مواعظ نفيسة

قال الجنيد رضي الله عنه: “إنما اليوم إن عقلتَ ضيفٌ نزل بك وهو مرتحل عنك، فان أحسنت نزله وقراه شهد لك وأثنى عليك بذلك وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه شهد عليك فلا تبع اليوم ولا تعد له بغير ثمنه. واحذر الحسرة عند نزول السكرة فإن المون ءاتٍ وقد مات قبلك من مات”.

قال الجنيد رضي الله عنه : “اتق الله وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شىء، فلا تدخرن مالك ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، صاحب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما سلف بين يديك من العمر وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه، فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك اعجاب أهلها زهدًا فيها وحذرًا منها فإن الصالحين كانوا كذلك”.

قال الجنيد رضي الله عنه : “اعلم يا ابن ءادم أنّ طلب الآخرة أمر عظيم لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله، وأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله، وإنّ أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء”.

قال الجنيد رضي الله عنه : “يا ابن ءادم دينك دينك، نعوذ بالله من النار فإنها نار لا تنطفىء وعذاب لا ينفد أبدًا، ونفس لا تموت، يا ابن ءادم إنك موقوف بين يدي الله ربك ومرتهن لعملك فخذ مما في يديك لما بين يديك، عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جوابًا، إنك ما تزال بخير ما دمت واعظًا لنفسك محاسبًا لها وإلا فلا تلومن إلا نفسك”.

قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه: “ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهّدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونُهيتم عن طلبها فطلبتموها، وأنذرتم الكنوز فكنزتموها دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها وفتنتكم فأنفذتم خاضعين لأمنيتها، تتمرغون في زهواتها وتتمتعون في لذاتها، وتتقلبون في شهواتها وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها، وتبنون بالغفلة في أماكنها، وتحصّنون بالجهل في مساكنها، وأنتم غرقى في بحار الدنيا، حيارى تتمتعون في لذاتها وتتنافسون في غمراتها، فمن جمعها ما تشبعون، ومن التنافس منها ما تملّون، كذبتكم والله أنفسكم وغرّتكم ومنّتكم الأماني، وعللتكم بالتواني حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم والصدق من نياتكم، وتتنصتون إليه من مساوىء ذنوبكم وتعصونه في بقية أعمالكم أما سمعتم الله تعالى يقول في محكم كتابه: {أم نجعلُ الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعلُ المتقين كالفجّار} [سورة ص].

لا تنال جنته إلا بطاعته، ولا تنال ولايته إلا بمحبته، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، فإن الله تعالى قد أعدّ المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعدّ الجنة للخائفين، وأعدّ الحور للمطيعين، وأعدّ رؤيته للمشتاقين قال الله تعال: {وانّى لغفَّارٌ لمَنْ تابَ وءامنَ وعمِلَ صالحًا ثمّ اهتدى} [سورة طه]”.