قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى }

قال الله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } [سورة النجم] .

معناه أن جبريلَ عليه السلام اقتربَ من سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فتدلى إليه فكان ما بينهما من المسافة بمقدار ذراعيَن بل أقرب، وقد تدلَّى جبريلُ عليه السلام إلى محمد ودَنَا منه فَرَحًا به. وليس الأمرُ كما يفتري بعضُ الناس أن الله تعالى دنا بذاته من محمدٍ فكان بين محمدٍ وبين الله كما بين الحاجِبِ والحاجِبِ أو قدرَ ذراعين .

قال الحافظ البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»[(612)]: «عن مسروق قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } قالت رضي الله عنها: كان جبريل عليه السلام يأتي محمدًا صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل فأتاه هذه المرة قد ملأ ما بين الخافقين. رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن يوسف.

ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة». ويقول[(613)]: «عن مسروق قال: سألت عائشة رضي الله عنها في قول الله عز وجل {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى *} {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ *} فقالت: أنا أول هذه الأمة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: جبريل رأيته بالأفق المبين».

ويقول[(614)]: «قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في تقدير قوله {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } على ما تأوله عبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهما من رؤيته صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام في صورته التي خُلق عليها، والدنو منه عند المقام الذي رُفع إليه وأقيم فيه قوله المعنى في جبريل عليه السلام تدلى من مقامه الذي جُعل له في الأفق الأعلى فاستوى أي وقف وقفة ثم دنا فتدلى أي نزل حتى كان بينه وبين المصعد الذي رُفع إليه محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى في ما يراه الرائي ويقدره». ويقول[(615)]: «وروت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على أن قوله {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } المراد به جبريل عليه الصلاة والسلام في صورته التي خُلق عليها». ويقول[(616)]: «قال أبو سليمان: والمكان لا يُضاف إلى الله» اهـ.

قال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني الشافعي في كتابه «الشامل في أصول الدين»[(617)]: «ليس في هذه الآية تصريح بذكر الإلـه وإضافة القرب إليه، فلِمَ ادّعيتم أنه سبحانه وتعالى هو المعني بمضمون الآية؟ ولِمَ وصفتم ربَّكم بالحد والمقدار بتوهم منكم وظن؟ ثم نقول: لعله صلى الله عليه وسلم قرب من درجة لم يبلغها إلا أرفع الخلائق وأعلاهم شأنًا. ثم نقول: الدنو يُحمل على القرب والطاعة – القرب المعنوي لأن القرب المكاني والحسي محال على الله تعالى -، وذكر {قَابَ قَوْسَيْنِ} تأكيدًا له. وهو كما حُمل قوله – في الحديث القدسي -: إذا تقرب العبد إليَّ ذراعًا، تقربت منه باعًا، على القرب والطاعة والرأفة اهـ.