حكم لعب الميسر ( القمار )

حكم لعب الميسر ( القمار )

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد المصطفى، وعلى ءاله وصحابته أولي الوفا

وبعد: فإن الله تبارك وتعالى خلقنا لعبادته وأنعم علينا بنعم لا نحصيها وأوجب علينا شكره بالإيمان به وطاعته بأداء ما أمرنا الله به واجتناب ما نهانا الله تعالى عنه، ولا يتم الشكر الواجب إلا بذلك.

ومن جملة ما نهانا الله تعالى عنه القمار ، فقد قال ربّنا في القرءان العظيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (سورة المائدة ءاية 90 – 91)

و الميسِرُ هو القمار ، وفي هذه الآية تأكُّدُ تحريم الخمر والميسِر من وجوه، فإن صَدْرَ الآية فيه (إنَّما) وَقَرَنَ الخمر والميسِر بعبادة الأصنام وجعلهما رِجْسًا من عمل الشيطان فإنه لا يأتي منه إلا الشر البَحْتُ، وأَمَرَ المؤمنين بالاجتناب وجعل الاجتناب من الفلاح فقال: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

 وإذا كان الاجتنابُ فلاحًا فماذا يكون الارتكاب… لايكون إلا خُسرانا، وإنما جمع الخمر والميسِر مع الأنصاب والأزلام أوّلا ثم أفردهما ءاخِرًا، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} لأن الخطاب مع المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالـميْسِرِ، وذكرَ الأنصابَ والأزلامَ لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهارِ أنّ ذلك جميعًا من أعمال أهلِ الشرك، ثم أفردها بالذكر ليُعْلَمَ أنهما المقصودُ بالذكر.

فمن الآفات التي أصبح مجتمعنا يشكو منها أكل أموال الناس بالباطل، أي أكل أموال الغير ظلمًا وعدوانًا كالغصب والخيانة والاحتيال والخداع والغش في المعاملات والقمار، ولايخفى ما في القمار من ضرر وأذى على حياة الفرد، فإنه إذا كَسَبَ المال فهو من أكل أموال الناس بالباطل وإن خَسِر ماله فضرره واضح، وقد يُضَيِّع بسبب ذلك نفقة أهله وأولاده الصغار الواجبة عليه، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} وفي هذه الآيات الكريمة ينهانا الله سبحانه وتعالى عن أكل أموال الناس بالباطل بشتى أنواع الطرق والوسائل، وقوله تعالى: {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} أي أن تكون تجارة حرة شريفة بعيدة عن المرواغة والغش والخداع.

و القمار يجعل الإنسان يعتمد على الحظ والصدفة والأماني والأحلام الكاذبة، دون الاعتماد على الله عز وجل والتوكل عليه في مباشرة الأعمال الدنيوية المشروعة، هذا ومن جهة أخرى فإن الإسلام يعتبرالمال الحلال له حرمة، فلا يجوز أكله بالباطل، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ” رواه مسلم، إلا عن طريق معاملة شرعية أو عن طيب نفس منه بهبة أو صدقة، أما أخذه منه غصبا عن طريق القمار فهذا هو عين الحرام وأكل المال بالباطل.

فإن كنت قد ابتُليت بالقمار فاسمع منّي وتقبل نصحي لعل اللهَ ينفعُك بقولي، فإن كانت نفسُك تحدثك أنك بالقمار تحصل على مال كثير بغير جهد وتعب، فاعلم أن الله قد قسم الأرزاق فلا يصل إليك أكثر مما هو مقسوم لك فخذه من طريق الحلال ولا تغترّ فإن الغالب على المقامر الخسارة والإفلاس.

 وإن كانت نفسك تحدثك أنك تجرب مرة أو مرات قليلة فإن خسرت المال تركت القمار، فاعلم أن الذي يلعب القمار غالبًا لا يقف عند أول خسارة لماله وإنما يُزَّيِّنُ له الشيطانُ الأملَ بالربحِ في المرة التالية والتي بعدها والتي بعدها فإذا أفلس جرَّهُ ذلك إلى تحصيل المال من أيّ طريق كان بقطع النظر عن الوسيلة، فلا يتورّعُ لأجل تحصيل المال عن السرقة واغتصاب الأموال حتى من أقرب الناس إليه.

 بل إن بعضهم بزعمه قد يبيعُ أطفاله وزوجته حتى يحصل على شىء من المال ليُقامر به ويحصّل لذّاته المحرّمة ولو خَرّب ذلك بيته وتركه مفلسًا، فهل تُطاوِعُك نفسُك ويوافقك عقلُك أن تُعرّض نفسك لهذا الامتحان… لا والله لا يفعل العاقل بنفسه ذلك. وإن قلتَ أنا لا زوجة لي ولا ولد، فلن أضيّع حقًّا واجبًا فاحذر فإن طريق القمار قد يقودك إلى أن تسرق مال أبيك وأمك وغير ذلك من الطرق غير المشروعة…

ولا يخفى عليك ما يتولّد من القمار مِن الوبال بوقوع التعادي والتباغض بين أصحاب القمار ، بل قد يؤدي بك إلى القتل، فإن الشيطان يتربص ببني ءادم ليوقع بينهم العداوة والبغضاء لإهلاكهم، كما لا يخفى عليك ما يؤدي إليه القمار من الصدّ عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة والانشغال عن الواجبات.

وصدق الله العظيم حيث يجمع بين الخمر والميسر في ءاياته وأحكامه، فهو سبحانه يعطينا النتيجة المترتبة عن الخمر والميسر ويبين أضرارها على الفرد والمجتمع والأسرة والوطن والأخلاق بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}.

ثم إنك إن كسَبْتَ مالا من القمار فأكلته فقد عرَّضتَ بدنك للنار، أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”أيُّما لحمٍ نَبَتَ من حرامٍ فالنارُ أولى به“ رواه البيهقي في شعب الإيمان، وفي رواية عند أحمد: ” لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النّارُ أَوْلَى بِهِ ” فلا خير في لذّةٍ مِن بعدِها النار.

وأما صورة القمار المجمع على تحريمها فهي أن يدفع هذا مالا وهذا مالا ثم يأخذ الرابح مالَ الخاسر أو جزءًا منه والربح والخسارة المقصودان قد يكونان بلعبة الورق المزوّق أو بسباق الخيل أو بسحب أوراق اليانصيب أو اللوتو أو نحو ذلك، فكل هذا محرّم من الكبائر والعياذ بالله تعالى.

وفي إحدى المدن المشتهرة بالقمار في إحدى الدول الأوروبية، بات يعرف عندهم أماكن كثيرة مرتفعة يُلقي المقامرون أنفسهم منها لينتحروا بعد الإفلاس من كل ما يملكونه، فبعد أن يلعب المقامر على كل شىء يملكه بما فيها زوجته وسيارته فإذا خسر طاولة اللعب صعد إلى هذه الأماكن لينتحر والعياذ بالله، ذلك أن المقامر قليل الشرف والدين والضمير والأخلاق، لا يتحرج عن تقديم زوجته وبناته لكسب المال ليلعب به، ويبيع كل شىء تصل إليه يده ليقامر به حتى فراشه الذي ينام عليه، وهذه مسائل مشاهدة رأي العين في المقامرين تجده يقترض في أول الشهر وقد يسرق أو يأخذ من قوت أطفاله وكل ذلك من أجل القمار.

 ولقد اتخذ القمار في البلاد صفات وألوانًا متعددة، فهُيئت له النوادي، وبنيت له المراكز الخاصة به، وأصبح له رواد من الأغنياء والفقراء، وكل هذا من حملات الفساد التى دخلت على المجتمعات ولم تكن فيهم، و قد أطلقوا على القمار أسماء كثيرة فسموها باللوتو واليانصيب، ونشروها بين أبناء المسلمين ليستغلوا بها العقول ويستولوا بها على الضمائر، فَدَخَلَ القمار  في بعض البلاد الإسلامية بجميع أنواعه، وتعلقت قلوب الرجال والنساء والأطفال بالربح الخيالي الذي ينتظرونه في كل لحظة عن طريق الميسِر والقمار.

 والذي يفرح بهذا كله هم أعداء المجتمع الذين لاتشفق قلوبهم على تفكيك الأسر وهدم البيوت من وراء القمار، فكم من أولاد في الشوارع من غير تربية ولا تعليم وكان سبب هذا التشريد أبوهم المقامر، وكم من نساء خرجن للبغي والفساد بسبب القمار، وكم من أرواح أزهقت ونفوس قتلت وخاصة من الشباب بسبب هذا الداء العضال داء القمار والميسر، فاحذروا وحذروا من هذه المعاملة المحرمة، وهذا الفعل الشنيع الذي حرمه ربنا في كتابه وحرمه رسولنا عليه الصلاة والسلام في سنته وأجمع المسلمون على تحريمه حيث يؤدي العمل به إلى أكل أموال الناس بالباطل والاعتداء على أموال الناس وغصبها، والواجب على كل مسلم أن يكسب المال من الحلال ليكسبه من الطرق المشروعة النظيفة الخالية من الشبهة والريبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا” رواه مسلم.

فاحفظ نفسك أخي المسلم ولا تُهلِكها بعَرَضٍ مَن الدنيا قليل، فإن الناس غادِيان: فمُبتاعٌ نفسَه فمُعتقها، وبائعٌ نفسه فمُوبِقها، فانظر مِن أيهما أنت.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين