الأمن من مكر الله واليأس من رحمة الله

قال الله تعالى (( ومَكَرُوا ومَكَرَ الله والله خيرُ الماكرين ))[ءال عِمران/54]..

وقال أيضًا (( ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ الله والله خيرُ الماكرين ))[الأنفال/30]..

وقال أيضًا (( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ الله فلا يأمَنُ مَكْرَ الله إلَّا القومُ الخاسرون ))[الأعراف/99].

أجمعَ المفسِّرونَ على أنَّ مَكْرَ الله معناه عقوبةُ الله لكنِ اختلفوا في معنى الأمنِ من مَكْرِ الله .

فهو عندَ بعضهم أنْ يُنْكِرَ الشَّخْصُ دُخُولَ أَحَدٍ من عصاةِ المسلمينَ النَّارَ يومَ القيامة .. ولذلكَ عَدُّوا الأمنَ من مكر الله كُفْرًا .. اعتقادُ أهلِ السُّـنَّةِ والجماعةِ أنَّ بعضَ عصاةِ المسلمينَ لا بُدَّ سيدخلونَ النَّارَ يومَ القيامة وإنْ كانوا لا شَكَّ سيخرُجونَ منها .. فالذي يُنْكِرُ دخولَ أَحَدٍ منْ عصاةِ المسلمينَ النَّارَ يومَ القيامة فقد أَمِنَ مَكْرَ الله هكذا فَسَّرَ كثيرٌ من علماء أهلِ السُّـنَّةِ الأمنَ من مَكْرِ الله والأمنُ من مَكْرِ الله على هذا التفسيرِ يَكُونُ كُفْرًا وممَّنْ فَسَّرَ الأمْنَ من مَكْرِ الله بهذا التفسيرِ الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ في كتابهِ (العقيدة الطَّحَاوِيَّة).

وأمَّا اليأسُ من رحمةِ الله ويقالُ له أيضًا القُنُوطُ من رحمةِ الله فهو عندَ كثيرٍ من أهلِ السُّـنَّةِ أنْ يعتقدَ الشَّخْصُ أنَّ الله لا يَغْفِرُ ذنوبَ عصاةِ المسلمينَ يومَ القيامة إذا ماتوا من دون توبة فلا بُدَّ على زعمهِ أنْ يدخلوا جميعُهم جَهَنَّمَ وإنْ عادوا وخَرَجُوا منها.

فإنَّ الذي يُنْكِرُ مغفرةَ الله يومَ القيامة لبعضِ عصاةِ المسلمينَ من أهلِ الكبائرِ الذينَ ماتوا ولم يتوبوا قد يئسَ من رحمة الله هكذا فَسَّرَ كثيرٌ من علماء أهل السُّنَّةِ اليَأْسَ من رحمة الله.

واليأسُ من رحمة الله على هذا التفسير يَكُونُ كُفْرًا وممَّنْ فَسَّرَ اليأسَ من رحمة الله بهذا التفسيرِ الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ في كتابهِ (العقيدة الطَّحَاوِيَّة).

فاعتقادُ أهل السُّنَّة أنَّ مَنْ ماتَ من المسلمينَ فاسقًا مُتَلَوِّثًا بذنب كبيرٍ أو ذنوبٍ كبيرةٍ فهو تحتَ مشيئةِ الله: إنْ شاء عَذَّبَهُ وإنْ شاء عفا عنه ولا بُدَّ أنْ يُعَذِّبَ الله بعضَهم في جَهَنَّمَ بعدلهِ ثمَّ يخرجَهم إلى الجَنَّةِ ويُعْفِيَ بعضَهم من عذابهِ بفضلهِ ويدخلَهم الجَنَّةَ بلا عذاب.

يقولُ الله تعالى في سورةِ النِّساء (( إنَّ الله لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ به ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلكَ لمنْ يشاء )) [النِّساء/48].

  • إذا كانَ الأَمْنُ من مَكْرِ الله واليأسُ من رحمةِ الله محظورانِ على المؤمنِ فما هو طريقُ النَّجَاةِ الذي ينبغي أنْ يكونَ عليه المؤمن ؟

الجواب :” ينبغي للمؤمنِ أنْ يَكُونَ إذا أساء خائفًا راجيًا يخافُ عقابَ الله ويرجو رحمتَه كما قال الإمامُ أبو جعفر الطَّحَاوِيُّ في (عقيدته) المشهورة :” وسبيلُ الحَقِّ بينهما لأهلِ القِبلة ” أي للمسلمينَ الذينَ يكونونَ بينَ الخَوْفِ والرَّجاء.

قال بعضُ العلماء :” لو وُزِنَ خَوْفُ المؤمنِ ورَجَاؤُهُ لاعتدلا كجَنَاحَيْ طائر”.

قال الله تعالى (( أُولـٰـئكَ الذينَ يَدْعُونَ يبتغونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلةَ أيُّهُمْ أقربُ ويَرْجُونَ رحمتَه ويخافونَ عذابَه إنَّ عذابَ ربِّك كانَ محذورًا )) [الإسراء/57]..

(( يبتغونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلةَ )) معناه يطلبونَ القُرْبَةَ إلى الله عزَّ وجَلَّ .

(( إنَّ عذابَ ربِّك كانَ محذورًا )) أي جديرًا بأن يَحْذَرَهُ كُلُّ أحدٍ من مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ونبيٍّ مُرْسَلٍ فَضْلًا عن غيرِهم.

وقال الله تعالى (( أَمَّنْ هو قانتٌ ءاناء اللَّيْلِ ساجدًا وقائمًا يَحْذَرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه قُلْ هل يستوي الذينَ يعلمونَ والذينَ لا يعلمون إنما يَتَذَكَّرُ أُولوا الألباب )) [الزُّمَر/9]

قال النَّسَفِيُّ في (تفسيره) :” في الآيةِ كلامٌ مُقَدَّر والتقدير: أمَّنْ هو قانتٌ ءاناءَ اللَّيْلِ ساجدًا وقائمًا يَحْذَرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ رَبِّهِ كغيرِه ؟. والقانتُ هو المطيعُ لله عَزَّ وجَلَّ .. (( ءاناءَ اللَّيْلِ )) : ساعاته ..

(( ساجدًا )) حالٌ من الضَّمير في قانت .. (( يَحْذَرُ الآخرةَ )) أيْ يَحْذَرُ عَذَابَ الآخرة ..

(( ويرجو رحمةَ ربِّه )) أيْ ويَرْجُو الجنَّة ..

ولقد دَلَّتِ الآيةُ على أنَّ المؤمنَ يجبُ أنْ يكونَ بينَ الخوفِ والرَّجاء يرجو رحمةَ الله ويَحْذَرُ عقابَه.

ثمَّ إنَّ الرَّجاءَ إذا جاوزَ حَدَّهُ يَكُونُ أَمْنًا ، والخوفَ إذا جاوزَ حَدَّهُ يكونُ إياسًا . .

وقد قال الله تعالى (( فلا يأْمَنُ مَكْرَ الله إلَّا القومُ الخاسرون ))[الأعراف/99]..

وقال (( إنه لا يَيْأَسُ من رَوْحِ الله إلَّا القومُ الكافرون ))[يوسُف/87].

قال الله تعالى ((وزكريَّا إذْ نادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْني فَرْدًا وأنتَ خَيْرُ الوارِثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زَوْجَه إنهم كانوا يسارعونَ في الخيراتِ ويَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا وكانوا لنا خاشعين)) [الأنبياء/89/90].

قال النَّسَفِيُّ في (تفسيره) :” ((ويَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا)) أيْ طَمَعًا وخَوْفًا كقوله تعالى ((يَحْذَرُ الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه)) [الزُّمَر/9] والرَّغَبُ والرَّهَبُ مصدران .. وهما في الآيةِ مصدرانِ في موضعِ الحال أو المفعول له أي يعبدُوننا للرَّغبة فينا والرَّهْبَةِ مِنَّا .. (( وكانوا لنا خاشعين )) أيْ متواضعينَ خائفين”.

يقولُ الله تعالى في سورة السَّجدة (( إنما يُؤْمِنُ بآياتِنا الذينَ إذا ذُكِّرُوا بها خَرُّوا سُجَّدًا وسبَّحوا بحمدِ ربِّهم وهم لا يستكبرون . تتجافَى جُنوبهُم عن المضاجعِ يَدْعُونَ ربَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمَّا رزقناهُم ينفقون ))[السَّجدة/15/16]..

قال النَّسَفِيُّ في (تفسيره) :” (( يَدْعُونَ ربَّهم )) أيْ داعينَ ربَّهم عابدينَ له .. (( خَوْفًا وطَمَعًا )) مفعول له . أيْ لأجلِ خوفِهم من سَخَطهِ وطَمَعِهِمْ في رحمته ” ..

ولمَّا كانَ الله هو وحدَه المُتَصَرِّفُ في قلب العبدِ كيفَ يشاء ، سبحانَه وتعالى ، من دون أنْ يكونَ للعبدِ سلطانٌ على قلب نفسهِ وَجَبَ أنْ يبقَى العبدُ خائفًا من الله يَحْذَرُ الآخرةَ طامعًا في رحمةِ الله يرجو جَنَّـتَه.

رَوَى الإمامُ مسلمٌ في (صحيحه) عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال :” إنَّ قلوبَ بني ءادَمَ كُلَّهَا بينَ إصْبَعَيْنِ منْ أصابعِ الرَّحمٰنِ كَقَلْبٍ واحدٍ يُصَرِّفهُ حيثُ يشَاء”.

ورَوَاهُ ابنُ ماجَهْ في سننهِ بلفظ :” ما منْ قلبٍ إلَّا بينَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أصابعِ الرَّحمٰنِ إنْ شاء أقامَه وإنْ شاء أزاغَه”.

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ: ” أَيْ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيْئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَا يَفُوْتُهُ مَا أَرَادَهُ وليسَ أنَّهُ تعالَى موصوفٌ بالأعضاءِ الجارحةِ والعياذُ باللهِ فهوَ ليسَ كمثلِهِ شيءٌ لَا يشبِهُ شيئًا ولَا يشبِهُهُ شيءٌ.

فمعنى الحديثِ أنَّ اللـهَ الذي ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ هو وحدَه الذي له سلطانٌ على قلوبنا يخلقُ الله الإيمانَ في قلوب مَنْ شاء الله في الأزل لهم الإيمانَ ويخلقُ الله الكُفْرَ في قلوب مَنْ شاء الله في الأزل لهمُ الكُفْرَ ولذلكَ فإنَّ المسلمينَ المؤمنينَ الرَّاسخينَ في العِلْمِ يقولون ((ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وهَبْ لنا منْ لَدُنْكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوَهَّاب)) [ءال عِمْران/3].

وهكذا ينبغي أنْ يكونَ حالُ المؤمن دائمًا بينَ الخوف والرَّجاء.