خطبة الجمعة مكتوبة : آداب الحوار

آدَابُ الحِوَارِ

الحمدُ للهِ الذي لَا يشغلُهُ شأنٌ عنْ شأنٍ وهوَ العزيزُ الحكيمُ، قَسَمَ عبادهُ قسمينِ فمنهم طائع وأثيم، وجعلَ مآلَهُم إلى دارينِ دارِ النعيمِ و دارِ الجحيم، أحمدُهُ سبحانَهُ بأنْ مَنَّ علينَا بهذَا الدينِ العظيم، وجعَلَنَا مِنْ أتباعِ نبيٍّ كريم، صاحبِ الخلقِ العظيم، والفضلِ العميم، محمدٍ خيرِ الأنامِ والمرسلين، وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا ونبيَّنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أصدقُ الناسِ فِي الأقوال، وأرشدُهُم فِي الأفعال، وأعدَلُهُم فِي الأحوال، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلَى آلِهِ وصحبِهِ خيرِ صحبٍ وآل، والتابعينَ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ المآل، أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكُمْ ونفسيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ فاتقوه: أمَّا بعدُ: أيُّها الإخوةُ المسلمونَ: فقد خلقَ اللهُ تعالى الخلقَ وجعلَ أحوالَهم مختلفةً متغيرةً لحكمٍ كثيرةٍ، قالَ تعالَى في سورةِ الرومِ: ﴿وَمِنْ ءايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾، وقد فضَّلَ اللهُ عزَّ وجلَّ الأنبياءَ علَى باقي البشرِ حيثُ قالَ تعالَى فِي سورةِ الأنعامِ بعدَ ذكرِ عددٍ منهُمْ: ﴿وَكُلًّا فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وبتفضيلِ اللهِ للأنبياءِ كانوا عليهمُ الصلاةُ والسلامُ فِي أعلى الدرجاتِ وهمُ الذينَ أُمِرُوا بتبليغِ شرعِ اللهِ للناسِ، وإذَا طَبَّقَ الناسُ مَا يأمُرُهُمُ الأنبياءُ عليهمُ السلامُ تنصلِحُ الأحوالُ ويرتفعُ الفسادُ، وقدْ خاطبَ الأنبياءُ الناسَ بالحجَجِ والبراهينِ والأدلةِ العقليةِ ليُثْبِتُوا لهمْ حَقِّيَّةَ دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولْنَأخذْ مثالًا مِنْ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ يدلُّ على ذكاءِ أنبياءِ اللهِ تعالَى وعلَى حُسْنِ مخاطَبَتِهِم للمشركينَ، ومثالُنَا هذَا وشرحُهُ كما فِي كتابِ عصمةِ الأنبياءِ للرازيِّ وكما قالَ القرطبيُّ والنسفيُّ فِي التفسيرِ وغيرُهُم هوَ دعوةُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ قومَهُ إلَى عبادَةِ اللهِ وحدَهُ وإقامةُ الحجةِ عليهم، فقدْ كانَ عندَهُ الحجةُ العلميةُ والبرهانُ العقليُّ علَى صحةِ دعوَتِهِ التِي أُرْسِلَ بهَا، وأرادَ أنْ يبينَ لقومِهِ أنَّ عبادَةَ الكواكبِ باطلةٌ، فَبَيَّنَ إبراهيمُ عليهِ السلامُ لقومِهِ أولًا أنَّ الكوكبَ والقمرَ والشمسَ لَا يصلُحُ أيٌّ منها للعبادةِ لأنَّهَا ذاتُ حجمٍ وحدودٍ وأنَّهَا متغيرةٌ وإذَا كانتْ متغيرةً فَلا تَصلُحُ للألوهيةِ، لأنَّهَا بحاجةٍ إلَى مَنْ يُغَيِّرُهَا وهوَ اللهُ تعالَى، فقدْ قالَ سيدُنَا إبراهيمُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عنِ الكوكبِ حينَ رءاهُ: ﴿هَذَا رَبِّيْ﴾، وهذَا علَى تقديرِ الاستفهامِ الإنكاريِّ فكأنَّهُ قالَ لهمْ: أهذَا ربِّي كمَا تزعُمُونَ، لذلكَ لَمَّا غابَ قالَ: ﴿لَا أُحِبُّ الآفِلِيْنَ﴾، أيْ لَا يَصلُحُ أنْ يكونَ هذَا الكوكبُ ربًّا لأنَّهُ يَأْفُلُ ويَتَغَيَّرُ، ولَمَّا لمْ يَفهمُوا مقصودَهُ وظلُّوا علَى مَا كانوا عليهِ، قالَ حينَ رأى القمرَ والشمسَ مثلَ ذلكَ، وأظهرَ بعدَ ذلكَ براءَتَهُ مِنْ هذَا الإشراكِ الذِي وقعُوا بهِ، وأمَّا إبراهيمُ عليهِ السلامُ فقد كانَ مؤمنًا عارفًا بربِّهِ كجميعِ الأنبياءِ لَا يشكُّ بوجودِ اللهِ طَرْفَةَ عينٍ، وكانَ يعلَمُ أنَّ الربوبيَّةَ لَا تكونُ إلَّا للهِ، لأنَّ الأنبياءَ والرسلَ جميعَهُمْ يستحيلُ عليهمُ الكفرُ قبلَ النبوةِ وبعدَهَا، فقد قال تعالَى فِي سورةِ الأنبياءِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾، وقالَ تعالَى فِي سورةِ الأنعامِ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، فكانَ حوارُ إبراهيمَ عليهِ السلامُ معَ قومِهِ حوارًا بنَّاءً يهدِفُ إلَى الدعوةِ إلَى اللهِ تعالَى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.

إخوةَ الإيمانِ ينبغِي علَى المُحَاوِرِ والمبَلِّغِ رسالةَ الحقِّ والداعيةِ إلَى الإسلامِ أنْ يكونَ حوارُه فَعَّالًا وأنْ يَتَحَلَّى بصفاتٍ مِنْ أهمِّهَا حُسْنُ المقْصِدِ والنيةِ فِي الدعوةِ إلَى الحقِّ، وأنْ يكونَ هَمُّ الْمُحَاوِرِ طلبَ الحقِّ وإيصالَهُ للآخرينَ، وليسَ الانتصارَ للنفسِ، وينبغي أنْ يكونَ متواضعًا بالقولِ والفعلِ، ويتجنَّبَ التكبرَ، فقدْ روَى أبو نعيمٍ عنِ الإمامِ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ أنَّهُ قالَ: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ، وَيَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللَّهِ وَحِفْظٌ. وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا وَلَمْ أُبَالِ بَيَّنَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ لِسَانِهِ»، فليسَ الهَمُّ عندَ المخلصِ أنْ ينتَصِرَ لنفسِهِ وإنَّمَا الهَمُّ أنْ يظهرَ الحقُّ، فنَاقِلُ الحقِّ إخوانِي والْمُدَافِعُ عنهُ يحزَنُ علَى حالِ الْمُخَالِفِيْنَ البعيدينَ عنْ دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ ويتمنَّى لهمُ الهدايةَ والصلاحَ، وهكذَا كانَ نبيُّنَا ﷺ يؤذِيْهِ المشركونَ وهوَ يقابِلُهُم بالعفوِ والحِلْمِ والصَّفْحِ والإحسانِ ويدعوهُمْ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ. نسألُ اللهَ أنْ يجعلَنَا هداةً مهديينَ غيرَ ضالِّينَ ولا مضلينَ …. أقولُ قوليَ هذَا وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ فيَا فوزَ المستغفرين…..

الخطبةُ الثانيةُ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونستهديهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنَا ومِنْ سيئاتِ أعمالنَا وأصلي وأسلمُ على سيدِنَا محمدٍ وءالِهِ وصحبِهِ عبادَ اللهِ أوصيكمْ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ وطاعتِهِ وأحذركم ونفسيَ مِنْ عصيانِهِ ومخالفةِ أمرِهِ: أمَّا بعدُ: إخوةَ الإيمانِ ينبغِي علَى المسلمِ الذي يريدُ الْمُحَاوَرَةَ وبيانَ الحقِّ، أنْ يَتَثَبَّتَ ويَتَبَيَّنَ قبلَ كلامِهِ معَ الآخرينَ، فيكونَ الحوارُ مبنيًّا علَى أُسُسٍ صحيحةٍ وتَثَبُّتٍ مِنَ الكلامِ المنقولِ فقدْ قالَ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواهُ مسلمٌ.

عِبادَ اللهِ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أمركم بأمرٍ عظيمٍ قد أمركم بالصلاةِ على نبيِّهِ الكريمِ فقالَ {إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ. اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات، اللهم اجعلنا من عبادك المحسنين، المتحابين فيك والمتناصحين فيك، والمتباذلين فيك، اللهم ارزقنا سبل الاستقامة لا نزيغ عنها أبدًا، وجنبنا الفتن والآثام والشرور وانقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة يا أكرم الأكرمين ، اللهمّ عليكَ بمنْ يكيدُونَ للإسلامِ والمسلمينَ اللهمّ خذهُمْ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ يا ربَّ العالمينَ اللهمَّ عليكَ بأعدائِكَ وأعداءِ نبيِّكَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ اللهمَّ أَرِحِ البلادَ والعبادَ مِن شرِّ أعداءِ الدينِ، اللهم وَحِّدْ صفوفَ المسلمينَ اللهمّ اجمعْ كلمةَ المسلمينَ اللهم فرج كرب المسلمينَ في كلِّ مكانٍ وثبتهم وانصرنا على من عادانا، اللهم فرج الكرب عن المسلمين في غزة وأرحنا من اليهود الغاصبين يا ربَ العالمين، اللهمّ اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ . ربنَا آتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنَا عذابَ النارِ وأدخلنَا الجنةَ معَ الأبرارِ برحمتكَ يا عزيزُ يا غفارُ ، عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ولذكرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يعلمُ ما تصنعونَ وأقمِ الصلاةَ .