ما هي البدعة ؟

البدعة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الغر الميامين وبعد:

يقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة/3)، فلا ينزل بعد هذه الآية من التحليل والتحريم إلا على وفق القواعد التي قد نزلت وقررت قبل ذلك، ولا يُفهم من الآية تحريم كل ما لم ينص عليه في القرءان أو السنة، وإن كان لا يخالف النص، ثم إن هذه الآية ليست ءاخر ما نزل من القرءان بل ءاخر ءاية نزلت كما روى البخاري في صحيحه قوله تعالى: ” وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ “ (البقرة/281). وليس معناها أن كل ما حدث بعدها من الأفعال هو مردود أو باطل أو غير مقبول، ولا يقال لأي شيء عُمِلَ بعدها إنه بدعة ضلالة ومردود، فقد نزل بعدها آيات عديدة.

إذًا فما معنى البدعة في اللغة والشرع:

أما البدعة لغة فهي ما أحدث على غير مثال سابق، يقال: جئت بأمر بديع أي محدث عجيب لم يعرف قبل ذلك. وقد ذكر ذلك الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي في “تاج العروس” مادة “ب د ع”. وكذلك ذكر مثل ذلك أيضا اللغوي المشهور الفيومي في كتابه “المصباح المنير” مادة “ب د ع” حيث قال: أبدع الله تعالى الخلق إبداعا خلقهم لا على مثال وأبدعت الشىء وأبدعته، استخرجته وأحدثته ومنه قيل للحالة المخالفة بدعة وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة لكن قد يكون بعضها غير مكروه فيسمى بدعة مباحة“اهـ. وفى المعجم الوجيز (ج1/ص45): «بدعه بدعا أنشأه على غير مثال سابق….. البدعة ما استحدث فى الدين وغيره » اهـ

وأما البدعة شرعا فهي المحدث الذي لم ينص عليه القرءان ولا جاء في السنة، قال ابن العربي المالكي: «ليست البدعة والمحدَث مذمومين للفظ بدعة ومحدث ولا معنييهما، وإنما يذم من البدعة ما يخالف السنة، ويذم من المحدثات ما دعا إلى الضلالة» اهـ.

وتقسم البدعة إلى قسمين:

بدعة هدى: وهي المحدثة الموافقة للقرءان والسنة.

وبدعة ضلالة: وهي المحدثة المخالفة للقرءان والسنة.

كما سيأتي بيان أمثلة على كلا النوعين بإذن الله تعالى.

قال النووي في كتاب تـهذيب الأسماء واللغات، مادة “ب د ع” (ج3/22) ما نصه: “البدعة بكسر الباء في الشرع هي: إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلّى الله عليه وءاله وسلم، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة، قال الإِمام الشيخ الـمجمع على إمامته وجلالته وتمكّنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمّد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في ءاخر كتاب القواعد: “البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإِيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فمحرّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة، وللبدع الواجبة أمثلة منها: الاشتغال بعلم النحو للذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، …….وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة، وللبدع المندوبة أمثلة منها إحداث الرُبِط والمدارس، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول، ومنها التراويح، والكلام في دقائق التصوف، ….. وللبدع المكروهة أمثلة: كزخرفة المساجد، ….. وللبدع المباحة أمثلة: منها المصافحة عقب الصبح والعصر، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن”. انتهى كلام النووي.

وقد روى الحافظ البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: “المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة” (ج1/469) وقال الشافعي أيضا: ” البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم “ نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (ج13/253).

ويدل على ذلك من الحديث ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البَجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىءٌ ” فهذا الحديث فيه بيان أن من أحدث شيئا في الدين يوافق شرع الله تعالى فهو مثابٌ على فعله بل وله ثواب يشبه من تبعه في هذا العمل، وأما من أحدث شيئا في الدين يخالفُ شرع الله فهو عاص وعليه وزره ووزرُ مَن تبعه في هذا العمل، فليس كل شىء أُحدث لم يفعلهُ الرسول حراما مذموما.

وأما حديث البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” فمعناه أن المُحدث إنما يكون ردًّا أي مردودا إذا كان على خلاف الشريعة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: “ما ليس منه” أي ما كان مخالفا لنص في شرع الله الحنيف، وأما إذا كان المحدَث موافقا لقواعد الشريعة غير مخالف لها فهو مقبول ليس مردودا.

وأما حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ” فمعناه كما قال الإمام النووي في كتابه شرح صحيح مسلم: “قوله صلى الله عليه وسلم: “وكل بدعة ضلالة” هذا عام مخصوص والمراد به غالب البدع” …. ولا يمنع من كون الحديث عاما مخصوصا قوله عليه السلام: “كلَّ بدعة” مؤكدا بكل، بل يدخله التخصيص مع ذلك كقوله: “تُدَمِّر كلَّ شىء”. (الأحقاف/25) انتهى كلام النووي، ومعناه تدمر الريح كل شئ مرّت عليه من رجال عاد وأموالهم.

أي أطلق الحديث لفظ كل وأراد به الغالب وهذا ما يقال له في علم أصول الفقه العام المخصوص، فقد تطلق كلمة كل ولا يراد بها جميع أفراد الشيء المذكور وإنما يراد به الغالب، وقد ضرب النووي رحمه الله مثالا على ذلك بقوله تعالى: “تُدَمِّر كلَّ شىء”، فيلاحظ أنه ورد لفظ كل في الآية إلا أن الذي تم تدميره فقط ما أمرها الله عز وجل بأن تدمره من مساكنهم وسكانها الكافرين الذين كذبوا نبي الله الذي دعاهم إلى دين الحق، وكذلك ما رواه الترمذي عن أَبي مُوسَى، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» والمراد به غالب الذين لهم أعين لا يتقون الله تعالى فيقعون بمعصية النظر المحرم، وليس المعنى أن كل من له عين يقع بالنظر المحرم، فالأنبياء لهم أعين ولا يقعون بهذا الذنب الذي فيه خسة ودناءة نفس، والملائكة لهم أعين ولا يقعون بهذا الذنب والعياذ بالله، فإذًا أُطلِقَ لفظ كل في الآية والحديث المذكورين وأريد بهما الغالب وليس التعميم على جميع أفراد الشيء المذكور، وهذا ما يقال له العام المخصوص كما ذكرنا، وعليه حمل الفقهاء لفظ الحديث المذكور في أمر البدع: “ وكل بدعة ضلالة” والمراد غالب البدع.

وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته رجلا قال ذِكرا في الصلاة لم يكن الرسول قد علمهم إياه، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزُّرقي قال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ”، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل»،قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: “واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور”. أهـ (ج2/287).

والمفهوم من هذا الحديث ومن كلام الحافظ ابن حجر أنه ليس كل شيء لم يقله النبي صلى لله عليه وسلم للصحابة ولم يَرِدْ عنه مردودا مرفوضا مخالفا للشريعة بل إنه أقر هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه عما قاله من ذكر في الصلاة لم يكن علمهم النبي صلى الله عليه وسلم إياه قبل ذلك.

وبعد أن تكلمنا عن معنى البدعة وأقسامها وبيان الدليل على تقسيمها إلى قسمين، هاكم بعض ما أحدثه أهل السلف بعد وفاة النبي عليه السلام من أمور لم يفعلها عليه السلام ولم يرفضها المسلمون سلفهم وخلفهم ومنها:

ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن شهاب الزهري قال: “فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك” قال الحافظ ابن حجر: “أي على ترك الجماعة في التراويح” فقال عمر رضي الله عنه: “إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ” ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب رضي الله عنه، ثم خرج إليهم وهم يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر رضي الله عنه: ” نعم البدعة هذه “.

فلا يقال بعد ذلك إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خالف الدين وخالف حديث النبي عليه السلام: “وكل بدعة ضلالة”. فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرف أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم به غالب البدع وليس التعميم.

وروى البخاري في صحيحه عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: “انَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ”  فهذه بدعة أحدثها عثمان رضي الله عنه لا تخالف أصلا من أصول الشريعة، فلا نقول إن فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه مخالف للشريعة مناقض للدين بل هو يعرف أحكام دين الله وقواعده ولم ينكر الصحابة ممن عاينوا فعله هذا رضي الله عنه بل أقروه ووافقوه ومشوا على رأيه رضي الله عنهم.

وها هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنه الذي شهد له الرسول بالصلاح، كان يزيد في التشهد “وحده لا شريك له” روى أبو داود في سننه “عن ابن عمر، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -في التشهُّد: “التحيّاتُ لله، الصلواتُ الطيباتُ، السلامُ عليك أيُّها النبي ورحمةُ الله وبركاتُه- قال: قال ابن عمر: زدتُ فيها: وبركاته- السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهدُ أن لا إله إلا الله- قال ابن عمر: زدتُ فيها: وحدَه لا شريك له- وأشهدُ أن محمداً عبده ورسولُه.

ومما يدل على أنه ليس كل ما أحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم ينص عليه بدعة ضلالة إحداث خُبَيب بن عَدِي رضي الله عنه ركعتين عندما قدم للقتل كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “فَخَرَجُوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوه” (أي أن المشركين خرجوا بِخُبَيب من الحرم لقتله) فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: لَوْلاَ أَنْ تَرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ المَوْتِ لَزِدْتُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ القَتْلِ هُوَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا” ثم قال:

مَا أُبَالي حِينَ أُقتَلُ مُسْلِمًا … عَلى أيِّ شِقٍّ كانَ لِلَّه مَصْرَعِي

وذلكَ في ذَاتِ الإِلَهِ وَإنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعٍ

ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله.

ومن البدع الحسنة الاحتفال بذكرى مولد خير الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا العمل لم يكن في عهده عليه السلام، إنما حدث في القرن السابع الهجري وكان أول من أحدثه الملك المظفر وكان حاكم إربل، جمع العلماء فاستحسنوا هذا العمل، ومن العلماء الذين استحسنوا هذا العمل الحافظ السخاويّ والحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ العراقي الذي ألف “المورد الهني في مولد النبي” والحافظ السيوطي الذي ألف رسالة سماها “حسن المقصد في عمل المولد” وغيرهم من الفقهاء والعلماء.

فالاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ليس فيه ما يخالف الدين، وله أصل في الشرع وهو ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال عليه الصلاة والسلام: “فيه ولدتُ وفيه أنزل عليّ“. فيستفاد من جوابه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم يوم الاثنين بخصوصه لأمر عظيم حدث فيه وهو يشكر ربه على نعمته تلك فيصومه شكرا لله عز وجل وقد بين لنا صلى الله عليه وسلم هذه النعمة وهي قوله إنه ولد فيه وأنه بُعث فيه، والمسلمون الذين يحتفلون بمولده صلى الله عليه وسلم يحتفلون بما يوافق الشريعة بقراءة القرآن وبذكر سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم الشريفة وبالصلاة عليه عليه الصلاة والسلام ويفعلون ذلك شكرا لله عز وجل على نعمة بروز هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

وحديث البخاري ومسلم في الصحيحين أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ»، أي رغب به، فيستفاد منه فعله الشكر لله تعالى على ما منَّ به في يوم معيّن من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصلُ بأنواع العبادة كالسجود والصيام والتلاوة، وأيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه في ذلك اليوم. وإظهار الفرحة بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم لا يؤخر الأمة ولا يعيدها إلى الوراء، بل فيه إظهار التفاف المسلمين حول سنة نبيهم وأنهم على نهجه ثابتين إن شاء الله مهما حاول أعداء الدين إبعادهم وبث الفتن فيما بينهم.

ومن السنن الحسنة التي اعتاد عليها المسلمون، الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وحدث هذا في القرن السادس وكانوا قبل ذلك لا يجهرون بها، كما قال الحافظ السيوطي في كتابه الوسائل إلى مسامرة الأوائل وكان الإمام البطل الشجاع التقي النقي صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه هو من أحدث الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان، واستدلال السخاوي في كتابه القول البديع في الصلاة على النبي الشفيع في أمر الجهر بالصلاة على النبي عليه السلام بعد الأذان: بقوله تعالى في سورة الحج: “وافعلوا الخيرَ لعلكم تُفلحون”.

ويكفي في إثبات كون الجهر بالصلاة على النبي عليه السلام سنة حسنة عقب الأذان قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ له الشَّفَاعَةُ». ولا نقول إنها لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم فهي حرام والعياذ بالله، فإن الرسول لم يحرم ذلك، وليس كل ما لم يفعل في عهد النبي حرام، إنما الأمر في ذلك يتوقف على ورود نهي بنص أو استنباط من مجتهد من المجتهدين كالأئمة الأربعة، والجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان توارد عليه المسلون منذ قرون ولم ينكر ذلك أحد من الأئمة الأعلام والعلماء الكرام، ثم إن الرسول لم يقل لا تصلوا علي جهرا، وإن الله تعالى يقول في سورة الأحزاب: “إن اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصلُّون على النبيِّ يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما”. وقد شرع الله لنا الصلاة على نبيه ولم يرد تحريم ذلك في وقت من الأوقات.

ومن البدع الحسنة أيضا عمل المحاريب والمآذن، فالنبي عليه السلام لم يعمل محرابا لمسجده بل عملت هذه المحاريب المجوفة بعد وفاته عليه السلام بنحو تسعين سنة وكان أول من أحدثها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

ومن البدع الحسنة أيضا نقط المصحف فالصحابة الذين كتبوا الوحي الذي أملاه عليهم الرسول كانوا يكتبون الباء والتاء ونحوهما بلا نقط، ثم عثمان رضي الله عنه لما كتب ستة مصاحف وأرسل ببعضها إلى الآفاق إلى البصرة ومكة وغيرهما واستبقى عنده نسخة كانت غير منقوطة، وإنما أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر كما ذكر ابن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف.

ومن الأمثلة على القِسْم الثَّاني من البدع السَّـيِّـئَة:

بدع اعتقادية كَبِـدْعَةِ المعتزلةِ والمجسمة المشبهة الذين يعتقدون أن الله يشبه خلقه والعياذ بالله تعالى وبدع الخَوَارجِ وغيرِهم من الذينَ خَرَجُوا عمَّا كانَ عليه الصَّحابةُ رِضوانُ الله عليهم في المُعْـتَـقَدِ.

ومن بدع عملية أيضًا ككتابة (ص) وأقبح منها كتابة (صلعم) بَعْدَ اسمِ النبيِّ بَدَلَ (صلَّى الله عليه وسلَّم) وقد نَصَّ المُحَدِّثُونَ في كُتُبِ مصطلحِ الحديثِ على أنَّ كتابةَ الصَّادِ مُجَرَّدَةً مَكْرُوهٌ ومَعَ هذا لم يُحَرِّمُوها.. انظر كتاب (تدريب الرَّاوي) للسُّيوطيِّ.. وهو كتاب في مصطلح الحديث..

ومن البِدَعِ السَّـيِّـئَةِ أيضًا تحريفُ اسمِ الله إلى أللا أو ءاه ونحوِه كما يفعلُ كثيرٌ من المنتسبينَ إلى الطُّرُقِ، فإنَّ هذا من البدعِ المُحَرَّمَة.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين….