سنن و آداب التعزية

التعزية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الغر الميامين وبعد:

فإن التعزية سنةٌ مؤكدةٌ لما رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسنٍ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُعزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلَا كَسَاهُ اللهُ سبحانه مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ”. ولحديث الترمذي وغيره: “مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ”.

معنى التعزية الأمر بالصبر والتحذير من الوِزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة وللمصاب،  روى ابن ماجه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على امرأة تبكي على قبر فقال لها: “اتَقِّي اللهَ وَاصْبِرِي” ثم قال: “إِنَّمَا الصَبْرُ” أي الصبر الكامل “عِنْدَ الصَدْمَةِ الأَولَى” أي إنما الصبر الشاق، الصعب على النفس الذي يعظم الثواب عليه، إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة النفس وتـثبتها وتمكُّنِها في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك. 

وقد قال العلماء: والتعزية لثلاثة أشياء:

 أحدها: تهوين المصيبة على المُعزى وحضه على التزام الصبر واحتساب الأجر والرضا بقدر الله والتسليم لأمره.

والثاني: الدعاء بأن يعوضه الله من مصابه جزيل الثواب.

 والثالث: الدعاء للميت والترحم عليه والاستغفار له.

وقت التعزية

وقت التعزية قبل الدفن من حين الموت وبعده إلى ثلاثة أيام تقريبًا كما صرح به الشيرازي في التنبيه، وقال السيوطي في شرحه على التنبيه ما نصه: “وهي بعده أفضل لاشتغال أهل الميت بتجهيزه إلا أن يرى من أهل الميت جزعًا شديدًا فيختار تقديمها لصبرهم”. اهـ

وفي شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري ما نصه: “(وتأخيرها) أي التـعزية (حتى يُدفن الميِّتُ أولى) منها قبله، لاشتغالهم قبله بتجهيزه ولشدة حزنهم حينئذ بالمفارقة، (إلا إن أفرطَ جزعَهم) فيختار تقديمها ليُصبِّرَهم”. اهـ

ولا تعزية بعد ثلاث من الأيام أي تُكره بعدَها، إلا لغَيبة مُعزٍّ أو مُعَزًّى، فتبقى التعزيةُ له إلى قدومه ويلحقُ بالغَيبةِ المرضُ والحبسُ وعدمُ العلم كما ذكره الأذرعي وغيره، وقال السيوطي: “ويُكره بعد الثلاثة لما فيها من تجديد الحزن بعد سكونه إلا أن يكون غائبا” .اهـ، اذ الغرض منها تسكينُ قلبِ المصاب، والغالبُ سُكونه فيها، فلا يُجدَّدُ حُزنُه، وقد جعلَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم نهاية الحزنِ بقوله: لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا رواه البخاري.

ما يقال عند التعزية

يقال في تعزية المسلم بالمسلم: (أعظَمَ الله أجرك) أي جعله عظيمًا (وأحسن عزائك) أي جعله حسنًا (وغفر لميتك) ويُستحبُّ أن يبدأ قبله بما ورد: “إِنَّ في اللهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيْبَةٍ وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ وَدَرَكًا مِنْ كُلِ فَائِتٍ فَبِاللهِ فَثِقُوْا وَإِيَاهُ فَارْجُوْا فَإِنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَوَابَ”. رواه البيهقي.

قراءة القرآن على القبور الموتى المسلمين

وقد اتفق المسلمون سلفهم وخلفهم على مشروعية قراءة القرآن على قبور موتى المسلمين، وأن ذلك أمر حسن ينفع القارئ والميت بإذن الله، وأن إهداء القراءة للأموات مشروع، ويكفي في إثبات ذلك حديث البخاري حيث قال صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: “لَوْ كَانَ ذَاَكِ وَأَنَا حَيٌّ لَاسْتَغْفَرْتُ لَكِ وَدَعُوْتُ لَكِ”.

 محل الشاهد في هذا الحديث قوله عليه السلام: “وَدَعُوْتُ لَكِ” فإن هذه الكلمة تشمل الدعاء بأنواعه، فدخل في ذلك دعاء الرجل بعد قراءة شىء من القرءان لإيصال الثواب للميت بنحو قول: (اللهم أوصل ثواب ما قرأت إلى فلان)، وما شهر من خلاف الشافعي من قول إن القراءة لا تصل إلى الميت فهو محمول على القراءة التي تكون بلا دعاء بالإيصال وبغير ما إذا كانت القراءة على القبر فإن الشافعي أقر ذلك.

وقال النووي في كتابه (الأذكار) ما نصه: باب ما ينفع الميت من قول غيره: “أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه واحتجوا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} سورة الحشر، وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وفي الأحاديث المشهورة كقوله صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ اغْفِر لأَهْلِ بَقِيْعِ الغَرقَد”، وكقوله صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ اغْفِر لِحَينَا وَمَيِتِنَا” وغير ذلك” اهـ.

ومما يشهد لنفع الميت بقراءة غيره حديث معقل بن يسار أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اقْرَءُوْا يَس عَلَى مُوْتَاكُم” رواه أبو داود.

وحديث: “يس ثُلُثُ القُرءَانِ لَا يَقْرَأُهَا رَجُلٌ يُرِيدُ اللهَ وَالدَارَ الآخِرَةِ إِلَا غُفِرَ لَهُ  وَاقْرَءُوهَا عَلَى مُوتَاكُم” رواه أحمد. وأولَّ جماعة من التابعين القراءة للميت بالمحتضر، والتأويل خلاف الظاهر، ثم يقال عليه: إذا انتفع المحتضر بقراءة يس وليس من سعيه، فالميت كذلك، والميت يسمع كالحي الحاضر كما ثبت في الحديث. انتهى وهذا منقول من كلام الحافظ ابن القطان.

وروى الطبراني أيضًا في المعجم الكبير عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُوْا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ وَلْيُقْرَأ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ البَقَرَةِ في قَبْرِهِ”. قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: “أخرجه الطبراني بإسناد حسن”

قال المحدث اللغوي الفقيه محمد مرتضى الزبيدي في شرح الإحياء ما نصه: “قال السيوطي في شرح الصدور: “وَأما الْقِرَاءَة على الْقَبْر فَجزم بمشروعيتها أَصْحَابنَا وَغَيرهم وَقَالَ الزَّعْفَرَانِي: سَأَلت الشَّافِعِي رَحمَه الله عَن الْقِرَاءَة عِنْد الْقَبْر فَقَالَ لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله فِي شرح الْمُهَذّب يسْتَحبّ لزائر الْقُبُور أَن يقْرَأ مَا تيَسّر من الْقُرْآن وَيَدْعُو لَهُم عَقبهَا نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَاتفقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب وَزَاد فِي مَوضِع آخر وَإِن ختموا الْقُرْآن على الْقَبْر كَانَ أفضل” اهـ.

وقد أفتى القاضي حسين بأن الاستئجار للقراءة على رأس القبر جائز كالاستئجار للأذان وتعليم القرءان، قال النووي في زيادات الروضة: “ قُلْتُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، فَإِنَّ مَوْضِعَ الْقِرَاءَةِ مَوْضِعُ بَرَكَةٍ، وَبِهِ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، وَهَذَا مَقْصُودٌ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ”.

وروى البخاري ومسلم عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: “مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: “إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ” قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: “لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا”

قال القرطبي: “قلت: وقد استدل بعض علمائنا على قراءة القرءان على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وسلم باثنين ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا». خرّجه البخاري ومسلم.اهـ

وقال: “ويستفاد من هذا غرس الأشجار وقراءة القرءان على القبور، وإذا خُفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرءان”

 وقال النووي: “استحب العلماء قراءة القرءان عند القبر واستأنسوا بذلك بحديث الجريدتين وقالوا: إذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما فانتفاع الميت بقراءة القرءان عند قبره أولى، فإن قراءة القرءان من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود، وقد نفع القرءان بعض من حصل له ضرر في حال الحياة فالميت كذلك”.

ومما يدل على أن القرءان ينفع للحي والميت ما رواه ابن السني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ في أُذن مبتلى فأفاق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا قَرَأتَ في أُذُنِهِ؟” قال: “قرأت: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا ءاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}” (سورة المؤمنون/115-118)، فقال صلى الله عليه وسلم: “لَو أَنّ رَجُلًا قَرَأَ بِهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَالَ”

وقال أحمد بن محمد المروذي: “سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: “إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم”

الدارقطني وغيره من حديث علي: “من مر على المقابر وقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر عدد الأموات، قال الشمس بن القطان ولقد حكى لي من أثق به من أهل الخير أنه مر بقبور فقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وأهدى ثوابها لهم، فرأى واحدا منهم في المنام وأخبره بأن الله تعالى غفر له ولسائر القبور”

وقال الحافظ النووي في رياض الصالحين في باب الدعاء للميت بعد دفنه والقعود عند قبره ساعة بعد دفنه للدعاء له والاستغفار والقراءة ما نصه: “قال الشافعي رحمه الله: (ويستحب أن يُقرأ عنده شىء من القرءان وإن ختموا القرءان كله كان حسنًا)”.

اللهم ارحمنا واغفر لنا وتوفنا وأنت راض عنا…..

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.