قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }

قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [سورة المائدة]

 

اتفق علماء السلف والخلف الصحابة ومن بعدهم من أهل الحق المعتبرين على أن هذه الآيات الثلاث {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } والآية التي فيها (الظالمون) والآية التي فيها (الفاسقون)، نزلت في ذم اليهود الذين حرَّفوا التوراة الأصلية.

 

ذكر القرطبي في كتابه «الجامع لأحكام القرءان» في تفسير هذه الآية ما نصه[(149)]: «نزلت كلّها في الكفار، ثبت في صحيح مسلم من حديث البراء، وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردّا للقرءان وجاحدا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد فالآية عامة على هذا.

قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود الكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له – أي أن المسلم إذا اعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله أفضل من القرءان أو ساوى به كفر -، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرّما فهو من فساق المسلمين وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

قال الشعبي : هي في اليهود خاصة. واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء: «منها أن اليهود قد ذُكروا قبل هذا في قوله: {الَّذِينَ هَادُوا} [سورة المائدة] فعاد الضمير عليهم.

ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل، قال: نعم، هي فيهم». ثم قال: «وقال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة ولكنه كفر دون كفر. وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين، قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر» اهـ. وذكر نحوه الخازن في تفسيره وزاد عليه[(150)]: «وقال مجاهد في هذه الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله رادّا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق، وقال عكرمة ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق وهذا قول ابن عباس أيضا، وقال طاوس: قلت لابن عباس: أكافر من لم يحكم بما أنزل الله؟ فقال: به كفر وليس بكفر ينقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ونحو هذا روي عن عطاء قال: هو كفر دون كفر».اهـ

وقد حسم حبر الأمة عبد الله بن عباس الموضوع بتفسير موجز مفيد، فقد أخرج الحاكم في المستدرك[(151)] وصححه ووافقه الذهبي، وأخرج البيهقي في سننه وغيرهما عنه في الآيات الثلاث المذكورات أنه قال: «إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [سورة المائدة] كفر دون كفر».اهـ. ومعنى «كفر دون كفر» أي ذنب كبير يشبه الكفر في الفظاعة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» رواه الإمام أحمد، والله يقول: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [سورة الحجرات] .