بقاء النار وعدم فنائها

بقاء النار وعدم فنائها

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أنْ هدانا الله. والصلاة والسلام على المشفع في القيامة، المظلل بالغمامة، المبشر بالسلامة، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي صلى الله عليه وسلم : أما بعد :

فقد دلت الآيات القرءانية على بقاء النار واستمرار عذاب الكفار بلا انقطاع إلى ما لا نهاية له وهي كثيرة منها قوله تعالى في سورة الأحزاب :{إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا(64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليّا ولا نصيرا(65)} ، وقوله تعالى في سورة التوبة :{وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم}، وقوله تعالى:{وما هم بخارجين من النار (167)}[سورة البقرة]، وقوله تعالى:{إنّ الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169 )}[سورة النساء]، وغيرها من الآيات الكثيرة،وقد بلغت نحو ستين آية في كتاب الله تعالى .

روى البخاري في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:{ يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار خلود لا موت}، وما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{إذا صار أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يُجعل بين الجنة والنار، ثم يُذبح، ثم يُنادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم}.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه:{قال القرطبي: وفي هذه الأحاديث التصريح بأن خلود أهل النار فيها لا إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها على الدوام بلا موت، ولا حياة نافعة ولا راحة، كما قال تعالى:{ لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها(36)}[سورة فاطر]، وقال تعالى:{كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها(20)} [سورة السجدة]، فمن قال من البعض إنهم يخرجون منها وأنها تبقى خالية أو أنها تفنى وتزول فهو خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول وأجمع عليه أهل السنة. انتهى.

أما من قال: إنه يزول عذابها ويخرج أهلها منها واحتجّ بما أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن بعض الصحابة من رواية الحسن، عن عمر أنه قال:{ لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه}، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:{وهو منقطع} انتهى، ثم قال:{قلت: وهذا الأثر عن عمر لو ثبت حُمِلَ على الموحدين، وقد مال بعض المتأخرين إلى هذا القول السابع ونصره بعدةِ أوجه من جهة النظر، وهو مذهب ردىء مردود على صاحبه، وقد أطنب السبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد . انتهى.

وهذان الحديثان صريحان في إثبات أنّ أهل النار باقون في النار بقاء لا انقطاع له، فقد رد الذي قال بفنائه والعياذ بالله تعالى هذين الحديثين برأي منه ولم يذكر دليلًا له إلا أثرًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منقطعًا غير صحيح الإسناد كما قدمنا، فكيف رد صريح القرءان والسنة وَرَكَنَ إلى هذا الأثر الذي لا ثبوت له ليؤيد هواه المخالف لدين الله تعالى، فقد رد صريح القرءان والسنة بقياس باطل توهمه قياسا معقولاً ذكره في بعض ما كتب في هذه المسئلة التي شذ فيها عن الأمة لأنه لا يثبت عن أحد من الأئمة القول بفناء النار .

ومما يدل أيضًا على ما قدمناه من الحديث الصحيح ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ من يدخل الجنة يَنعَمُ لا ييْأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه}، قال المناوي في كتابه فيض القدير عقبه ما نصه: {وهذا صريح في أن الجنة أبدية لا تفنى والنار مثلها، وزعم جهم بن صفوان أنهما فانيتان لأنهما حادثتان، ولم يتابعه أحد من الإسلاميين بل كفروه به } انتهى.

أما الإجماع فهو منعقد على بقاء النار وقد ذكره الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في رسالته “الاعتبار ببقاء الجنة والنار” فقال ما نصه:{فإن اعتقاد المسلمين أن الجنة والنار لا تفنيان، وقد نقل أبو محمد بن حزم الإجماع على ذلك وأن من خالفه كافر بالإجماع، ولا شك في ذلك، فإنه معلوم من الدين بالضرورة، وتواردت الأدلة عليه} انتهى.

وقال أيضاً ما نصه:{ أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك وتلقوه خلفًا عن سلفٍ عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة، من رد ذلك فقد كذّب الدين وهو بذلك ليس من المسلمين } انتهى.

وقال التفتازاني في شرحه على العقيدة النسفية ما نصه:{وذهب الجهمية إلى أنهما يفنيان ويفنى أهلهما، وهو قول باطل مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ليس عليه شبهة فضلًا عن الحجة}، ونقل أيضًا الإجماع القرطبي في كتابه التذكرة.

وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .