قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

قال الله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

قال الرازي في «التفسير الكبير»[(11)]: «أحدها: أن ما يفعله الله بهم جزاءً على استهزائهم سماه بالاستهزاء» اهـ.

سبب نزول الآية أن المنافقين كانوا حين يجتمعون بأمثالهم يتكلمون بِبُغضِ الإسلام وكراهيتِهِ، فالله أخبرنا أنه يجازيهم بما يليقُ بهم وهذه المجازاةُ سَمَّاها استهزاءً. والمنافقون هنا هم الذين يكرهون الإسلامَ في قلوبهم ويتظاهرونَ بالإسلام أمامَ المسلمين ويعملون أعمالَ المسلمين ولكنْ قلوبُهُم فيها شَكٌّ أو إنكار.

تنبيه: من قال يجوزُ تسميةُ الله ناسيًا وماكرًا ومستهزئًا ومخادعًا ومستدرجًا ومزيفًا كَذَّب الدين لأنه استخفَّ بالله ، وأمّا ورود إضافة المكر والنسيان لله في القرءان فهو من باب المقابلة وهو جائزٌ كقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} وقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} أي تركهم من رحمته، وأما قوله تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [سورة الجاثية] ، فقد ذُكرَ على وجهِ المقابلة، ومعناه تركناكم من رحمتنا كما أنتم تركتُم طاعةَ الله في الدنيا بترك الإيمان به. وليس معناه أنه يوصف بالنسيان المعروف لأن هذا تشبيه لله بخلقه وهو تكذيب للقرءان، وكذلك مَن استحلَّ قولَ «يا ماكرُ ارزقني» ونحو ذلك فهذا يكذِّب الدين أيضا ، وكذا يكذِّبُ الدين من يُسمّي الله المضلَّ لأنه جَعَلَهُ اسمًا لله كالرحمـن فيكونُ معنى كلامِهِ يجوزُ أن نقولَ يا مضلُّ أعِنّي أو أن يُسمي الشخص ولدَه «عبد المضل».

أما قولُ «يا الله يا جبَّارُ ارزقني» أو «يا الله يا متكبّرُ» فلا يدلُّ على النقص في حقّ الله، أما الذي يدلُّ على النقص فهو مثل أن يقال في حقّ الله «يا مخادعُ» أو «يا ناسي» أو «يا مستهزىء» أو «يا ماكرُ».

فلا يجوز تسمية الله بغير ما ورد في الفرقان أو السنة الصحيحة أو الإجماع فقد قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «لا يجوز تسمية الله إلا بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة أو الإجماع» نقله عنه الإمام ابن فُورك في كتابه «مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري»، وهذا هو المعتمد، وقال الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه «تفسير الأسماء والصفات»: «لا مجال للقياس في أسماء الله وإنما يُراعى فيها الشرعُ والتوقيفُ» اهـ.

قال الإمام رُكنِ الإسلام عليّ السُّغديّ الحنفي وهو من علماء القرن الثامن الهجري قال: «من سَمَّى الله علّةً أو سببًا كَفَرَ» . نقله عنه الكمال بن أبي شريف في كتابه «المسامرة شرح المسايرة»[(14)].