أحوال البشر عند الموت

أحوالُ البَشَرِ عندَ الموت

الحمدُ لله رَبِّ العالمين . له النِّعْمَةُ وله الفَضْلُ وله الثَّناءُ الحَسَن . صلواتُ الله البَـرِّ الرَّحيمِ والملائكةِ المُقَرَّبينَ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ المرسلينَ وعلى جميعِ إخوانه النبيينَ وعلى ءالهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرين .

أمَّا بعدُ ، فقد قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” أَكْيَسُ النَّاسِ أكثرُهم ذِكْرًا للموتِ وأشدُّهم استعدادًا للموت ” .. رواهُ الطَّبَرَانِيُّ في (المعجمِ الكبير) .. أيْ أنَّ أعقلَ وأذكى النَّاسِ مَنْ كانَ يستعدُّ لما ينفعُه بعدَ الموت من التزود بالأعمال الصالحة التي تنفعه بعد الموت ، لأنَّ الدُّنيا دارُ مُرُورٍ والآخرةَ دارُ القَرار والجزاء على الأعمال.

والنَّاسُ في الدُّنيا على ثلاثةِ أصناف : صِنْفٌ مُؤْمِنٌ تقيٌّ وهو الذي يسلم من أنواع العذاب كلِّها بعد موته ، وصِنْفٌ مُؤْمِنٌ أَدْرَكَتْهُ الوفاةُ وهو مرتكبُ كبائرَ الذُّنوب قبلَ أنْ يتوبَ منها وهو ما نسميه الفاسقَ الذي مات من غير توبة وهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذَّبه بذنوبه ومآله إلى الجنة بعد ذلك وإن شاء غفر له وأدخله الجنة بلا سابق عذاب ، وصِنْفٌ كُفَّار وهو الذي لا يذوق الراحة بعد موته لا في قبره ولا يوم القيامة ولا في نار جهنم ويكون فيها خالدا مخلَّدًا والعياذ بالله تعالى .

الصِّنْفُ الأَوَّلُ هُمُ الذينَ لا يخافون ولا يحزنون وهم الآمنون يوم الدين بإذن الله رب العالمين ، أما حال هذا المسلمِ التَّقِيِّ الصَّالِحِ عند الوَفاةِ فإنه تأتيهِ ملائكةُ الرَّحمةِ فيبشِّرونهُ بالجَنَّةِ فيذهبُ عنه الخَوْفُ من الموتِ والقبرِ ، ثمَّ بعدَ أنْ تُفارِقَ الرُّوحُ الجَسَدَ يكونُ الرُّوحُ مَعَ الملائكةِ ويُصْعَدُ بهِ إلى السَّماء السَّابعة أي أن الملائكة تصعد بروح هذا التقي الصالح . وبينَ الأرضِ والسَّماءِ ملائكةٌ يُبَشِّرُونَهُ فيسمعُ تبشيرَهم ، وهكذا حتَّى يَصِلَ إلى السَّماءِ السَّابعةِ ثمَّ يُسَجَّلُ اسمُه في عِلِّيِّين . يقول الله تعالى في سورة المطفِّفين (( كَلَّا إنَّ كتابَ الأبرارِ لفي عِلِّيِّين . وما أدراكَ ما عِلِّيُّونَ . كتابٌ مَرْقُومٌ . يَشْهَدُهُ المُقَرَّبونَ )) .. ثمَّ بعدَما يُسَجَّلُ اسمُه في عِلِّيِّينَ تَنْزِلُ بهِ ملائكةُ الرَّحمةِ إلى حيثُ جَسَدُهُ من غيرِ أنْ يَدْخُلَ الرُّوحُ في الجَسَد . الرُّوحُ يبقَى إلى جانب الجَسَدِ يجاورُه فيشهد غَسل الجسدِ الذي كان فيه وتكفينَهُ والصلاةَ عليه . فإذا حُمِلَ الجَسَدُ إلى الدَّفْنِ نادى هذا الرُّوحُ من شِدَّةِ الفَرَحِ قَدِّموني قَدِّموني . رُوحُ المُؤْمِنِ التَّقِيِّ من شِدَّةِ السُّرُورِ يقولُ للبَشَرِ الذينَ يحملونهُ إلى القبرِ قَدِّموني قَدِّموني ، ولكنْ من حيثُ العادةُ لا يسمعون . يحبُّ أنْ يُعَجَّلَ بهِ إلى القبر . وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري من حديث أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضيَ اللّهُ عنه أنه قال : قال رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلّم «إذا وُضِعَتِ الجنازةُ فاحتملَها الرجالُ على أعناقِهم، فإن كانت صالحةً قالت قَدِّموني ، قدِّموني. وإن كانت غيرَ صالحةٍ قالت: يا وَيلها، أينَ يَذهبونَ بها؟ يَسمعُ صَوتَها كلُّ شيءٍ إلاّ الإِنسانَ، ولو سَمِعَها الإِنسانُ لصَعِقَ ».

وفي القبرِ يعودُ الرُّوحُ إلى الجَسَدِ ويعودُ إلى الجَسَدِ الإحساسُ . فيسألُه المَلَكَانِ ويكون على إحساسه كاملا كما في الدنيا فقد روى ابن حبان وأحمد عَنْ عبدِ اللَّه بنِ عمروٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ فَتّاني القبرِ، فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه : أَتُرَدُّ علينا عُقُولُنا يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: «نَعَمْ كَهَيْئَتِكُمُ اليومَ» قالَ: فَبِفيهِ الحَجَرُ .

ويجيبُ هذا المؤمن التقي بما فَتَحَ الله عليه ويثبته الله تعالى عند السؤال ، قال تعالى في سورة إبراهيم “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة” أي يديمهم على قولِ لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ في الحياةِ الدنيا ، والآخرةُ في هذه الآيةِ معناها البرزخُ أي يثبتهم في القبرِ بتلقينِ الجوابِ وتمكينِ الصوابِ ، ثمَّ يقول له الملكان :” نَمْ نَوْمَةَ العَرُوسِ الذي لا يوقظُه إلَّا أَحَبُّ أهلهِ إليه ” .. فينام ، ويُوَسَّعُ لهُ في قبرِه سبعينَ ذراعًا في سبعينَ ذراعًا ، فقد روى الترمذي من حديث أبي  هُرَيْرَةَ ، قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ (أوْ قالَ أَحَدُكُمْ) أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ. يُقَالُ لإحَدِهِما الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكيرُ. فَيَقُولاَنِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ في هذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هذَا. ثمَّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سبْعُونَ ذرَاعًا في سَبْعِينَ. ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فأُخْبِرُهُمْ؟ فَيَقُولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوس الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ» ، «وَإِنْ كانَ مُنَافِقًا قالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ. لاَ أدْرِي. فيَقُولاَنِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ ذلِكَ. فيُقَالُ لِلأرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فيها أضْلاَعُهُ. فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حتَّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ» .

ومما يأتي الصالح من نعيم في قبره أنه يُفْتَحُ له بابٌ من الجَنَّةِ إلى قبرِه تأتيهِ منه رائحةُ الجَنَّةِ فلا يلقَى شيئًا يُنَغِّصُ راحتَه ، بلْ يَكُونُ بحالةٍ لو عُرِضَ عليه أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا ويَكُونَ له الدُّنيا كُلُّهَا لا يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا إلَّا الشَّهيدَ ، أي شهيدَ المعركةِ ، فإنه يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا فيُقْتَلَ مَرَّةً ثانيةً لِمَا يَرَى من كرامةِ الشَّهادة . وبعضُ الصَّالحينَ يُوَسَّعُ له قبرُه مَدَّ البصَرِ .

وأمَّا الصِّنْفُ الثَّاني من الناس ، وهُمْ مَنْ يموتونَ من المسلمينَ وعليهم من كبائرِ الذُّنوب وهم الفَسَقةُ الذين ماتوا من غير توبةٍ ، فهم قِسمان : قِسْمٌ لا يصيبُهم في قبورِهم عذابٌ ولا نَكَدٌ لأن الله رحمهم ولطف بهم وغفر لهم وقِسْمٌ يصيبُهم نَكَدٌ . ومنْ جملةِ النَّكَدِ وَحْشَةُ القبرِ وظلمتُه و تُسَلَّطُ عليه هَوامُّ الأرضِ وديدانه ، وبعضُهم يُعَذَّبونَ بضغطةِ القبرِ فهي لا تحصل للصالحين من عباد الله تعالى بل تحصل لبعض أهل الكبائر الذين ماتوا من غير توبة أو للكافرين والعياذ بالله تعالى .

وأمَّا الكافرُ ، وهو الصِّنْفُ الثَّالث من الناس ، فإنَّ ملائكةَ العذاب يَحْضُرُونَهُ قبلَ خُرُوجِ رُوحهِ فيضرِبونهُ من أمامٍ ومن خلف ، وهو يَشْعُرُ ومَنْ حَوْلَهُ لا يشعرونَ . يقولُ الله تعالى في سورة محمَّدٍ (( فكيفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ الملائكةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارَهم )) .. ويقولُ تعالى في سورة الأنفال (( ولو ترَى إذْ يَتَوَفَّى الذينَ كَفَرُوا الملائكةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارَهم وذُوقُوا عَذَابَ الحريق . ذلكَ بما قَدَّمَتْ أيدِيكُمْ وأنَّ الله ليسَ بظَلَّامٍ للعبيد )) .. صدق الله العظيم .. ولا يستطيعُ هذا الكافرُ أنْ يَصْرُخَ أو يُفْلِتَ من أيدِيهم لأنَّ أعصابَه لا تَعْمَلُ من شِدَّةِ أَلَمِ سَكَراتِ الموت ، فهو ألمٌ شديد عليهم ، ثمَّ يُبَشِّرُونَهُ بعذاب الله . ثمَّ إذا خَرَجَتِ الرُّوحُ تَصْعَدُ ملائكةُ العَذَابِ به حتَّى يُنْتَهَى بهِ إلى السَّماءِ الأُولى ، فلا يُفْتَحُ له بابُ السَّماء ، فيُرَدُّ إلى الأرض .

يقولُ الله في سورةِ الأعراف (( إنَّ الذينَ كَذَّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفَتَّحُ لهم أبوابُ السَّماء ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتَّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِيَاطِ وكذلكَ نَجْزِي المجرِمين )) . إنَّ الكُفَّارَ لا يَتَمَكَّنُونَ في الدُّنيا ولا في الآخرةِ من دُخُولِ أيٍّ من السَّماواتِ السَّبْعِ ، أما قوله تعالى : “حتَّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياط” فالجَمَلُ هو الحبلُ الغليظُ الذي يُعْمَلُ للسُّفُن .. والخِياطُ ، بكسرِ الخاء ، والمِخْـيَطُ ، بكسرِ الميم ، الإبرة ..  وسَمُّ الخِياط ، بفتحِ السِّين ، هو ثَقْبُ الإبرة .. ويَصِحُّ أنْ يُقالَ أيضًا سُمُّ الخِياطِ أي بضَمِّ السِّين .. معناه مستحيلٌ أنْ يَدْخُلَ الكُفَّارُ الجنَّة . فهم لا يتَمَكَّنُونَ من ذلكَ لا في الدُّنيا ولا في الآخرة ، فالجنة حرامٌ على الكافرين فلا يدخلها إلا عبدٌ مؤمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم .

وبعدما يُرَدُّ الكافرُ إلى الأرضِ تَنْزِلُ بهِ ملائكةُ العذاب من بابٍ في هذه الأرضِ حيثُ يَنْفُذُ إلى الأرضِ السَّابعةِ ويُسَجَّلُ اسمُه في ديوانِ الكُفَّارِ واسمه سجين ثمَّ يَرُدُّونَهُ إلى هذه الأرض . يقولُ الله تعالى في سورة المطفِّفين (( كَلَّا إنَّ كتابَ الفُجَّارِ لفي سِجِّينٍ . وما أدراكَ ما سِجِّينٌ . كتابٌ مَرْقُومٌ )) .. وبعدَما يُرَدُّ الرُّوحُ إلى الأرضِ حيثُ جَسَدُهُ ، الرُّوحُ يبقَى إلى جانبِ الجَسَدِ يجاورُه من غيرِ أنْ يَحُلَّ فيه في هذا الوقت . فإذا حُمِلَ الجَسَدُ إلى الدَّفْنِ فإنَّ هذا الرُّوحَ من شِدَّةِ الخَوْفِ ممَّا ينتظرُه في القبرِ يقول :” يا ويلَها ، أينَ تذهبونَ بها ” ، يعني رُوحَهُ . فإذا دُفِنَ يأتيهِ المَلَكَانِ ، مُنْكَرٌ ونَكِير ، فيسألانهِ ، فيُضَيَّقُ عليهِ القبرُ حتَّى تختلفَ أضلاعُه . ثمَّ يبقَى في نَكَدٍ دائم مستمر .

ويستمرُّ العذابُ على الكافرِ في قبرِه بروحهِ وجَسَدِهِ وليس كما يقول بعض الناس إنه عذاب معنوي بل هو بالروح والجسد كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن حبان وغيره لما قال عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : “كهيئتكم اليوم” إلى أنْ يبلى جَسَدُهُ ولا يبقَى منه إلَّا عَجْبُ الذَّنَب ، فقد روى مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى. إِلاَّ عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ. وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فإذا بَلِيَ الجَسَدُ ولم يبقَ منه إلَّا هذا ، أيْ عَجْبُ الذَّنَب ، أَخَذَتْ ملائكةُ العذاب الرُّوحَ ونَزَلُوا بهِ إلى مكانٍ في الأرضِ السَّابعةِ يقالُ له سِجِّينٌ حيثُ تجتمعُ هناكَ أرواحُ الكُفَّارِ جميعِهم بعدَ بِلَى أجسادِهم في قبورِهم . وتبقَى الأَرواحُ هناكَ ، في سِجِّينٍ ، إلى أنْ يَبْعَثَ الله الموتى يومَ القيامة ، أيْ إلى أنْ يَبْعَثَ الله مَنْ في القُبُور . فيُبْعَثُ هؤلاء الكُفَّارُ من قبورِهم بأرواحِهم وأَجْسَادِهِمُ التي أكَلَهَا التُّرابُ بعدَما تعودُ كما كانتْ فالله الذي خلقهم أول مرة قادر على إعادتهم بعد بِلى أجسادهم ، وقد جاء وصفُ هذا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه مسلمٌ في صحيحه أنه قال : «ثُمَّ يُنْزِلُ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ» .

وأمَّا رُوحُ المؤمنِ التَّقِيِّ فإذا بَلِيَ جَسَدُهُ ولم يبقَ منه إلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ ، فإنَّ ملائكةَ الرَّحمةِ تَصْعَدُ برُوحهِ إلى الجَنَّةِ ليأكلَ من ثمارِها ، لكنَّه لا يَسْكُنُ المكانَ الذي يسكنُه في الآخرَة . إنما هو في مُنْطَلَقٍ في الجَنَّةِ يعيش . يكونُ الرُّوحُ بشكلِ طائرٍ يأكلُ من ثمارِها . وكُلُّ هذا يكونُ قبلَ يومِ القيامة . قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :” إنما نَسَمَةُ المؤمنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ حتى يُرْجِعَهُ الله إلى جَسَدِهِ يوم يَبْعَثُهُ ” .. رواه الإمامُ مالكٌ في (الموطَّإ) .. أيْ تَسْرَحُ في شَجَرِ الجَنَّةِ ..

وقولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلام :” حتى يُرْجِعَهُ الله إلى جَسَدِهِ يومَ يَبْعَثُهُ ” ، معناهُ يبقَى على هذه الحال إلى أنْ يَبْعَثَ الله مَنْ في القبور . فيُحْشَرُ ، يومَ القيامةِ ، برُوحهِ وجَسَدِهِ الذي أَكَلَهُ التُّرابُ بعدَما يعودُ كما كان ءامنًا مطمئنًّا ثمَّ يَدخلُ الجَنَّةَ برُوحهِ وجَسَدِهِ ويتَبَوَّأُ مَكَانَهُ الذي أعدَّه الله له ، في نعيمٍ دائمٍ غيرِ منقطعٍ .

وأمَّا المسلمُ الفاسقُ غيرُ التَّقِيِّ أيِ الذي كان من أهل الكبائر ومات من غير توبة من ذنوبه فيُصْعَدُ برُوحهِ بعدَ بِلَى جَسَدِه في القبرِ بحيثُ لم يبقَ منه إلَّا ذلكَ العظمُ الصَّغيرُ ، عَجْبُ الذَّنَب ، فيكونُ مُسْتَقَرُّهُ هذا الفَراغُ الذي بينَ الأرضِ والسَّماء الأُولى ، وبعضُهم يكونونَ داخلَ السَّماء الأُولى ، وذلكَ إلى أنْ يُعِيدَ اللـهُ ، يومَ القيامةِ ، الجَسَدَ الذي أَكَلَهُ التُّرابُ كما كانَ ويُعيدَ الرُّوحَ إليه . والمسافةُ بينَ الأرضِ والسَّماء الأُولى مسيرةُ خَمْسِمِائَةِ سنة كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أكثرُ النَّاسِ ، يومَ القيامة ، يعودونَ كما كانوا أَوَّلَ ما خُلِقُوا ، حُفَاةً عُراةً غُرْلًا ، أيْ تعودُ القُلْفَةُ أي قُلْفَةُ الذَكَرِ التي قُطِعَتْ عندَ الخِتَان ، فقد قال تعالى “كما بدأنا أول خلق نعيده ” . وأمَّا الأتقياءُ فيكونونَ كاسينَ راكبين . لا يُحْشَرُونَ على أقدامِهم . ثمَّ يبقَى النَّاسُ في الموقفِ إلى أنْ يُصْرَفَ بعضٌ إلى الجَنَّةِ وبعضٌ إلى النَّار . وهذه المُدَّةُ ، مُدَّةُ الخُرُوجِ من القبرِ إلى استقرارِ النَّاسِ بعضِهم في الجَنَّةِ وبعضِهم في النَّار ، قَدْرُ خمسينَ ألفَ سَنَة . لكنِ المؤمنُ التَّقِيُّ ، الله تعالى يجعلُ عليه هذه المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ أَخَفَّ من صلاةٍ فريضة . من شِدَّةِ ما مُلِئَ سُرُورًا لا يُحِسُّ بشيءٍ من النَّكَدِ . من شِدَّةِ ما استولى على قلبهِ الفَرَحُ هذه المُدَّةَ الطَّويلَةَ لا يُحِسُّ بها ، لا يُحِسُّ بطُولِها ..