خطبة الجمعة : حرمة إيذاء المسلمين بغير حق وتتبع عوراتهم

حرمة إيذاء المسلمين بغير حق وتتبع عوراتهم

إنَّ الحَمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهد أنّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومُبَشّرًا ونَذيرًا، بَلَّغَ الرِّسالَةَ وأَدَّى الأمانَةَ ونَصَحَ الأمَّةَ فجَزَاهُ اللهُ عنَّا خَيْرَ ما جَزَى نبِيًا مِنْ أَنبِيائِهِ، اللهم صَلِّ وسَلِّمْ وأَنْعِمْ وَأَكْرِمْ علَى سيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعلَى ءالِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرين. أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإنّي أوصي نفسيَ وأصيكُمْ بِتَقوى اللهِ فاتَّقوهُ، إخوةَ الإيمانِ: لقدْ خلقَ اللهُ تعالى العبادَ وأنعَمَ عليهِمْ بنِعَمٍ كثيرةٍ، وحرَّمَ إيذاءَهم بغيرِ حقٍّ فقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ولذلكَ نجدُ أنَّه جاءَ فِي الشريعةِ الإسلاميةِ وجوبُ تحسينِ الظنِّ بالمسلمينَ وتحريمُ إيذائِهم والاعتداءِ عليهمْ بغيرِ حقٍّ وتتبعِ عوراتِهم وفضحِهم والعياذُ باللهِ تعالَى، فالمسلمُ الكاملُ لَا يفرحُ بخطأ إخوانِه مِنَ المسلمينَ، ولَا يتتبَّعُ زلَّاتِهم وهفواتِهم، ليشفيَ غلَّ صدرِه وقلبِه، بل ينبغي أنْ يكونَ سليمَ الصدرِ، نقيَ القلبِ، يحبُّ الخيرَ لإخوانِه كمَا يحبُّه لنفسِه ويكرهُ لهم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ. فليُعْلَمْ إخوةَ الإيمانِ أنَّهُ لَا يجوزُ انتهاكُ حُرُمَاتِ المسلمِ، وبثُّ عيوبِه وإشاعتُها أمامَ الناسِ فهوَ طريقٌ لوقوعِ المفاسدِ وإشاعةِ البغضاءِ فِي المجتمعِ وقدْ توعَّدَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى هذهِ الفئةَ بالعقوبةِ الشديدةِ فِي الدنيَا والآخرةِ فقدْ قالَ تعالَى فِي سورةِ النورِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقدْ قالَ ﷺ فيما رواهُ مسلمٌ: «لا يسْتُرُ عَبْدٌ عبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقيامَةِ»، وقدْ كانَ سيدُ الخلقِ وصاحبُ الخلقِ العظيمِ محمدٌ ﷺ إذا رأى عيبًا يبادرُ إلى إصلاحِه بالكلمةِ الحسنةِ واللينِ والرفقِ فقدْ روَى مسلمٌ عَنْ بعضِ الصحابةِ أنَّه أخطأَ في صلاتِه وصارَ يحدِّثُ عن تعاملِ النبيِّ ﷺ معَه فقالَ: بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي.

إخوةَ الإيمانِ ينبغي علينا إذا رأينا هفوةً مِنْ مسلمٍ أنْ ننصَحَهُ لَا أنْ نفضَحَهُ وأنْ نشفِقَ عليهِ لَا أنْ نفرَحَ بمعصيَتِهِ فالفرحُ بالمعصيةِ معصيةٌ كذلكَ، وقدْ نقلَ النوويُّ عنْ بعضِ الفقهاءِ أنَّهُ قالَ: ومهمَا عرفْتَ هفوةَ مُسلمٍ بحجةٍ لَا شكَّ فيهَا، فانصَحْهُ فِي السرِّ، ولَا يخدَعَنَّكَ الشيطَانُ فيدعوكَ إلَى اغتِيابِهِ، وإذَا وَعَظْتَهُ فَلَا تَعِظْهُ وأَنتَ مسرورٌ باطِّلاعِكَ علَى نقصِهِ، فينظرَ إليكَ بعينِ التعظيمِ، وتنظرَ إليهِ بالاستصغارِ، ولكنْ اقصِدْ تخليصَهُ مِنَ الإِثمِ، وأنتَ حزينٌ كمَا تخزَنُ علَى نفسِكَ إذَا دخلَكَ نقصٌ، وينبغِي أنْ يكونَ تَرْكُهُ لذلكَ النقصِ بغيرِ وعظِكَ أحبَّ إليكَ مِنْ تركِهِ بوعظِكَ.

وإنَّ مِنْ صورِ إيذاءِ المسلمِ إخوةَ الإيمانِ الاستطالةَ فِي عرضِ المسلمِ بالقذفِ أو الغيبةِ أو النميمةِ أو التجسسِ أو الهمزِ أو اللمزِ أو السخريةِ وقدْ نهى الشرعُ عن ذلكَ كلِّهِ فقدْ روَى مسلمٌ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَحاسدُوا ولا تناجشُوا ولا تَباغَضُوا ولا تَدابرُوا ولا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْوانًا المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم لا يَظلِمُه ولا يَحْقِرُهُ ولا يَخْذُلُهُ التَّقْوَى هَاهُنا -ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مرَّاتٍ- بِحسْبِ امْرِيءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المسلمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ». وقد رُويَ عنِ الإمامِ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ:

إذَا شئْتَ أَنْ تَحْيَا سلِيْمًا مِنَ الأَذَى … وَحَظُّكَ مَوْفُوْرٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ

لِسَانَكَ، لَا تَذْكُرْ بِهِ عَوْرَةَ امْرِئٍ … فَكُلُّكَ عَوْرَاتٌ وَلِلنَّاس أَلْسُنُ

وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا … فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ

وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى … وَفَارِقْ وَلَكِنْ بِالتِي هِيَ أحْسَنُ

رَزَقَنَا اللهُ الخلُقَ الحسن وَالاِقْتِدَاءَ بِالنبيِّ ﷺ وَجَمَعَنَا بهِ فِي جناتِ النعيمِ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.  هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.

الخطبةُ الثانيةُ:

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركُم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ إنَّ مِنْ سوءِ الأخلاقِ التِي نهَى الإسلامُ عنها تتبعَ عوراتِ المسلمينَ أيْ عيوبَهم وفضحَهم فقدْ قالَ ﷺ فيما رواه الترمذي: «صَعِدَ رَسُولُ الله الْمِنْبَرَ وخاطبَ المنافقينَ قائلًا: لاَتُؤْذُوا المُسْلِمينَ وَلَا تُعَيِّروهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ». والمعنى كمَا قالَ ملا عليٌّ القاري وغيرُه أنَّ مَنْ يَتَتَبَّعُ عيوبَ المسلمينَ يكشِفُ اللهُ عيوبَهُ للناسِ وليسِ أنَّ اللهَ يوصَفُ بِصفةٍ قبيحَةٍ والعياذُ باللهِ تعالَى فهوَ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ التِي تليقُ بهِ منزَّهٌ عنْ كلِّ مَا لَا يليقُ بهِ ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السميعُ البصيرُ.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، المتحابين فيك والمتناصحين فيك، والمتباذلين فيك، اللهم ارزقنا سبل الاستقامة لا نزيغ عنها أبدًا، وجنبنا الفتن والآثام والشرور وانقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة يا أكرم الأكرمين ، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ اللهمَّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهم وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهمّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ.