علاج الهموم

علاج الهموم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الهم هو شعورٌ يعتري المرء فيترك في نفسه الحزن والإضطرابَ و اليأس و المعاناة و الضيق في الصدر، ليفقدَ الأُنسَ والإستقرار  والهناء و انشراح الصدر ، فإذا تمكن الهم من المرء لا يهنأ حينَها بنومٍ ولا يَلذُّ بطعام ولا يَستَسيغُ شرابًا وبينه وبين الفرح والسرور مسافات ومسافات.

 هذا الهمّ الذي يُشعِر المَرءَ بأنَّ النّهار لن يُدركَه الليل لطوله، وأنّ الليل لن يعقُبه نهار ، ليجعل الدقيقةَ وكأنها ساعات طويلةً، فساعةُ المهموم طويلة مُملة متعبة مقلقة، والهم يُذيبُ الجسم، وبسببه يشيب الشعر وتعلو الصُفرة والكآبة الوجوه، ويُهرِم البدن ويوهنه، هو ذا الهم ، الداءُ المُضني، يجعل البالَ مشغولا والفكرَ مُشتتًا مذهولا، وتضيِّقُ على المرء الواسعة بما رحبت ولو سكن قصرًا واسعًا ودار مريحة، فيصيرُ صدره ضيِّقًا لايرىَ إلاّ السواد في قلبِ البياض، وغير ذلك من العوارض التى لايخلو شخص من تذوقها في العمر مرات مرات.

 ومَن منّا يا ترى الذي عاش عمرَه كلَّه بلا هَمٍّ ولا غَمّ ولا نَكد ومنغِصات، فتلك مصيبةٌ وأمرٌ ما خَلا منه الصالح وغيره، فصاحبُ المنصب يتخوف فقدَه كلَّ لحظة فيصيبه الهمّ والغم، وللأبوين همومٌ كثيرة بسبَب حاضِر الأولاد ومستقبَلهم، فهما مهمومَان بكسوة هذا، وتزويج تلك، وتربيةِ ذاك، وتتوالى الهموم وفي الكثير من الأحيان كلمّا كبُرَ الأولاد تكبر هموم بعض الآباء والأمهات، فتلكَ أمٌ قدَّ الهمُ مضاجُعها على ولدٍ انحرفَ وشَرد أو على فتاةٍ أحبت لها أمها العيش الكريم، فأبت إلا عيش الحضيض الرخيص الدني من العفّة والشرف، وهذا أبٌ ربى ولده بمُقلِ العين ليراهُ كما يحلم فإذا به يهوي مع ثلةٍ من التائهين، فلا بالدراسة يُنتج، ولا بالحياة مبصر ويعش ليومه فهو في كيفٍ وفرح وأبواه كادَ الهمُّ أن يُمزق قلوبهم، وهمَّوم البلاد وما يجري فيها من المصائب والنوازل والعباد التى فيها من قتل وتشريد وظلم واستبداد وتهجير وجوع ومصائب مُدلهمة كسواد الليل المظلم، وللشباب همومهم وللنساء هموم، ومن بالغُربةِ مهموم، ومن في البلاد بينَ أهلهِ أصابه ما أصاب غيره من نصيب الهموم، فلا يَطلع نهار إلا وهموم النّاس تزيد على واقع الأمة المرير وما يجري في بلاد المسلمين، فلا حولَ ولا قوةَ الا بالله.

 هذا ومن التّوهم الظّن أنَّ الهمَّ حِكرًا على ذوي المَسكَنَة والفقر والعِوَز، لأنّنا اليوم نرى مهمومينَ أغنياءَ، كمّا أننا نَرى فقراءَ راضينَ مستقرين، وإذا كانَ بعض الفقراء يُصاب بالهمّ من ضيق حالهِ وشدة حاجته، فإننا نَرى مِن الأغنياء من يُصاب بالهمّ بسبب تُخمة بطنهِ وكثرة تنعُمهِ وسِعَةِ أحواله، وما يَنزلُ بالأمة اليوم كفيلٌ أن ينهَمَّ لهُ الكبير والصغير والشاب والعجوز والغني والفقير من ذوي النفوس الطيبة التى تغتم وتنهم لما ينزل بالناس من مصائب وويلات في شتى البقاع المعموره.

 ولو رجَع المرءُ إلى نفسِه قليلا و تبّصَر ءايات القرءان العظيم لوجدَ أنّ الحوادثَ والخطوبَ وإن شَرّقتْ وغَرّبت فلن يَنالكَ منها أيّها العبدُ المؤمن باللهِ إلا ما كُتبَ لكَ بتقديرِ الله وعلمهِ ومشيئته وحكمته تبارك وتعالى، ولن يُصرف عنك منها إلا مَا كتِبَ أن يُصرَف عنك، فالله هو خَلقَ الخلقَ وقدّرَ عليهم أحوالهم ومعيشتهم وأمورهم وقسَمَّ بينهم الأرزاق والأعمار والآجال والسعادة، فالكلُ من الله كان خيرًا أو شرًا فلا يعترض على حِكمته تعالى، فسَلم للهِ أمركَ وتَصبّر واعلم أنهُ كم من مصيبةٍ كان في طياتها الفَرج، فما يُدريكَ أن ما ينزل فيك ورائهُ الخير الكثير ولو بعدَ حين، فرُبَّ ضارةٍ تراها كانت لكَ نافعة، وربمّا صَحت الأجسامُ بالعلَل، وربَّ محنةٍ في طيّتها مِنَح، وكم بَسمَة كانت بعدَ غصّة وألم طويل، وكم سِعة جائت بعد عُسر وضيق، وربّ فرحةٍ بعد ترحة فعلامَ الهمّ أيّها المؤمن بالله المتوكل على الله!؟

 فأنتَ لاتدري عواقب الأمور فكم من يتيم ذاقَ مُرَ اليُتم ثم كان ذو عيشٍ رغيد، ورُبّ محبوب في مكروه وأنتَ لاتدري، ورُبّ خيرٍ ظاهرهُ بلاء وباطنهُ خير وهناء ولا عِلمَ لكَ بالعواقب، قال الله تعالى: “وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ”.

فعلامَ الهمّ إذن يا عباد الله؟! عليك أيّها المهموم أن تعالج همّكَ باليقين بالله، أنه هو بيدهِ أمور الخلق وهو يصرفُ السوء وهو يأتي بالخير، ولقد كانَ حالُ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّ البلاء كان كثيرًا ما ينزل به لأنّ البلاء شعار الأنبياء والصالحين، ففي البلاء لعامة المسلمين رَفعُ الدرجات بالصبر وتكفير السيئات، وأعظم به من أجرٍ أن يصبر المرءُ على ما نزلَ به فلا يعترض على الله ولا يتكلم بما يُسخط الله تعالى كما هو مسموع في أيامنا من الكلام الكفري الفاحش الذي منه قول المُبتلى (الله ظلمني) أوما شابهه والعياذ بالله، فالله تعالى لا يظلم أحدًا ولا يجوز نسبة الظلم اليه تعالى: “ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ”.

 فالله يَفعلُ في خلقهِ ما يَشاء، وفعلُ الله تعالى لحكمة إمّا نَعلمُها أو غابت عنّا فله الحكمُ ولهُ القضاء، قالَ الله تعالى: “لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ”، ثم عليك أيّها المبتلى أن تُرطِبَ لسانكَ بذكرِ الله تعالى، وكمّ في القرءان العظيم والسنة من أذكار جاءَ الخبر أنَّ فيها تفريجًا للكروب و الهموم، فقد كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح يتعوَّذ بالله من الهمّ والحَزَنْ (والحَزَنْ بالفتح الأمر الصعب الشاق على النفس)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: “مَنْ قالَ إذا أصبَحَ وإذا أمْسىَ: حَسبِي اللهُ لا إلَه إلا هوَ عليه توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم، سَبَعَ مَرات كَفَاهُ اللهُ مَا أهمّهُ”، وإنّ زوال الهمّ بكثرةِ الاستغفار ولزومِه كما قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ لزِم الإستغفارَ جعلَ اللهُ لهُ من كلِّ ضيقٍ مَخرجَا، ومنْ كلِّ همٍّ فرَجا، ورزقَه من حيث لا يَحتَسِب”.

 وخذ هذه الوصفة من الحديث الشريف لزوال الهمَّ والكرب، ففي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخل المسجدَ ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يُقال له: أبو أُمَامَة، فقال صلى الله عليه وسلم: “يَا أبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاْكَ جَالِسًا في المَسْجِدِ في غَيْرِ وَقْتِ الصَلَاةِ؟!” قَالَ: هُمُوْمٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُوْنٌ يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: “أَفَلَا أُعَلِّمَكَ كَلامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّكَ وَقَضَىَ عَنْكَ دَيْنَكَ؟” قَالَ: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: “قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: “اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنَ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِجَالِ” قَالَ أَبُوْ أُمَامَة: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ هَمِّي وَقَضَىَ عَنِي دَيْنِي”.

 فبدلَ اللجوء الى المُهدئات والمسكنات والمفرحات لغير ضرورة يُلجىء الى هذه الأذكار العظيمة النافعة المجربة التى فيها الثواب الجزيل والخير في الدنيا والآخرة، ويا من همّكَ الهمّ ونالَ منك، اعلم أن ذكر الحبيبِ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه سبَبٌ في الأنسِ وكفاية الهمّ، وأَنْعِم بالصلاة على الرسول من مُفرحة للقلب تنزل الطمئنية بها على القلوب وتنشرح بها الصدور، فقد قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: “يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ (أي أصرف بصلاتي عليك جميعَ الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي) قَالَ: “إِذَن يَكْفِيْكَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَءاخِرَتكَ”

فأكثر أيّها المهموم من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذ أمور الدنيا بأسهل ما يكون وليكن همّكَ لآخرتكَ ونجاتك يوم القيامة، اللهمَّ أذهب الهمّ وفَرِجْ الكرب واقض عنا الدين وارحمنا فأنتَ خيرُ الراحمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين.