خطبة الجمعة : حسن الظن بالناس

خطبة الجمعة

حُسْنُ الظَّنِّ بالنَّاسِ خُلُقٌ رفيعٌ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوب إليه، ونعوذُ باللهِ منْ شُروُر أنْفُسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ الله فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شبيه له ولا مثل ولا ندَّ له، ولا حدَّ ولا جُثة ولا أعضاء له، أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهدُ أنّ سَيِّدَنَا وحبيبنَا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرّةَ أعيُنِنا محمَّدًا عبده ورسولُهُ وصفيُّه وحبيبُه، من بعثه الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشرًا ونذيرًا. اللهمّ صلِّ وسلِّمْ على سيِّدنا محمدٍ الدَّاعي إلى الخير والرَّشادِ، الذي سَنَّ للأُمةِ طريقَ الفلاحِ، وبَيَّنَ لها سُبُلَ النَّجاحِ، وأَوْضَحَ لها معنَى التَّحابِّ وعلى ءاله وصَفوةِ الأصحاب.

عبادَ اللهِ أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في محكمِ التنزيلِ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ  وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12)) سورة الحجرات. أخلاقٌ رفيعةٌ سامِيَةٌ هيَ الطَّريقُ إلى مقوِّماتِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ أَمَرنَا اللهُ تبارَك وتعالى بهَا في كتابِه العَزيز، وكلامِي اليومَ على الخُصوصِ منهَا عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ بعبادِ اللهِ، الذي نقيضُه سوءُ الظَّنِّ بهِمْ، وسأَتَكَلَّمُ عَنْ ءاثارِ كلٍّ منهُما، والمرادُ بالظَّنِّ هُنا يَا عبادَ اللهِ التُّهَمَةُ التي لَا سَبَبَ لهَا، كمَنْ يَتَّهِمُ رجلًا بالفاحشةِ مِنْ غيرِ أنْ يَظْهَرَ عليهِ ما يقتضيهِ، فَحُرْمَةُ المؤمِنِ عِنْدَ اللهِ عظيمةٌ، ولقدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: (إيَّاكُمْ والظَّنَّ فإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ) رواهُ البخاريُّ. فقولُه ﷺ: (إيَّاكُمْ والظَّنَّ) أرادَ بهِ النَّهْيَ عنْ تحقيقِ ظنِّ السَّوءِ وتصديقِه مِنْ غيرِ قرينةٍ مُعتبرةٍ شرعًا. ولذلكَ فإنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بعدَ أنْ حذَّرَ مِنْ سوءِ الظَّنِّ في الحديثِ الآنِفِ الذِّكْرِ عَقَّبَ بعدَ ذلكَ بقولِه: (ولَا تَحَسَّسُوا) وذلكَ أنَّ الشَّخْصَ يقعُ لهُ خاطِرُ التُّهَمَةِ فيريدُ أنْ يَتَحَقَّقَ فيَتَحَسَّسَ ويبحثَ ويَتَسَمَّعَ، فَنُهِيَ عَنْ ذلكَ. ثمَّ نهَى عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ في الحديثِ نفسِه بعدَ ذلكَ عنِ التَّحاسُدِ والتَّباغُضِ، تأمَّلوا يَا عِبَادَ اللهِ بدأَ بالنَّهيِ عنْ سوءِ الظَّنِّ بالمسلِم وعَطَفَهَا على التَّباغُضِ والتَّحاسُدِ لأنَّ أصلَهُمَا سوءُ الظَّنِّ، وذلكَ أنَّ المُباغِضَ والمُحاسِدَ يَحْمِلُ أفعالَ مَنْ يُبْغِضُهُ ويَحْسُدُهُ علَى أسوَإ مَحْملٍ. فانظُروا يا عبادَ اللهِ إلَى أينَ يَصِلُ سُوءُ الظَّنِّ بالشَّخْصِ!

رُوِيَ عَنْ عُمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: (لَا يحِلُّ لمسلِمٍ يسمَعُ مِنْ أخيهِ كلمةً أنْ يظُنَّ بهَا سوءًا وهوَ يَجِدُ لها في شىء مِنَ الخيرِ مَصدرًا) أي مَحْملًا، (شرح البخاري لابن بطال)، ومِنْ روائِعِ الأمثلةِ علَى حُسْنِ الظَّنِّ بالنَّاسِ جوابُ أبي أيوبَ الأنصاريِّ لزَوجَته عندمَا سألَتْهُ عمَّا يخوضُ الناسُ فيهِ مِنَ الكلامِ عنِ السيِّدةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا فقالَت: (ألَا تسمَعُ ما يقولُ النَّاسُ في عائشةَ؟) فأجابهَا: بَلى، وذلكَ الكَذِبُ، أكنتِ أنتِ يَا أمَّ أيُّوب تفعلينَ ذلِك؟) قالَتْ: (لَا واللهِ مَا كُنْتُ فاعلةً ذلكَ)، فقالَ: (فعائشةُ واللهِ خيرٌ منكِ، سبحانَ اللهِ هَذا بُهتانٌ عظيمٌ) فأنزَل اللهُ تعالى بأبي أيُّوب وزوجتِه قرءانًا يمدَحُهُما ويمدحُ حُسْنَ الظَّنِّ بالمؤمنينَ قالَ تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) سورة النور/12.

أخي المسلمَ ألستَ تحبُّ أنْ يعامِلَكَ النَّاسُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ؟ فَعامِلْهُمْ أنتَ بِمَا تُحِبُّ أنْ يعامِلوكَ بهِ، ألستَ تُحِبُّ أنْ يُحَسِّنَ النَّاسُ الظَّنَّ بِكَ ويتأوَّلوا لكَ أفعالَكَ علَى خيرِ مَحمَلٍ مَا وجَدُوا لذلكَ مَحمَلًا؟ فعَاملهُمْ أنتَ بِحُسْنِ الظَّنِّ. فإنَّا إنْ فَعَلْنا ذلكَ زادَتْ المودَّةُ بينَنا وتعاضَدْنَا حتَّى نصيرَ كالجسَدِ الواحدِ إذا اشتكَى منهُ عُضْوٌ تداعَتْ له باقِي الأعضاءِ بالحُمَّى والسَّهَرِ وصِرْنَا حقَّ الإخوةِ، ولقد قيل: (مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ طَابَ عَيْشُهُ).   أقولُ قوليَ هذا وأستَغْفِرُ اللهَ لِي ولكُمْ.

الخطبة الثانية.

الحمدُ للهِ وكفَى وأفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ السَّلامِ علَى مُحَمَّدٍ النَّبي المصطفَى وعلَى ءالِه وصحبِه أولِي الوَفا، عبادَ اللهِ اتَّقوا اللهَ وأطيعوهُ.

إخوةَ الإيمانِ ينبغِي علينَا تحسينُ الظَّنِّ بعبادِ اللهِ ولَا سيَّما الصالحينَ منهُم، وتأويلُ ما يظهَرُ منهُم بتأويلٍ حَسَنٍ مَا كانَ إلى ذلكَ سبيلًا، فقدْ روى مُسلمٌ أنَّ صفيَّةَ زوجَ النَّبيِّ ﷺ أتَتْهُ بحاجةٍ تُكَلِّمُهُ بهَا، فَمَرَّ بهمَا رجلانِ فلمَّا رَأَيَا انشغالَه معهَا أسْرَعَا بالمسيرِ فنَاداهُما وقالَ: (هذهِ صَفِيَّةُ)، فقالَا: سبحانَ اللهِ يا رسولَ اللهِ، فقالَ ﷺ: (إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابنِ ءادَمَ مَجْرَى الدَّمِ فِي العُروقِ وإنِّي خشيتُ أنْ يَقْذِفَ فِي قلوبِكُما شَيئًا). معنَى ذلكَ أيْ خَشِيْتُ أنْ يَقْذِفَ في قلوبِكُما شيئًا ممَّا لا يليقُ نسبتُه إلى نبيٍّ مِنَ الأنبياءِ فتَهْلِكَا، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ معرفةَ مَا يليقُ بالأنبياءِ مِنَ الصِّفاتِ ومَا يستحيلُ عليهِمْ من الصِّفاتِ أمرٌ مُتَأكَّدٌ لأَنَّ وَصْفَهُمْ بمَا لَا يليقُ بهِمْ أمرٌ شديدُ الخَطَرِ في العقيدةِ، فسارَعَ النبيُّ الشَّفوقُ العَطوفُ ﷺ إِلى إخبارِهمَا قَبْلَ أنْ يوقِعَهُما الشَّيطانُ في شىءٍ مِنْ ذلكَ.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمرَكم بأمرٍ عظيمٍ أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهمّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، المتحابين فيك والمتناصحين فيك، والمتباذلين فيك، اللهم نقِّ قلوبَنا مِنَ الدَّنَسِ وارزُقنَا حُسْنَ النِّيَّةِ، اللهم ارزقنا سبل الاستقامة لا نزيغ عنها أبدًا، وجنبنا الفتن والآثام والشرور وانقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة يا أكرم الأكرمين ، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ اللهمَّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهمّ وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهمّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهمّ فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن الأقصى يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ .