الإسراء والمعراج

معجزة الإسراء والمعراج

الحمد لله خالق الأرض والسماء، وأصلي وأسلم على خير من أقلت الغبراء، وأظلت الخضراء، من كانت له معجزة الإسراء، وعرج به إلى العلياء، يطويها سماء إثر سماء.

يجب الإيمان بأن الله أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلا من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى، فمعجزة الإسراء ثابتة بنص القرءان والحديث الصحيح. وقد أجمع أهل الحق من سلف وخلف ومحدثين ومتكلمين ومفسرين وفقهاء على أن الإسراء كان بالجسد والروح وفي اليقظة، فلذلك قال العلماء: (إن من أنكر الإسراء فقد كذب القرءان ومن كذب القرءان فقد كفر). وقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مرورا بالمدينة المنورة وطور سيناء وبيت لحم وانتهاء بالقدس في فلسطين. وتقع مكة في وسط غرب شبه الجزيرة العربية، قريبا من البحر الأحمر، والمدينة تبعد نحو أربعمائة كيلومتر شمالي مكة المكرمة. أما الطور فهو في صحراء سيناء جنوبا. وأما بيت لحم فهي في فلسطين جنوبي بيت المقدس.

من أين بدأت حادثة الإسراء والمعراج وكيف ختمت؟

ففي السابع والعشرين من رجب كان إسراء الرسول صلى الله عليه وسلم من بيت ابنة عمه أم هانئ، واسمها فاختة بنت أبي طالب، حيث كان الرسول نائما في بيتها في مكة ومعه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وعمه حمزة، فجاء جبريل عليه السلام، ورفع السقف من دون أن ينزل عليهم تراب أو حجارة، وأيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذه إلى المسجد وشق له صدره. وفي رواية البخاري عن مالك بن صعصعة قال: “ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيـمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد”. قال النووي: معناه أن الطست كان فيها شىء يحصل به زيادة كمال الإيـمان، وكمال الحكمة. وهذا الملء يحتمل أن يكون على الحقيقة. وقد روي في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق (وهو دابة من الجنة بيضاء فوق الحمار ودون البغل يقع حافرها حيث ينتهي طرفها) ليلة أسري به ملجما (أي موضوعا في فمه اللجام) مسرجا (أي شد عليه) فاستصعب عليه (أي لم يستقر من التيه والدلال حتى يركب النبي عليه) فقال له جبريل: “أبمحمد تفعل هذ؟! فما ركبك أحد أكرم على الله منه… فارفَضَّ البراقُ عرقا (أي صار يسيل منه العرق). وبعدما ركب الرسول صلى الله عليه وسلم البراق من مكة إلى المسجد الأقصى عاد البراق إلى الجنة. أما في رجوعه صلى الله عليه وسلم رجع بطريق خرق العادة بدون البراق.

الدليل من القرآن على ثبوت معجزة الإسراء:

قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء/1) فقوله تعالى: ﴿سبحان﴾، السبح في اللغة التباعد، ومعنى سبحان الله أي تنزه الله عن النقائص والعيوب والآفات، فالله منزه عن كل نقص، فهو الموجود الذي لا يشبه الموجودات، الموجود بلا مكان ولا يجري عليه زمان. أما قوله تعالى: ﴿أسرى﴾، الإسراء لغة مصدر أسرى، وهو السير ليلا. وأهل اللغة على أن سرى وأسرى معناهما واحد، والبعض يرى فرقا بينهما، فيقولون: أسرى أي سار أول الليل، وأما سرى أي سار ءاخره. وقوله تعالى في الآية: ﴿أسرى﴾ فيها دليل واضح على حصول معجزة الإسراء للرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة المباركة.

أما قوله تعالى: ﴿بعبده﴾، ففيه إظهار لشرف النبي صلى الله عليه وسلم بذكر أنه عبد الله، فهذا لتخصيصه بالشرف الأعظم أن يذكر في القرءان أنه عبد الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ليلا﴾، ففي هذا الجزء من الآية مع ما قبله دلالة على أنه كان في جزء من الليل، فكل هذه الرحلة العظيمة مع المعراج كان في جزء من الليل، فسبحان الله القادر على كل شىء. أما قوله تعالى: ﴿من المسجد الحرام﴾، سمي المسجد الحرام بذلك لحرمته ولأنه خص بأحكام ليست لغيره، فهو أفضل مسجد في الأرض والصلاة فيه تضاعف إلى مائة ألف زيادة عن المضاعفة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. أما قوله تعالى: ﴿إلى المسجد الأقصى﴾، سمي المسجد الأقصى بذلك لبعده عن المسجد الحرام، وهو المسجد الذي بناه ءادم عليه السلام بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، وهو أفضل المساجد بعد مسجد الرسول والمسجد الحرام. أما قوله تعالى: ﴿الذي باركنا حوله﴾، قال بعض العلماء: بالثمار والأنهار، وقال بعضهم: لأنه مقر الأنبياء مهبط الملائكة. لأن أكثر الأنبياء كانوا في بر الشام. قال تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم إنه قال: ﴿إني ذاهب إلىٰ ربي سيهدين﴾ [سورة الصافات]، أي إني ذاهب إلى حيث وجهني ربي أي إلى بر الشام إلى فلسطين، وهو قبل ذلك كان في العراق. لأنه عرف بتعريف الله إياه أن الشام مهبط الرحمات وأن أكثر الوحي يكون بالشام. أما قوله تعالى: ﴿لنريه من آياتنا﴾، أي ما رأى تلك الليلة من العجائب.

الدليل من الحديث على ثبوت معجزة الإسراء:

روى البيهقي عن شداد بن أوس قال: قلنا يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال: “صليت لأصحابي صلاة العتمة (صلاة العتمة هي صلاة الليل) وأتاني جبريل عليه السلام بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب فاستصعبت عليّ فدارها بأذنها ثم حملني عليها فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلني فقال: صل. فصليت. ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال: صليت بيثرب، صليت بطيبة. فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ثم بلغنا أرضا فقال: صل. فصليت. ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله عز وجل موسى عليه السلام. فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور. فقال: انزل. فنزلت، فقال: صل، فصليت. ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم. قال صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام، المسيح ابن مريـم. ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة أي مدينة القدس من بابها اليماني (نسبة لليمن) معه فأتى قبلة المسجد فربط به دابته ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر فصليت في المسجد حيث شاء الله”.

ما يستنتج مما رءاه الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء:

إن معجزة الإسراء فيها من الخير العظيم للمسلم المتدبر الذي فتح الله عليه الشىء الكثير، فإنها تجمع بين العبر والمواعظ والحث على الطاعات والتحذير من المحرمات، كما أن فيها أدلة على جواز أمور أنكرها بعض الجهلة من غير تحقيق ولا تدقيق، بل هم متحكمون فيما زعموه وليس لهم حجة من كتاب الله ولا دليل. فمن هذه الفوائد العظيمة التي تستنتج من معجزة الإسراء ما يلي:

1- التحذير من إبليس: فقد رأى إبليس اللعين متشكلا ومتنحيا عن الطريق يدعوه. ففي هذا عبرة لمن يعتبر أن ابليس لعنه الله لنا بالمرصاد ليوقعنا في المحرمات ويزلق أرجلنا إلى المهالك، فهو عدونا وقد كان من قبل عدوا لأبينا ءادم عليه السلام فلنتخذه عدوا، قال الله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ۚ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير(6)﴾ [سورة فاطر]، وقال الله تعالى: ﴿ ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ۖ أفلم تكونوا تعقلون (62)﴾ [سورة يس].

2- التحذير من إفتاء الناس بغير علم: فقد رأى خطباء الفتنة بصورة أناس تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار. فقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين يفتون بغير علم فقال: “إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا من بين الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤسا جهالا فاستفتوهم فأفتوهم فضلوا وأضلوا”، رواه الترمذي. وقد حذرنا أيضا عليه الصلاة والسلام: “من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض” رواه الحافظ ابن عساكر. ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هٰذا حلال وهٰذا حرام لتفتروا على الله الكذب ۚ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون(116)﴾ [سورة النحل]

3- التحذير من مخاطر اللسان: فقد رأى الذي يتكلم بالكلمة الفاسدة بصورة ثور يخرج من منفذ ضيق ثم يريد أن يعود فلا يستطيع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها في النار سبعين خريفا” أي مسافة سبعين عاما في النزول، وذلك منتهى جهنم وهو خاص بالكفار، وقال الله تعالى: ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ [سورة التوبة].

4- التحذير من الغيبة: فقد رأى الذين يمشون بالغيبة بصورة قوم يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار نحاسية. ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ۖ ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ۚ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ۚ [سورة الحجرات]

5- التحذير من ترك الصلاة بلا عذر: فقد رأى الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة بصورة قوم ترضخ (أي تكسر) رءوسهم بالصخرة كلما رضخت عادت. قال جبريل: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المفروضة.

6- التحذير من الزنا: فقد رأى الزناة بصورة أناس يتنافسون على اللحم المنتن ويتركون الجيد.

7- التحذير من شرب الخمر: فقد رأى شاربوا الخمر بصورة أناس يشربون من الصديد الخارج من الزناة.

8- التحذير من عدم أداء الزكاة لمن تجب عليه: فقد رأى الذين يمنعون الزكاة بصورة أناس يسرحون كالأنعام على عوراتهم رقاع.

9- التحذير من أكل أموال اليتامى بالباطل: فقد رأى الذين يأكلون أموال اليتامى بالباطل بصورة قوم مشافرهم أي شفاههم كالإبل يلتقمون حجرا فيخرج من أسافلهم.

10- التحذير من أكل الربا: فقد رأى ءاكلي الربا بصورة قوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر أي وقع.

11- التحذير من الانغرار بهذه الدنيا الفانية: فقد رأى الدنيا بصورة امرأة عجوز، وفي ذلك إشارة إلى قرب زوالها وأننا صرنا إلى ءاخر الزمان. وقد ورد عن سيدنا ءادم عليه السلام أنه قال:

لدوا للموت وابنوا للخرابِ      فكلُكُمُ يصير إلى التراب

12- الحث على الجهاد: فقد رأى المجاهدين بصورة قوم يزرعون ويحصدون، كلما حصدوا عاد كما كان.

13- الحث على الصبر ابتغاء مرضاة الله وبيان ثمرته الحلوة: فقد شم رائحة طيبة من قبر ماشطة ابنة فرعون، التي ألقاها فرعون هي وأبنائها في القدر ثم جمع عظامهم ووضعهم في قبر واحد.

14- إثبات أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون: فقد مر بقبر موسى عليه السلام في الكثيب الأحمر فرآه قائما يصلي في قبره.

15- إثبات أن نبينا محمد هو أفضل الأنبياء وسيد البشر: فقد جمع الله عز وجل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في بيت المقدس، من ءادم عليه السلام فمن بعده، فآدم عليه السلام هو أول الأنبياء والمرسلين، وهو أول البشر وأبوهم. خلقه الله تعالى من طين ثم سواه رجلا وأسجد الله الملائكة له تكريـما، لا عبادة، لمرتبته العلية التي نالها بالنبوة والرسالة، فصلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بهم إماما، وهذا فيه دليل على مكانته وعظيم شرفه وفضله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقدمني جبريل حتى أممتهم ثم صعد بي إلى السماء” رواه النسائي.

16- الدلالة على جواز التبرك بالأماكن المباركة والذوات الفاضلة: فقد ثبت في الحديث الذي رواه البيهقي أن جبريل عليه السلام أنزل الرسول صلى الله عليه وسلم في يثرب ليصلي بها ثم أخبره أنها طيبة، وأنزله في طور سيناء ليصلي بها ثم أخبره أنها المكان الذي كلم الله موسى، وأنزله في بيت لحم ليصلي بها ثم أخبره أنها المكان الذي ولد فيه عيسى عليه السلام. فمن هنا استدل العلماء من فعل الرسول هذا على التبرك بقصد الأماكن المباركة حيث صلى الرسول في المدينة أشرف البقاع بعد مكة، ثم بطور سيناء، حيث كلم الله موسى تكليما كما ورد في القرءان، ثم في المكان الذي ولد فيه عيسى، ومعلوم أن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام من الأنبياء أولي العزم، أي من أفضل الأنبياء.