في زماننا أن نرى أبنائنا يحفظون الأغاني عن ظهر قلب وبعرفون أحوال المطربين ولاعبي كرة القدم بالتفصيل ولا يعرفون كثيرا من الأمور المهمة في الدين ولا يعرفون الصالحين والعلماء العاملين، وهذا غالبا بسبب تقصير الأهل مع أبنائهم وعدم رعايتهم وتعليمهم، وبعض الأهل في هذا الزمان هم بحاجة إلى التربية والتعليم لينقلوا ذلك لأولادهم.

قال سهلُ بنُ عبدِ الله التُّسْتَرِىُّ الولِىُّ العارفُ بالله: “كنت وأنا ابنُ ثلاث سنين أقوم بالليل أي أستيقظ فأنظرُ إلى صلاة خالي محمدِ بنِ سَوَّارٍ، فقال لي يوما: ألا تذكُر اللهَ الذى خلقكَ؟ فقلت: كيف أذكُرُه؟ قال: قُل بقلبكَ عند تقلُّبِك فى ثيابك، أي عندما تريد أن تنام ثلاث مرات من غير أن تحرّك به لسانك: الله معي، (أي أن الله تعالى يراه وعالم بحاله) قال:. فقلتُ ذلك لياليَ ثم أعلمته فقال: قل ذلك كل ليلة سبعَ مرات، فقلت ذلك ثم أعلمتُه فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلته فوقع فى قلبي حلاوتُه أي لذَّتُه، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتُك ودُم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك فى الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة فى سري أى فى قلبي، ثم قال لي خالي يوما: يا سهلُ، مَن كان الله معه ويراه أيعصِيه؟ إياك والمعصيةَ، ثم بعثوا بي إلى الكُتَّاب فتعلمتُ القرءانَ وحفظتُه وأنا ابن ستّ أو سبعِ سنين، وكنتُ أصوم الدهرَ، وقُوتِى من خبز الشعير بغير مِلح ولا أُدْمٍ، ثم خرجت أسيح فى الأرض سنين ثم رجعت إلى تُستَر. وكنت أقوم الليل كلَّه ما شاء الله تعالى” اهـ. قال الإمام أحمدُ بن حنبل: “فما رأيتُه أكل المِلحَ حتى لقِىَ اللهَ تعالى”.

ثم إن حسن التربية أن لا تعود أولادك التَّنعُّمَ عملا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: “إيَّاكَ والتنعُّمَ، فإنَّ عِبَادَ اللهِ لَيْسُوْا بِالمُتَنَعّـِميْن” رواه البيهقيّ، ولا يُحبَّبُ إليه الزينةُ وأسبابُ الرَّفاهيَّة فيُضَيّـِعَ الولدُ عُمُرَه فى طلبِها.

وأوَّلُ ما يغلِب على الولد بعد سنتين أو ثلاث سنوات شَرَهُ الطعام، فينبغي أن يُعَلَّم مراعاة الأدب فيه، وذلك بأن لا يأكل كثيرا تجنبا للسمنة فإن كثيرا من العلل والأمراض بسبب كثرة الطعام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ” ما ملأ ابن ءادم وعاءا شرا من بطنه ” وبأن لا يأخذَ الطعام إلا بيمينه، وأن يقولَ عليه بسم الله عند تناوله، وأن يأكلَ مما يليه، وأن لا يُسرعَ في الأكل، وأن يُجيدَ المضغَ، وأن لا يُوالِىَ بين اللُّقَمِ، ولا يُلطّـِخَ يدَه وثوبَه، وأن يُعَوَّدَ الخُبزَ والماءَ في بعض الأحيان حتى لا يصيرَ يرى اللحمَ حتمًا، فهذا يساعده على كسر نفسه فى المستقبل، فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن لا يعوّد الناسُ أنفسَهم على أكل اللحم دائما فقال: “أوَ تشترُون كلَّ شىء تشتهون؟”.

 ويُقبَّح عنده كثرةُ الأكل بأن يُشبَّه كلُّ من يُكثِرُ الأكلَ بالبهائم، ويُمدح عنده الصبيُّ القليلُ الأكلِ، ويُحبَّب إليه قلةُ المبالاة بالطعام والقناعةُ بالقليل منه، ويُعلَّمُ أن الرِّفعَة فى الإعطاء لا فى الأخذ لحديث: “اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُفْلَى” رواه البخاري.

 ويُعلَّم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه، وأن الموت يقطع نعيم الدنيا فهي دار ممر لا دار مقرّ، وأما الآخرة فهى دار المقرّ، وأن الموت مُنتَظَر فى كل ساعة، وأن الكَيّـِسَ العاقلَ من تزوَّد من الدنيا إلى الآخرة.

فإن كان النشوءُ صالحًا كان هذا الكلام عند البلوغ واقعًا مؤثرًا ناجحا يثبت فى قلبه كما يثبت النقش فى الحَجَر، وإن وقع النشوء بخلاف ذلك حتى ألِفَ الصبىُّ اللعبَ والفُحشَ والوقاحةَ وشَرَهَ الطعام واللباس والتزيُّنَ والتفاخُرَ، نَبَا قلبُه أي ابتعد عن قَبول الحقّ نَبْوَةَ الحائطِ عن التراب اليابس (لا يعلق على الحائط). فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعَى.

إننا نُحسِّنُ الظنَّ بكم وبأولادِكم ولكنْ لا تُخالفونَا الرأيَ، وذا دور الناصح وكل داع إلى الله دورُهم تعليم العقيدةِ والتحذير منَ الضلالِ والأمر بالمعروف والنهي عنِ المنكر وتوعية الناس وتنبيههم إلى الأخطار المُحدِقة بهم؟.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.