الأمانة والنهي عن الخيانة

الأمر بأداء الأمانة والنهي عن الخيانة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين.

وبعد: يقول الله تعالى في محكمِ كِتابِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِها وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ سورة النساء/58. فالآيَةُ وَإِنْ كَانَ نزولُهَا فِي مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَمانَاتِ.

فالأَمَانَةُ تُطْلَقُ عَلَى مَا يَسْتَأْمِنُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ نَحْوِ الوَدَائِعِ، فَالمؤمِنُ الكامِلُ إِذَا اؤْتُمِنَ عَلَى شَىْءٍ لا يَخُونُ بل يُحَافِظُ علَى الأَمانَةِ، فَمِنْ معاصِي اليَدَيْنِ الخِيانَةُ وَهِيَ ضِدُّ النَّصِيحَةِ فَتَشْمَلُ الأَفْعَالَ وَالأَقْوَالَ وَالأَحْوَالَ، الخِيَانَةُ بالفِعْلِ أَنْ يَأْكُلَ الأَمَانَةَ، وَإذا قالَ لِصَاحِبِ الوَدِيعَةِ لِيسَ لَكَ عندِي شَىْءٌ، هَذِهِ خِيَانَةٌ بِالقَولِ، أما الخيانةُ في الأَحْوَالِ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الأَمَانَةِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

خيانَةُ الأمانَةِ مِنْ صِفَاتِ المنافِقِ في الأَعْمَالِ كمَا في قولِهِ عليهِ السَّلامُ: “إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ” وَفِي رِوَايَةٍ “وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ”، هَذِهِ الأربَعَةُ منَ النِّفَاقِ في الأَعمالِ لا يَصِلُ فيهِ إلَى حَدِّ الكُفْرِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا أَلْزَمَ اللهُ تعالَى عِبادَهُ مِنْ نَحْوِ الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ. وَتَشْمَلُ الأمانَةُ ما يَأْتَمِنُ الرَّجُلُ عليهِ أجيرَهُ مِنَ العَمَلِ وَمَا يَأْتَمِنُ عليهِ الزوجُ زَوْجَتَهُ في بَيْتِهِ بِأَنْ لا تَخُونَه في فِرَاشِه أو مَالِه، قَالَ صلى اللهُ عليه وسلم: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه”.

الخيانة أمر مذموم في شريعة الله، تنكرها الفطرة، وترفضها الطبيعة السوية والله تعالى لا يحب الخائنين، لا يحب من كان خوانًا أثيمًا، وهذا الخائن وإن اندس بين الناس وعرف كيف لا يفتضح أمام عباد الله، فأين يذهب يوم القيامة.

ألم يفكر في الفضيحة في ذلك اليوم، سوف ترفع له راية يوم القيامة أمام الناس زيادة في النكاية به، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان: “لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ” فكل من كانت ولايته أعم وأشمل ثم خان من تحت ولايته، فلا شك بأن جرم هذا أكبر من جرم من هو أقل منه في الولاية. وكلما كانت المسئولية أعظم ثم حصل الخيانة كان الإثم أعظم. والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

خيانة الأمانات كلها حرام، وهذه تشمل ما يتعلق بحقوق كل ذي حق، نحن مستأمنون عليه. فليحذر الموظف من خيانة الأمانة، بتعاطي الرشوة، أو إتعاب أصحاب المعاملات وتأخيرهم بقصد التسلط فإنها خيانة للأمانة، وليحذر أصحاب المناصب والمراكز ولاسيما التي ترفع راية الدين والصلاح والأمانة من التخوض في المال العام دون وجه شرعي فإنها خيانة للأمانة، يقول عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ” رواه البخاري

 فالمال الذي يجمع باسم أعمال البر والخير من الله الذي يجب المحافظة عليه بالأمانة الشرعية فوضعه بغير محله وصرفه على غير الوجه الذي دفع لأجله خيانة وأي خيانة، والمرأة تستأمن على مال الزوج فتهدره بغير حق ولا منفعة خيانة، والرجل كذلك مؤتمن على أهله فليحذر من خيانة الأعمال.

 وليحذر كل الذين أُسندت إليهم أمور المسلمين من خيانتهم، فمن الخيانة أن يفتي من لا علم له في الدين في أمور الحلال والحرام، بل من أشد الخيانة خيانة الأمانة الشرعية أن يستأمن الرجل على الدين فيتخذه سلمًا للوصول إلى المناصب والأموال. وصدق من قال: الأمانة في الدين أهم من الأمانة في المال.

 وليست الخيانة محصورة بالمعنى المتعارف اليوم بين الزوج والزوجة، من علاقة محرمة، فإنها نوع من الخيانة للأمانة، إنما معناها أعم وأشمل، فهناك خيانة بالقول وبالعمل كأن يوهم الناس أنه أهل للأمانة وهو ليس كذلك، أو يخون بالعهود فليس من شيم المسلم أن يؤتمن فيخون بل تلك صفة المنافق كما بينا، وليحذر كل راع مسؤول عن رعيته من خيانة ما استؤمن عليه.

الخيانة من صفات المنافقين، والأمانة من صفات المؤمنين، فاختر أي الطريقين شئت، وتخيّر أي الوصفين تريد، قال صلى الله عليه وسلم: “لا إِيْمَانَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ، وَلا دِيْنَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ” رواه الإمام أحمد، ومعنى لا إيمان لمن لا عهد له: أي لا يكون مؤمنا كاملا من لم تكن عنده صفة الأمانة، مَعْنَى الوَفَاءِ بِالعَهْدِ إِذَا إِنْسانٌ ائْتَمَنَ إِنْسَانًا، إذَا إنسانٌ عَامَلَ إِنْسَانًا لا بُدَّ أَنْ يُرَاعِيَ هذا العَهْدَ ولا يُخْلِفَ فِيهِ. مِثَالُ ذلكَ المسلِمُ إذَا دَخَلَ بلادَ غَيْرِ المسلِمينَ فَأَسْكَنُوهُ يَجِبُ عليهِ أَنْ لا يَغْدُرَ بِهِمْ إذَا بَايَعَهُمْ، إِذَا عَامَلَهُمْ بالبيعِ والشِّراءِ، فلا يَجُوزُ أَنْ يَغُشَّهُمْ كمَا لا يَجُوزُ أن يغُشَّ مُسْلِمًا مِثْلَهُ، إذَا باعَهُ شيئًا فيهِ عَيْبٌ يُبَيِّنُ لهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ لهُ وَباعَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ عِنْدَ اللهِ كَمَا لَوْ بَايَعَ مُسْلِمًا مِثْلَهُ. لَوْ بَاعَهُ شَيئًا فيهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى العَيْبِ حَرَامٌ عَلَيْهِ.

 كذلكَ أَهْلُ هذهِ البِلادِ إذَا بايَعَهُم مَعَ الغَشِّ هذَا حرَامٌ وَهَذَا حَرَامٌ، كذلكَ لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ البِلادِ الذينَ أَسْكَنُوهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ هَذَا الثَّمَنَ، حَتَّى لو ماتَ هذا الذِي عَامَلَهُ بالبَيْعِ وَالشِّراءِ قبلَ أنْ يوفيَهُ عليهِ أن يُوفِيَ أهلَهُ كمَا لَوْ عَامَلَ مُسْلِمًا، كذلكَ لَوِ اسْتَوْدَعَهُ ودِيعَةً يَجِبُ عليهِ أَنْ يحفَظَ هذهِ الوَدِيعَةَ هذه الأمانَةَ فَإِنْ أكلهَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا للعذابِ في الآخِرَةِ، لَو لَمْ يَكُنْ عَلَى دينِه لكن يَجِبُ عليهِ أَنْ يُعَامِلَهُ بِالأَمَانَةِ كما يَجِبُ أَنْ يُعَامِلَ المسلِمَ بالأَمَانَةِ، هذا معنَى حَديثِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم: “لا إِيْمَانَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ، وَلا دِيْنَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ”

كذلِكَ إذَا ءاجَرَ نَفْسَهُ مِنْ شَخْصٍ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِ مُسْلِمٍ لِيَعْمَلَ عَمَلا لَهُ يَجِبُ عليهِ أَنْ يَفِيَ بالعَمَلِ كَمَا اتَّفَقَ مَعَ صَاحِبِ العَمَلِ يُراعِي مَصْلَحَةَ الذِي اسْتَأْجَرَه، فَإِنْ لَمْ يُرَاعِ مَصْلَحَتَهُ كَأَنْ تَأَخَّرَ بِلا عُذْرٍ عَنِ الوَقْتِ الذِي اتُّفِقَ عليهِ وَقَعَ في المعصِيَةِ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ، كذلك لَوْ بَاعَ شَيْئًا لصاحب متجر هو موظف فيه بِثَمَنٍ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ حَرَامٌ عَلَيْهِ، يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةَ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لا يَبِيعُ شيئًا إلاَّ بِالمِثْلِ إلا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ صَاحِبُ العَمَلِ، هَذَا الحُكْمُ سَواءٌ إِنْ عَامَلَ بِه المسلِمَ أَوْ غَيْرَ المسلِمِ، هَذَا أَيْضًا دَاخِلٌ في حِفْظِ الأَمَانَةِ مَا دَامَ يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِي هذَا الشَّىءَ بِثَمَنِ المثلِ لا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ.

وإنه لا صلاح لأمة انتشرت فيها الخيانة، ولا بقاء لمجتمع تفشى فيه الخيانة، ولا كرامة لأناس صارت الخيانة من أعمالهم وسلوكهم، هل يمكن لخونة أن يصلحوا وضعًا، أو أن يقيموا أساسًا، أو أن يشيدوا عمرانًا وحضارةً أو أن ينصروا دعوةً أو دينًا لا يمكن أبدًا.

 يوسف عليه السلام عندما طلب من ملك مصر أن يجعله على خزائن الأرض، وهو في مصطلحنا المعاصر وزيرًا للمالية، كان يعلم من نفسه أنه ليس بخائن، ولا يمكن أن تخطر الخيانة بفكره أبدًا وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، ومن أعظم ما تكون به الخيانة إذا كانت خيانة لعباد الله المؤمنين بأكل أموالهم بالباطل ظلمًا وعدوانًا.

 وما نسمعه اليوم ونراه من فشو الكذب والخداع والغش والتزوير والسرقة والاختلاس وكثرة شهادة الزور وقول الزور والمطل بالحقوق وانتشار الرشوة وتسلط الخونة على الناس في كثير من المجالات في العمل التجاري، ومانشهده اليوم من تلميع وتصدير مفتي العصر على الفضائيات وبين المجتمعات ليغيروا الحقائق ويبدلوا الثوابت من أقبح الخيانات حيث فيه إيهام وغش للناس، الرجل إن أوهم الناس أنه أهلا للتقوى والورع والاستقامة ثم راح يفتي بغير ما أنزل الله ويقول ويفعل القبائح فقد خان من ائتمنه.

 والفتاوى الشاذة من الخيانة وتضليل الناس عن الصواب، كل هذا من أعظم الخيانة للأمانة الشرعية، حتى أصبح الكثيرون اليوم لا يعبؤون بالأمانة، ولا يقيمون لها وزنًا، ترى الصديق يخون صديقه والعامل يخون صاحب العمل والمسؤول يخون من دونه والزوج أحيانًا يخون أهل بيته والبنت تخون أهلها!!، فقد قلت التقوى والأمانة بين الناس واستفحل الغش والخيانة، الأب مؤتمن على أولاده وزوجته، والزوجة كذلك والخطيب مؤتمن على ما يتكلم به لينفع الناس ويرشدهم لا ليزيغهم ويكلمهم بما لافائدة فيه في وقت هم أمس الحاجة به إلى معرفة أمور الدين والحلال والحرام، والبائع مؤتمن على مايبيع من غير خيانة وغش.

ولذا كانت الوصية بخطاب الناس على قدر عقولهم، وكان لكل مقام مقال ولكل فن رجال!! أحوج ما يحتاجونه اليوم التذكير بالأمور الشرعية العقائدية والدروس الإسلامية الصحيحة العلمية النافعة لا على التطرف والغلو والجهل، وأن يبحثوا عن الأمين ليس في البيع والشراء فقط بل في السؤال عن أمور الدين والاتباع في أمور الشرع، فالرجل الأمين في الفتوى الذي شأنه أن يقول في ما لا يعرف لا أدري وأن يكون همه النصيحة بالأمانة الشرعية.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين.