خطبة الجمعة : أداء الأمانة

أَدَاءُ الأَمَانَةِ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديْه ونشكرُه ونعوذُ بالله مِن شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِ اللهُ فلا مُضلّ لَه ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ولا مثيلَ له، وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعيُننا محمّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبه، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأمةَ، صلّى اللهُ وسلّمَ على سيدِنا وحبيبِنا محمَّدٍ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَه وعلى ءالِه وصَحبِه. عبادَ الله إنّي أوصيكم ونفسيَ بتقوى اللهِ العليّ العظيم، فاتقوهُ، أما بعدُ: يقولُ اللهُ تعالَى فِي سورةِ النساءِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فهذَا أمرٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بأنْ نؤديَ الأماناتِ كلَّها إلى مَنِ ائتمَنَنا عليها ولا نخونَ الناسَ، واعلموا عبادَ اللهِ أنَّ الأمانةَ فِي القولِ والعملِ مِنْ أعظمِ الصفاتِ التِي اعتَنى بها الإسلامُ وأعلَى مِنْ شأنِها وهيَ الصفةُ التي لازَمَتْ نبيَّنا ﷺ حتَّى اشتُهِرَ بهَا بينَ الناسِ قبلَ البعثةِ فكانَ يُلقبُ بـ (الصادقِ الأمينِ) فالأمانةُ صفةٌ تعطِي صاحبَها عادةً المهابةَ والاحترامَ وتجعلُه محطَّ ثقةِ الناسِ وتقديرِهم، فكانتْ لهُ ﷺ الوجاهةُ والصدارةُ في المجالسِ وثقةُ الناسِ في حلِّ مشكلاتِهم وحينَ أرادتْ قريشٌ أنْ تبنيَ الكعبةَ مِنْ جديدٍ، ووصلُوا إلى موضعِ الحجرِ الأسودِ اختلفُوا فيمَنْ يضَعُهُ فِي مكانِهِ، وتفرَّقَتِ القلوبُ، وأوشَكَتْ أنْ تقعَ بينَهم العداوةُ والبغضاءُ، ظهرَ نبيُّنا ﷺ، ففرحَ الناسُ واستبشَروا، واجتمعَتْ كلمَتُهم، وتوحَّدَ رأيُهم، وهدأتْ ثائرتُهم، برؤيتِهِ ﷺ، هاتفينَ «هَذَا الْأَمِينُ، يَا مُحَمَّدُ، قَدْ رَضِينَا بِكَ»، رواهُ الحاكمُ في المستدركِ، فقدْ ظهرتْ لنبيِّنا ﷺ في هذَا الموضعِ صفةُ الأمانةِ التِي وحَّدَتِ المجتمعَ وحفظتْ أمنَه واستقرارَه، فانتشارُ الأمانةِ أحدُ أهمِّ الأسبابِ لتحقيقِ الأمنِ والأمانِ ورخاءِ المجتمعِ واستقرارِه.

والأمانةُ إخوةَ الإيمانِ صفةٌ مِنْ صفاتِ أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ فكلُّهم موصوفونَ بالأمانةِ والفطانةِ والشجاعةِ، وحثَّ نبيُّنا ﷺ عليهَا وعدَّ فقدَها وتضييعَها مِنْ علاماتِ الساعةِ فقالَ ﷺ فيمَا رواهُ البخاريُّ: «إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانةُ فانْتَظِرِ السَّاعةَ»، وقالَ عزَّ وجلَّ في صفةِ المؤمنينَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.

وقد أشارَ الشرعُ الحنيفُ إلى أنَّنا سنُسأَل عمَّا ائتَمَنَنا اللهُ عليهِ فقدْ قالَ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيتِهِ»، متفقٌ عليهِ، فالموظفُ راعٍ في شأنِ وظيفتِه وهوَ مسؤولٌ عنْ أدائِهَا، والجنديُّ راعٍ فيمَا كلِّفَ به مِن عملٍ وهوَ مسؤولٌ عنهُ، والتاجرُ راعٍ في تجارتِه وهوَ مسؤولٌ عنهَا، والمرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها وهيَ مسؤولةٌ عن ذلكَ، والأبُ راعٍ في بيتِه وينبغي أنْ يهتمَّ بتنشئةِ الأولادِ على تَعَلُّمِ علمِ الدينِ وتطبيقِ أحكامِهِ فهوَ مسؤولٌ عنهُم، وهكذَا فإنَّ كلَّ مسلمٍ في أيِّ موقعٍ مِنَ المواقعِ ينبغِي أنْ يجتهِدَ فِي إتقانِ العملِ الذِي هو قائمٌ عليهِ، وأنْ يجتهدَ في التحلِّي بما تقتضِيهِ صفةُ الأمانةِ، ولْيُعلَمْ أنَّ مِنْ أهمِّ صورِ الأمانةِ الأمانةَ الشرعيةَ فمِنَ الأمانةِ الشرعيةِ أن نتعلَّمَ مَا افترضَ اللهُ علينَا مِنْ علمِ الدينِ ومِنَ الأمانةِ الشرعيةِ أنْ نأمرَ بالمعروفِ وننهى عنِ المنكرِ ومِنَ الأمانةِ الشرعيةِ الأمانةُ فِي الطهارةِ وفي الصلاةِ بأنْ نؤدِّيَهُما كمَا أمرَنا اللهُ عزَّ وجلَّ ومِنَ الأمانةِ الشرعيةِ أنْ نتجنَّبَ الفتوى بغيرِ علمٍ، فالأمانةُ في نقلِ الدينِ للناسِ أهمُّ مِنَ الأمانةِ في نقلِ المالِ معَ أهمِّيَتِها، فلو لمْ يكنِ الشخصُ الذي يتصدَّرُ لتدريسِ الناسِ دينَ اللهِ عزَّ وجلَّ أمينًا فإنَّه سيفتِي بفتاوى فاسدةٍ مخالفةٍ لشرعِ اللهِ فيُهلِكُ الناسَ والعياذُ باللهِ تعالَى، كَما ثَبَتَ فِى الصّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ لا يقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا ينْتزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، ولكِنْ يقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَماءِ حتَّى إذا لمْ يُبْقِ عالمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا فَسئِلُوا، فأفْتَوْا بغَيْرِ علمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا» نَسأَلُ اللهَ أَنْ يَقِيَنا مِثْلَ ذلِك.

واعلموا عبادَ اللهِ أنَّ الأمانةَ ضدُّ الخيانةِ فنحنُ مأمورونَ بالأمانةِ منهيونَ عنِ الخيانةِ فِي أيِّ عملٍ أُسنِدَ إلينَا فقدْ قالَ النبيُّ ﷺ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رواهُ الترمذيُّ، وقالَ تعالَى فِي سورةِ الأنفالِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وكانَ مِنْ عِظَمِ أمانةِ وتواضعِ بعضِ الفقهاءِ كالإمامِ الشافعيِّ رحمَه اللهُ تعالَى أنَّه كانَ لا يريدُ الإمامةَ فِي الصلاةِ خوفًا مِنْ تَحَمُّلِ الأمانةِ معَ أنَّهُ كانَ أفقَهَ أهلِ عصرِهِ وأعلَمَهُم وأحسَنَهُم صوتًا بالقراءةِ، وقدْ وصفَ النبيُّ ﷺ أباعبيدةَ بأنَّهُ أمينُ هذهِ الأمةِ معناهُ أنَّهُ كانَ متَمَكِّنًا فِي صفةِ الأمانةِ وليسَ معناهُ أنَّهُ لَا يوجدُ أمينٌ غيرُه.

نسألُ اللهَ أنْ يرزُقَنَا الأمانةَ فِي أقوالِنَا وأفعالِنَا، أقولُ مَا تسمعونَ وأستغفرُ اللهَ لي ولكُم…

الخطبةُ الثانيةُ:

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ: إنَّ مما جاءَ فِي الحثِّ علَى الأمانةِ قولَه ﷺ: «لَا إِيْمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ، معناهُ أنَّ المسلمَ لَا يكونُ كاملًا فِي الإيمانِ حتَّى يكونَ محافظًا علَى الأمانةِ.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهمّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، وجنبنا الفتن والآثام والشرور، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ اللهمّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ .